+ الرد على الموضوع
صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 18 إلى 34 من 39

الموضوع: فرسان العشق الإلهي

  1. #18
    [align=center]فرسان العشق الإلهي

    أبو حسين الحلاج... الصوفي الثائر الذي أهلكته شطحاته


    د. عمار علي حسن



    نبت على أكف ما تركه البسطامي من آثار، فسار على خطاه وكان أبرز تلاميذه عن بعد، لكن السياسة أخذته أحياناً من التصوّف، وتحولت شطحاته الفلسفية إلى تمرّد سياسي اختلف حوله المؤرخون. وعلى رغم الأقلام الكثيرة، التي أعملت فيه مدادها على مدار القرون الفائتة، فإنه لا يزال لغزاً إلى الآن، ولا يزال الناس مختلفين حوله، بين متعاطف يحيله إلى ثائر على الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي، وبين حانق يرى فيه مجدّفاً زنديقا، شوشت عليه الفلسفات الغنوصية الشرقية، وتاهت أقدامه عن طريق الإسلام المستقيم الواضح كشمس ظهيرة صيف.

    هو الحسين بن منصور بن محمي، الملقّب بالحلاج، ولد عام 244 هـ، 858 م. وكان جده محمّى مجوسيًا من أهل فارس ثم اعتنق الإسلام. وقد نشأ الحسين بواسط ثم دخل بغداد وتردد إلى مكة واعتكف بالحرم فترة طويلة وأظهر للناس تجلدًا وصبرًا شديداً على مكاره النفس، مستفيداً من الفلسفات الهندية التي تدعو إلى مقاومة الجوع والتعرّض للحر والبرد.

    عاصر الحلاج تسعة من الخلفاء، قُتل خمسة منهم ومات ثلاثة آخرون ميتة مشبوهة! وكان شاهداً على تحلًل الخلافة، بفعل الظلم المتفشّي والاستبداد المستشري، الذي قاد إلى احتجاجات وتمردات وثورات على رأسها ثورتا الزنج والقرامطة وفورة ابن المعتز، وأدى في الوقت ذاته إلى تفكك أوصال الخلافة، حتى لم يبق منها تحت أقدام بني العباس سوى العراق. وزاد الطين بلة استعانة المعتصم بالأتراك، الذين زادت سطوتهم، وعلت منزلتهم على العرب، وأذاقوا الرعية ظلماً وتنكيلاً.

    جدل لم ينتهِ

    الحلاج من أكثر المتصوّفة إثارة للجدل، فكثيرون من علماء السنة اتفقوا على تكفيره ووصفوه بـ{الزنديق}، ومن بينهم من اكتفى بتفسيقه، ورميه بممارسة السحر والشعوذة، وفضح بعض شطحاته، المرتبطة بفكرة {الحلول والاتحاد}. واتهمه مؤرخو السنة بأنه {منافق، متلون كالحرباء مع كل طائفة حتى يستميل قلوبهم}. فقد كان الحلاج متقلباً في أعين العوام، فكانوا يرونه تارة مرتدياً زي الفقراء والزهاد، وتارة بزي الأغنياء والوزراء، وتارة في لباس الأجناد والعمال.

    وهو مع كل قوم على مذهبهم، إن كانوا أهل سنة أو رافضة أو معتزلة أو صوفية أو حتى فساق. ورأى قاضي بغداد آنذاك محمد بن داود قاضي أن آراء الحلاج تتعارض مع تعاليم الإسلام، لذا رفع أمره إلى القضاء طالباً محاكمته أمام الناس والفقهاء. فهو حين سئل عن رأيه في الحلاج قال: {إن كان ما أنزل الله تعالى على نبيه عليه السلام حقاً وما جاء به حقاً، فما يقول الحلاج باطل}. وكان شديداً عليه، ثم حكم بكفره لتأويله آيات القرآن، في مسألة الحب الإلهي خصوصاً، وبمخالفته السنة النبوية.

    وقد فتح ابن مجاهد كبير قراء القرآن في عصره قضية الحلاج مجدداً، بعد أن وقع في يده تفسير بخط يد الحلاج، وقد تضمن من ذكر أرباب عدة وآلهة كثيرة. فسلّم ابن مجاهد هذا التفسير للوزير علي بن عيسى، ولم يتسامح مع تفسير الحلاج على رغم غضّه الطرف عن كثير من شطحات المتصوفة.

    أما القاضي أبو عمر المالكي فقد كان مفتي الفتوى الخاصة بحكم الإعدام ومزكي الشهود الموقعين، فقد تشبث الوزير حامد بن العباس بزلة لسان القاضي، {يا حلال الدم} على رغم تشاغله عنه. واعتبر الشبلي أن استشهاد الحلاج وردة من الجمال المحرم وليس زاد خلود يبلغه من يشاء، وربما جسدت مواقف كل من ابن عطاء وابن سريج وابن عقيل في ما بعد، والذي ألف رسالة في نصرة الحلاج.

    لكن ثمة من جاروا الحلاج، وسعوا إلى تأويل أقاويله، بما لا يجعله منحرفاً إلى حد كامل عن الشرع. وسعى هؤلاء إلى تبرئته، من خلال الإدعاء بأن ما قيل على لسانه لا أساس له من الصحة وأنه كلام مدسوس عليه. أما أتباعه من المتصوفين وهم قلة فإنهم يقدسون أقواله ويؤكدون نسبتها إليه ولكنهم يقولون إن لها معاني باطنة غير المعاني الظاهرية، لا يفهمها أحد سواهم. بينما جنح المستشرقون إلى تفسيرات أخرى وجعلوا منه بطلاً ثورياً شبيهاً بأساطير الغربيين.

    وكان ابن عطاء الحنبلي في مقدمة الفقهاء الذين دافعوا عن الحلاج، إذ قيل إنه عُرض عليه بعض أقوال الحلاج فقال: {إنها اعتقاد صحيح، وأنا أعتقده، ومن لا يعتقد مثل هذا فهو بلا اعتقاد}، وقد كلفه رأيه هذا حياته، حين ضرب وحمل إلى منزله وهو يحتضر فمات بعد ذلك بسبعة أيام فقط، وقبل أيام من مقتل الحلاج. أما أبو العباس بن سريج الشافعي فقال حين سئل عن الحلاج: {أراه حافظاً للقرآن عالماً به ماهراً في الفقه عالماً بالحديث والأخبار والسنن صائماً الدهر قائماً الليل يعظ ويبكي ويتكلم بكلام لا أفهمه فلا أحكم بكفره}. ويقال أيضاً إنه سئل عن فتوى قتل الحلاج فقال: {لعلهم نسوا قول الله تعالى: {أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله}}. ثم قضى في النهاية بجملة أثيرة تقول عن الحلاج: {هذا رجل خفي عني حاله، وما أقول فيه شيئاً}.

    ويرى ابن النديم أن الحلاج دعا في بداية أمره إلى الرضا من آل محمد ضد بني العباس، وبذلك يعد من دعاة الإسماعيلية، على خطى أبيه الذي كان أول من دعا إلى اعتناق هذا المذهب في الري وأذربيجان وطبرستان. أما ابن كثير فينعته بالرافضي، ويستند في ذلك إلى اعتماد كثير من الرافضة على آرائه ومواقفه. ويذهب المؤرخ الشهير ابن خلكان إلى ما هو أبعد من ذلك حين يجزم بأن الحلاج كان متصلاً بالقرامطة والعلويين المناهضين للدولة العباسية. وثمة من رأى أنه كان من شيعة آل البيت، وأنه قتل لهذا السبب. ويؤيد هذا الرأي كل من أحمد أمين وزكي مبارك، ويستند أصحابه على ورقة كتبها الحلاج ذات يوم، ووضع فيها اسم علي في الصدارة وبخط بارز. وثمة من يرفض هذه الأقاويل كلها ولا يرى في الحلاج إلا داعية لنفسه، ورجلاً شاطحاً تصور أنه المهدي المنتظر، بل وصل به الأمر إلى إدعاء الربوبية ومراسلة أتباعه من لدى سدرة المنتهى. ويستدل على ذلك بقول الحلاج: {أنا رأس مذهب، وخلفي ألوف من الناس}، ثم شطحه بالقول: {إني مغرق قوم نوح، ومهلك عاد وثمود}.

    وتتعد الروايات في الحلاج حسب موقف أصحابها منه. فثمة من يركز على حلوله، الذي يغني عن الصلاة والزكاة والصوم والحج . وهنا ينسب إلى الحلاج قوله: {إن من صام ثلاثة أيام لا يفطر إلا في اليوم الرابع على ورقات هندباء أجزأه ذلك عن صيام رمضان ... ومن صلى في ليلة ركعتين من أول الليل إلى آخره، أجزأه ذلك عن الصلاة بعد ذلك وإن من جاور بمقابر الشهداء، وبمقابر قريش عشرة أيام يصلي ويدعو ويصوم ثم لا يفطر على شيء من خبز الشعير والملح الجريش أغناه ذلك عن العبادة بقية عمره}. ويذهب خصومه إلى أن الحلاج ابتني كعبة مصغرة في بيته، وطالب الناس بالحج إليها.

    أما المدافعون عنه فقد سعوا إلى خلق الأعذار له، ودحض الرويات التي تقدح فيه، وتأويل ما يمكن أن ينصرف على الكفر أو الفسوق.

    وثمة من يحاول أن يضع كل ما سبق في ميزان حكم دقيق، فيؤكد أن الرافضة هم الذين سعوا الى قتله، ولو كان منهم ما أقدموا على هذا، وأن الحلاج لم يكن سوى ثائر سياسي وقطب صوفي، دعا الأمراء إلى الإصلاح فناصبوه العداء، وأطلقوا الشائعات حوله. وفي الأحوال كلها يبقى الحلاج أحد الألغاز الظاهرة في التاريخ الإسلامي برمته. ولهذا كان التصوف لدى الحلاج جهاد في سبيل إحقاق الحق، وليس مسلكاً فردياً بين العبد وربه فحسب. وهنا ينظر البعض إلى الحلاج بوصفه رمزاً كبيراً ساهم في تطوير النظرة العامة إلى التصوًف، فجعله يفارق الجوانية ليصبح جهاداً ضد الظلم والطغيان الذي كان سائداً في المجتمع العباسي.

    بداية المأساة

    بدأت مشكلة الحلاج بعد عودته من حجه الثاني إلى بغداد قرابة 291هـ، إذ لاحظ ابنه أحمد أن أباه تغير، كما لو أنه انقطع لرسم خطته ومنهجه اللذين سينشر بهما مذهبه، وبدأ في نظم كلام غريب من قبيل:

    هيكلي الجسم نوري الصميم صمدي الروح ديـان عليـم

    عاد بالروح إلى أربابهــا فبقى الهيكل في الترب رميم

    لم ترقَ هذه الأقوال لا للمتصوفة ولا للفقهاء، وألبت عليه الحكام الذين لفت انتباههم أن الحلاج طامح إلى الزعامة السياسية، لا سيما بعد أن أقام الحلاج جسوراً متينة مع عدد من الأمراء والأعيان في معظم البلدان التي زارها، ففي حجه الأول التقى بأمراء من الخراسانيين والأتراك، ونجح في أن يؤثر في أمراء من قوهستان وما حولها. كذلك التقى الأمير أخ صعلوك والي الري، وأقنعه بما يقول. وراح يؤلف الكتب لعدد من الأعيان.

    وخلال هذه الفترة قطع الحلاج صلته مع أقرب الناس إليه وهو أستاذه الجنيد. فقد سأل الحلاج الجنيد: ما الذي باين الخليقة عن رسوم الطبيعة؟!، فإذا بالجنيد ينهره في حدة: في كلامك فضول. أية خشبة تفسدها؟! فاسودت الدنيا في عيني الحلاج، واختلى بنفسه بين القبور، ليترسخ في داخله يقين بأن: {منزلة الرجال تعطى ولا تتعاطى}. ودخل الحلاج في جدل عنيف مع ذاته انتهى بخلعه خرقة الصوفية، وابتعاده عنهم، الذي ترجمه ذات يوم باعتراضه على الجنيد. فما إن وقف على المنبر يخطب في الناس، حتى قال له الحلاج: يا أبا القاسم، إن الله لا يرضى عن العالم بالعلم حتى يجده في العمل، فإن كنت في العلم فالزم مكانك وإلا فانزل. فنزل الجنيد ولم يتكلم على الناس شهراً.

    وإثر إصراره على مواصلة طريقه، ذاع صيته، حتى رأى فيه بعض الوجهاء قائداً ملهماً، لا سيما في بلاد ما وراء النهرين، التي كان دائم السفر إليها. وطاف أيضا في الكثير من البلدان ودخل المدن الكبيرة وانتقل من مكان لآخر داعيا إلى الله على طريقته في الحلول والاتحاد، فكان له أتباع في الهند وفي خراسان، وفي سركسان وفي بغداد وفي البصرة.

    وكان أهل الهند يخاطبونه بـ{الغوث} وكاتبه أهل سركسان بـ {المقيت}، وكاتبه أهل خراسان بـ {المميز}، وأهل فارس بأبي عبد الله {الزاهد}، وبعض أهل بغداد وصفوه بـ {المصطلم}.

    وهذه الأوصاف والنعوت جعلت للحلاج هيبة حتى في قلوب أهل السلطة، فها هو يصرخ ذات يوم في الوزير علي ابن عيسى: {قف حيث انتهيت ولا تزد عليه شيئاً، وإلا قلبت عليك الأرض}، فما كان من الوزير إلا أن تهيب مناظرته واستعفى منه.

    راح الحلاج يختلط بالعوام، وكانت مواعظه في الأهواز بالغة الأثر في حياة الناس، والتي امتدت ما بين: 272– 273 و 279–281 هـ.اتصل الحلاج بالدنيويين مثلما اتصل بالكتبة وعمال المال وكبار الموظفين. وأبدى بعض هؤلاء تعاطفاً معه إلى أبعد مدى. فعقب أقواله الثورية التي كان يطرحها على الناس في المساجد أو في الأسواق كانوا يبكون لحاله.

    وخلال هذه الفترة تناقل الناس ما كان يصدر عن الحلاج من كلام غريب على أسماع العوام، مثل ذلك الذي يرويه عنه الشيخ إبراهيم بن عمران النيلي، حيث قال: { سمعت الحلاج يقول: النقطة أصل كل خط، والخط كله نقط مجتمعة. فلا غنى للخط عن النقطة، ولا للنقطة عن الخط. وكل خط مستقيم أو منحرف فهو متحرك عن النقطة بعينها، وكل ما يقع عليه بصر أحد فهو نقطة بين نقطتين. وهذا دليل على تجلّي الحق من كل ما يشاهد وترائيه عن كل ما يعاين. ومن هذا ُقلت: ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله فيه}.

    وكان يناجي ربه ويقول: {وأنا بما وجدت من روائح نسيم حبك، وعواطر قربك استحقر الراسيات واستخف بالأرضين والسماوات}.

    وكان يقول أيضاً: {يا إله الآلهة، ويا رب الأرباب... رد إلي نفسي لئلا يفتتن بي عبادك}. ولم يكتف الحلاج بمناجاته وإنما أخذ يصيح في الأسواق: {يا أهل الإسلام أغيثوني، فليس يتركني ونفسي فآنس بها، وليس يأخذني من نفسي فأستريح منها، وهذا دلال لا أطيقه}. وقد أصرّ الحلاج حتى آخر حياته على أن أستاذيه إبليس وفرعون، ثم ادعى النبوة. فقبض عليه فأنكر ما نسب إليه، وناظره الفقهاء في لقاء فلسفي مشهود، انتهوا إلى أنه رجل شاطح، فأُمر بسجنه، وبقي في السجن مقيداً أول الأمر، لكن خفِّف عليه العقاب، فبنوا له بيتاً صغيراً في السجن، ما أتاح له مواصلة التأليف، ورؤية أصدقائه. ويقال إنه نجح في تطبيب الخليفة من علة أصابته، وعليها نُقل إلى دار السلطان ليقيم فيها.

    إصرار حتى النهاية

    لكن الحلاج لم يرتدع، بل قيل إنه ادعى الربوبية، وأضلّ خلقًا كثيرًا من غلمان بيت الخليفة والوزراء ومن الخدم والحشم، بل أضل نصر القشوري حاجب الخليفة نفسه، وظهرت طائفة بالعراق تقول عن الحلاج إنه إله وإنه يحيي الموتى، وإن الجن مسخرون له، ومؤتمرون بأمره. وترددت في هذه الآونة شائعات تقول إن ثلاثة أفراد من متآمري القرامطة أقسموا على تدمير الإسلام وهم {أبو سعيد الجنابي[ت301] وله الإحساء والحلاج وله بغداد وابن المقفع وله بلاد الترك}. وما زاد الطين بلّة أن سطوة الحلاج راجت في وقت قامت للشيعة دولة كبرى، وهي الدولة الفاطمية، وقد قيل إن الحلاج أرسل رسالة إلى أحد مريديه يعبر فيها عن ابتهاجه بظهور ما أسماها {الدولة الغراء الفاطمية الزهراء المحفوفة بأهل الأرض والسماء... ليكشف الحق قناعه ويبسط العدل باعه}.

    ولهذا قُبض على عدد من أتباعه، فاعترفوا عليه بأنه يدعي الربوبية والألوهية، فلما واجهوه بالشهود أنكر بشدة وتبرأ منه وجعل لا يزيد على الشهادتين والتوحيد، {فكبسوا داره فوجدوا فيها رسائل وكتبًا مكتوبة بماء الذهب على ورق الحرير فيها ضلالاته وكفرياته، ثم أقرت عليه زوجة ابنه سليمان بأنه قد أمرها بالسجود إليه وقال لها لما اعترضت: نعم إله في السماء وإله في الأرض}. وعقد له مجلس مع الفقهاء والعلماء فأفتوا بكفره وضلاله ووجوب قتله، فأصدر الخليفة المقتدر بالله أمرًا بضربه ألف سوط ثم قطع يديه ورجليه ثم صلبه على جسر بغداد.

    ولما عقدت المحكمة استبعد القضاة الشافعية والحنابلة لأنهم كانوا خصوم الدولة ومشككين في شرعية المحكمة، كان رئيس المحكمة مالكي، والمالكية لا تقبل توبة الزنديق. وظل الحلاج متماسكاً طوال المحاكمة التي كانت في مصلحته أول الأمر، إلى أن نوقش في مسألة الحج، التي أفتى فيها بجواز أن يطوف المرء، حال عدم استطاعته الحج إلى الكعبة، ببيته سبع مرات، فإذا فعل ذلك سقط عنه الحج!. وتساءل القاضي عن أسانيد الحلاج في هذا القول، فرد عليه بأنه وجد حكمها في كتاب {الإخلاص} للحسن البصري.

    ورد عليه القاضي بأنه قرأ هذا الكتاب ولم يجد فيه مثل هذا الرأي. واحتج الحلاج وراح يصرخ: {ظهري حمى وجسمي حرام، وما يحل لكم أن تتأولوا علي بما يبيحه اعتقادي الإسلام ومذهبي السنة ولي كتب في الوراقين، فاللهَ اللهَ في دمي}. وحاول الحلاج تحدي قضاته بالدعوى إلى تحكيم الله في المخطئ والمذنب من الطرفين ، لكن السيف كان سبق العزل.

    وكان التصديق على حكم إعدامه يتضمن الشكل الذي نفذ به، حيث استعمل فيه السوط الذي يكون في الحدود كلها وفي التعزير، والسيف الذي لا يقع إلا بين كتفي زنديق، والصلب الذي يكون في العادة لقطاع الطرق والمحاربين، والنار التي نهى عنها لأنها مثلة ثم نصب الرأس والأعضاء الذي لا يكون إلا للخارج، مع تنفيذ ذلك كله علناً وأمام الناس.

    ويقول المستشرق الألماني الشهير كارل بروكلمان إن محاكمة الحلاج استمرت سبعة أشهر، ظل خلالها الحلاج يناظر فيها من دون أن يظفرون منه بشيء، وأغرب ما في الأمر أن التهم التي وجِّهت الى الحلاج من ممارسة السحر مروراً بدعوى عبادة تلامذته له، انتهاءً بكلماته المستغربة، لم تجعل القضاة يحكمون بموته، وإنما تمسكوا بقضية تعد فرعية إلى جانب الاتهامات السابقة وأطلقوا حكمهم عليها، وتتمثل في صرخة الحلاج في الوزير حامد المتحمس لمحاكمته وقتله: {يا حلال الدم}.

    وهنا يقول الدكتور محمد حلمي عبد الوهاب في كتابه {ولاة وأولياء} إن الحلاج قُتل لأسباب سياسية ذات لبوس دينية لتوفير غطاء الشرعية على الحكم، ولن يكون الحلاج آخر شهيد للتصوف في الإسلام، فعلى غراره استشهد النسيمي الذي وضع له حسادة آية الصمد في نعل حذائه، ولم يدافع عن نفسه، {وصار ينشئ موشحات في التوحيد وهم يسلخونه حتى عمل خمسمائة بيت، وكان ينظر إلى الذي يسلخه وهو يبتسم} . ثم يضيف {لم يكن استشهاد الحلاج موتاً اعتيادياً، بل كان أشبه بعملية تصفية دموية، نالت منه عضواً عضواً، فالجسد منصوب فوق الجذع، مبعثر تعمه فوضى انفجار المعذب المكلوم إلى أشلاء تصاعد في الهواء ثم تطرح أرضاً، هدفاً لكل التهكمات، مبتور الرأس، مقطع الأطراف، محترقاً، وفيما يساق إلى النهاية، يرقص في قيده فرحاً ومبتهجاً، ينشد قائلاً: {نديمي غير منسوب إلى شيء من الحيف}، فلما قطعت يداه راح ينشد: {إلهي إنك تتودد إلى من يؤذيك، فكيف بمن يؤذي فيك}.

    وبعد قتل الحلاج مُنع الوراقون من استنساخ كتبه، ومنع الناس من ذكره أو الترحم عليه، ولذا فإننا إن تابعنا المؤلفات الصوفية من بعده، نجد القشيري لم يترجم للحلاج في رسالته، وعلى الرغم من استشهاده بأقواله في أكثر من خمسين موضعاً، إلا أنه كان يكتفي في الغالب بقوله: وقال بعضهم، وفي حالات تعد على الأصابع ذكر الحلاج باسمه دون لقبه، أما الطوسي ففي كل مرة يتعرض فيها للحلاج يشفع اسمه بالترحم عليه. ومع هذا بقيت للحلاج شاهدة عليه وعلى أفكاره، ومنها {الساسة والخلفاء والأمراء} و{السياسة والخلفاء} و{الدرة} و{كيد الشيطان وأمر السلطان} و{الطواسين}.


    http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=127332[/align]
    [align=center]*********************

    http://www.rifaieonline.com/

    www.geocities.com/alrifaia

    *********************
    [/align]



    [move=right]منكري الكرامات على الأولياء ينظرون للكرامة على أنها من فعل الولي

    ولا ينظرون إليها على أنها فعل الله أجراه على الولي[/move]

    [align=center]
    ***************************[/align]

  2. #19

    حول الرد على الرد من طرف بنت الرفاعي

    السلام عليم ورحمة الله تعالى وبركاته أما بعد:
    أختي والله لست وهابياً ولست سنيا أو إلى أي فرقة موجودة أنا كما سماني نبي الله إبراهيم "مسلم" أتبع كتاب الله وسنة خاتم الأنبياء والرسل محمد بدون تلقيب إلا ما سمانا به سيدنا إبراهيم أنا أرضى به.
    الكلمة التي إختلفنا فيها أختي لايجب أن تدعوك للغضب بل للترحيب بالمناقشة.
    أنا من الجزائر ولا أنتمي لأي فرقة
    سؤال فقط لك:
    ماهي حجتك لكلمة العشق بدل الحب الذي ملأت كلماته القرآن الكريم
    أتمنى أن لا أكون مررت في منتداكم مرور البغضاء
    يحفظكم الله

  3. #20
    [align=center]فرسان العشق الإلهي

    إبراهيم بن أدهم... سلطان الزاهدين الذي اتّفق الجميع عليه


    د. عمار علي حسن


    أطلق عليه الناس «سلطان الزاهدين». متفق على ورعه وزهده ونبل مقصده وحسن سيرته لدى الفرق والجماعات والتيارات الإسلامية كافة. كان يبحث عن الحلال عملاً وطعاماً، ويعد هذا الأمر جوهر العبادة. ترك وراءه أقوالا مأثورة ومواعظ محفورة في قلوب العارفين.

    هو إبراهيم بن منصور بن يزيد بن جابر التميمي البلْخي، ويكنَّى بأبي اسحق. مسقط رأسه كورة بلخ في خراسان، ولد في مكة حين كان أبوه يحج مع زوجته وهي حبلى، وقيل إنها طافت به على الخلق في الحرم، وطلبت من كل من رأته أن يدعو الله له أن يكون صالحاً. وقد كان الأب من الأثرياء، فعاش ابنه في كنفه حياة رخية مترفة، وكان مشغولاّ في مقتبل حياته بالصيد.

    ويقال إنه خرج ذات يوم في رحلة صيد راكبًا فرسه، وكلبه معه، فسمع هاتفاً يقول له: ليس لهذا خلقت ولا بذا أمرت. وتكرر النداء مرات عدة، فأيقن أنه هاتف من السماء، فأوقف فرسه، وصادف راعياً لأبيه، فأخذ جبته ولبسها، وأعطاه ثيابه وقماشه وفرسه وترك طريقته، ثم قال: والله لا عصيت الله بعد يومي إذا ما عصمني ربي، ثم بدأ رحلته إلى الله بطلب العلم والغوص في قيعان الزهد البعيدة، فذهب إلى مكة وصحب سفيان الثوري، والفُضَيْل بن عياض، وتعلم منهما الكثير، ثم عاد إلى الشام، وشارك في الجهاد، ورابط على الثغور، واستقر زمناً في البصرة، وذاع صيته بين الناس.

    وتنقل هذه الحكاية عنه بطريق إبراهيم بن بشار الذي قال: قلت لإبراهيم بن أدهم: كيف كان بدء أمرك؟ قال: غير ذا أولى بك. قلت: أخبرني لعل الله أن ينفعنا به يوماً. قال: كان أبي من الملوك المياسير، وحبب إلينا الصيد، فركبت، فثار أرنب أو ثعلب، فحركت فرسي، فسمعت نداء من ورائي: ليس لذا خلقت، ولا بذا أمرت. فوقفت أنظر يمنة ويسرة، فلم أر أحدا، فقلت: لعن الله إبليس، ثم حركت فرسي، فأسمع نداء أجهر من ذلك: يا إبراهيم! ليس لذا خلقت، ولا بذا أمرت فوقفت أنظر فلا أرى أحداً، فقلت: لعن الله إبليس، فأسمع نداء من قربوس سرجي بذاك، فقلت: أنبهت، أنبهت، جاءني نذير، والله لا عصيت الله بعد يومي ما عصمني الله، فرجعت إلى أهلي، فخليت فرسي، ثم جئت إلى رعاة لأبي، فأخذت جبة كساء، وألقيت ثيابي إليه، ثم أقبلت إلى العراق، فعملت بها أياماً، فلم يصف لي منها الحلال، فقيل لي: عليك بالشام، وقال الخادم له: أنت تحرس فاكهتنا، ولا تعرف الحلو من الحامض؟ قلت: والله ما ذقتها. فقال: أتراك لو أنك إبراهيم بن أدهم، فانصرف، فلما كان من الغد، ذكر صفتي في المسجد، فعرفني بعض الناس، فجاء الخادم ومعه عنق من الناس، فاختفيت خلف الشجر، والناس داخلون، فاختلطت معهم وأنا هارب.

    وقيل إنه كان يلبس فرواً بلا قميص، وفي الصيف شقتين بأربعة دراهم: إزار ورداء، ويصوم في الحضر والسفر، ولا ينام الليل، وكان يتفكر، ويقبض أصحابه أجرته، فلا يمسها بيده، ويقول: كلوا بها شهواتكم، وكان يطحن بيد واحدة مدّين من القمح.

    شهد لابن أدهم كثيرون، وتحدثوا عن مآثره، فقال البخاري: قال لي قتيبة: إبراهيم بن أدهم تميمي يروي عن منصور، وقال النسائي: هو ثقة مأمون، أحد الزهاد. وقال عنه يونس البلخي: كان من الأشراف، وكان أبوه كثير المال والخدم. وفي «رسالة القشيري»، قال: ورأى في البادية رجلاً، علمه الاسم الأعظم فدعا به، فرأى الخضر، وقال: إنما علمك أخي داود. وقال عنه عبد الله بن المبارك: وله فضل في نفسه، صاحب سرائر، وما رأيته يظهر تسبيحاً، ولا شيئاً من الخير، ولا أكل مع قوم قط، إلا كان آخر من يرفع يده. أبو نعيم: سمعت سفيان يقول: كان إبراهيم بن أدهم يشبه إبراهيم الخليل، ولو كان في الصحابة، لكان رجلاً فاضلاً. وقال بشر الحافي: ما أعرف عالماً إلا وقد أكل بدينه، إلا وهيب بن الورد وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط، وسلم الخواص.

    لم يكن ابن أدهم متواكلاً، يميل إلى العبادة على حساب العمل، بل كان يأكل من عمل يده. فقد عمل أجيرًا لدى أصحاب المزارع، يحصد لهم الزروع، ويقطف لهم الثمار ويطحن الغلال، ويحمل الأحمال على كتفيه، ويحرس البساتين، وكان سخياً لا يحتفظ بشيء من أجره بل ينفقه على أصحابه وذوي الحاجة مكتفياً بأبسط طعام، الذي كان غالباً ما يكون الخبز والماء.

    وفي هذا، سمعه أحد أصحابه ذات مرة وهو يقول: ذهب السخاء والكرم والجود والمواساة، من لم يواسِ الناس بماله وطعامه وشرابه فليواسهم ببسط الوجه والخلق الحسن. إياكم أن تكون أموالكم سببًا في أن تتكبروا على فقرائكم، أو سببًا في ألا تميلوا إلى ضعفائكم، وألا تبسطوا إلى مساكينكم.

    كان نشيطًا في عمله، يحكي عنه أنه حصد في يوم من الأيام ما يحصده عشرة رجال، وفي أثناء حصاده كان ينشد قائلاً: «اتَّخِذِ اللَّه صاحبًا... ودَعِ النَّاسَ جانباً».

    ويروي بقية بن الوليد، يقول: دعاني إبراهيم بن أدهم إلى طعامه، فأتيته، فجلس ثم قال: كلوا باسم الله، فلما أكلنا، قلت لرفيقه: أخبرني عن أشد شيء مرَّ بك منذ صحبته. قال: كنَّا صباحًا، فلم يكن عندنا ما نفطر عليه، فأصبحنا، فقلت: هل لك يا أبا إسحاق أن تأتي الرَّسْتن، وهي بلدة بالشام كانت بين حماة وحمص، فنكري أنفسنا مع الحصَّادين؟ قال: نعم. قال: فاكتراني رجل بدرهم، فقلت: وصاحبي؟ قال: لا حاجة لي فيه، أراه ضعيفًا. فما زلت بالرجل حتى اكتراه بثلثي درهم، فلما انتهينا، اشتريت من أجرتي طعامي وحاجتي، وتصدقت بالباقي، ثم قربت الزاد، فبكى إبراهيم، وقال: أما نحن فاستوفينا أجورنا، فليت شعري أوفينا صاحبه حقه أم لا؟ فغضبت، فقال: أتضمن لي أنّا وفيناه، فأخذت الطعام فتصدقت به.

    ويروى أنه ادخر من عمله عشرين ديناراً ودخل إلى أذنة، ومعه صاحب له. فأراد أن يحلق ويحتجم، فجاء إلى حجام، فحقره الحجام وصاحبه، وقال: «ما في الدنيا أحد أبغض إلي من هؤلاء! أما وجدوا غيري!» فقضى شغل غيرهما، وأعرض عنهما. ثم قال: أي شيء تريدان؟ فقال إبراهيم: «أحتجم وأحلق». ففعل به، وأما صاحبه فقال له: لا أفعل ذلك! لتهاونه بهما، ثم أعطاه إبراهيم الذي كان معه، فقال له صاحبه: «كيف ذاك!» فقال: «اسكت لئلا يحتقر فقيراً بعده».

    كذلك روى أنه كان يعمل في الحصاد وحفظ البساتين وغير ذلك، وينفق على من في صحبته من الفقراء وكان يعمل نهاره، ويجتمعون ليلاً إلى موضع، وهم صيام، وكان إبراهيم يبطئ في رجوعه من عمله. فقالوا ليلة: «هلمّ نسبقه حتى لا يبطئ، ففعلوا وناموا. فجاء إبراهيم، فظن أنهم لم يجدوا طعاماً، فأصلحه لهم، فانتبهوا وقد وضع شيبته في النار، وينفخ بها، فقالوا له في ذلك فقال: «ظننت أنكم نمتم جوعى لأجل العدم، فأصلحت لكم ذلك!»، فقال بعضهم لبعض: أنظروا ما الذي عملنا، وما الذي يعاملنا به.

    وركب مرة البحر، فهاج عليهم، فلف رأسه في عباءة ونام. فقيل له: ما ترى ما نحن فيه من الشدة! فقال: ليس هذا شدة! الشدة الحاجة إلى الناس. ثم قال: اللهم! أريتنا قدرتك، فأرنا لطفك.

    ومن القصص التي تروى دوماً على المنابر أن أهل البصرة جاؤوا يومًا وقالوا له: يا إبراهيم إن الله تعالى يقول في كتابه: «ادعوني أستجب لكم»، ونحن ندعو الله منذ وقت طويل فلا يستجيب لنا؟! فقال لهم إبراهيم ابن أدهم: يا أهل البصرة، ماتت قلوبكم في عشرة أشياء، فلم يستجب لدعائكم: عرفتم الله، ولم تؤدوا حقه، وقرأتم كتاب الله ولم تعملوا به، وادعيتم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركتم سنته، وادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه، وقلتم نحب الجنة ولم تعملوا لها، وقلتم نخاف النار ورهنتم أنفسكم بها، وقلتم: إن الموت حق ولم تستعدوا له، واشتغلتم بعيوب إخوانكم ونبذتم عيوبكم، وأكلتم نعمة ربكم ولم تشكروها، ودفنتم موتاكم، ولم تعتبروا بها.

    أما هو فقد كان مستجاب الدعاء. فذات يوم كان في سفينة مع أصحابه، فهاجت الرياح، واضطربت السفينة، فبكوا، فقال إبراهيم: يا حي حين لا حي، ويا حي قبل كل حي، ويا حي بعد كل حي، يا حي، يا قيوم، يا محسن يا مُجْمل قد أريتنا قدرتك، فأرنا عفوك. فبدأت السفينة تهدأ، وظل إبراهيم يدعو ربه ويكثر من الدعاء. وكان أكثر دعائه: اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك. وكان يقول: ما لنا نشكو فقرنا إلى مثلنا ولا نسأل كشفه من ربنا. وكان يقول لأصحابه إذا اجتمعوا: ما على أحدكم إذا أصبح وإذا أمسى أن يقول: اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت الرجاء.

    وكان يتوجه إلى الناس ويقول لهم: «خالفتم الله فيما أنذر وحذر، وعصيتموه فيما نهى وأمر، وإنّما تحصدون ما تزرعون، وتجنون ما تغرسون، وتكافأون بما تفعلون، وتُجزوْنَ بما تعملون، فاعلموا إن كنتم تعقلون، وانتبهوا من رقدتكم لعلكم تفلحون، الحذر الحذر!! الجدّ الجدّ!! كونوا على حياء من الله، فوالله لقد ستر وأمهل وجاد فأحسن.

    عُرف عن ابن أدهم شدة التواضع، وكان يقول: إياكم والكبر والإعجاب بالأعمال، أنظروا إلى من دونكم، ولا تنظروا إلى من فوقكم، من ذلل نفسه، رفعه مولاه، ومن خضع له أعزه، ومن اتقاه وقاه، ومن أطاعه أنجاه.

    كان ابن أدهم يوقن دوماً أن باب التوبة مفتوح، لكنه مشروط، فها هو يقول: من أراد التوبة، فليخرج من المظالم، وليدع مخالطة الناس، وإلا لم ينل ما يريد. ويقول أيضاً: وأي دين لو كان له رجال! من طلب العلم لله، كان الخمول أحب إليه من التطاول، والله ما الحياة بثقة، فيرجى نومها، ولا المنية بعذر، فيؤمن عذرها، ففيم التفريط والتقصير والاتكال والإبطاء؟ قد رضينا من أعمالنا بالمعاني، ومن طلب التوبة بالتواني، ومن العيش الباقي بالعيش الفاني.

    وكان في هذا يقول أيضاً: لا تُنال جنته إلا بطاعته، ولا تنال ولايته إلا بمحبته، ولا تنال مرضاته إلا بترك معصيته، فإن الله تعالى قد أعدّ المغفرة للأوابين، وأعد الرحمة للتوابين، وأعدّ الجنة للخائفين، وأعدّ الحور للمطيعين، وأعدّ رؤيته للمشتاقين، قال الله تعالي: «وإِنِّى لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءََامَنَ وعَِملَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى».

    وقد ‏أتى إليه رجل فقال: يا أبا إسحاق إني مسرف على نفسي، فاعرض عليّ ما يكون لها زاجراً ومستنقذاً.

    فقال إبراهيم: إن قبلت خمس خصال، وقدرت عليها لم تضرك المعصية.

    قال: هات يا أبا إسحاق.

    قال: أما الأولى: فإذا أردت أن تعصي الله تعالى، فلا تأكل من رزقه.

    قال: فمن أين آكل، وكل ما في الأرض رزقه؟ 

    قال: يا هذا! أفيحسن بك أن تأكل رزقه وتعصيه؟ 

    قال: لا… هات الثانية.

    قال: وإذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئاً من بلاده؟ 

    قال: هذه أعظم، فأين أسكن؟ 

    قال: يا هذا! أفيحسن بك أن تأكل رزقه، وتسكن بلاده، وتعصيه؟

    قال: لا… هات الثالثة.

    قال: وإذا أردت أن تعصيه، وأنت تأكل رزقه، وتسكن بلاده، فانظر موضعاً لا يراك فيه فاعصه فيه؟

    قال: يا إبراهيم! ما هذا؟ وهو يطلع على ما في السرائر؟ 

    قال: يا هذا! أفيحسن بك أن تأكل رزقه، وتسكن بلاده، وتعصيه وهو يراك ويعلم ما تجاهر به وما تكتمه؟ 

    قال: لا... هات الرابعة.

    قال: فإذا جاءك الموت ليقبض روحك، فقل له: أخرني حتى أتوب توبة نصوحاً، وأعمل لله صالحاً.

    قال: لا يقبل مني؟ 

    قال: يا هذا! فأنت إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب، وتعلم أنه إذا جاءك لم يكن له تأخير، فكيف ترجو وجه الخلاص؟

    قال: هات الخامسة.

    قال: إذا جاءك الزبانية يوم القيامة، ليأخذوك إلى النار، فلا تذهب معهم؟ 

    قال: إنهم لا يدعونني، ولا يقبلون مني.

    قال: فكيف ترجو النجاة إذن؟ 

    قال: يا إبراهيم، حسبي، حسبي، أنا أستغفر الله وأتوب إليه.

    فكان لتوبته وفيّاً، فلزم العبادة، واجتنب المعاصي حتى فارق الدنيا.

    وقد قيل له أوصنا بما ينفعنا فقال: إذا رأيتم الناس مشغولين بأمر الدنيا فاشتغلوا بأمر الآخرة. وإذا اشتغلوا بتزيين ظواهرهم فاشتغلوا بتزيين بواطنكم. وإذا اشتغلوا بعمارة البساتين والقصور فاشتغلوا بعمارة القبور. وإذا شتغلوا بخدمة المخلوقين فاشتغلوا بخدمة رب العالمين. وإذا اشتغلوا بعيوب الناس فاشتغلوا بعيوب أنفسكم. واتخذوا من الدنيا زاداً يوصلكم إلى الآخرة فإنما الدنيا مزرعة الآخرة.

    وعن هذا المعنى يروي إبراهيم بن بشار قائلاً: أمسينا مع إبراهيم ليلة، ليس لنا ما نفطر عليه، فقال: يا ابن بشار! ماذا أنعم الله على الفقراء والمساكين من النعيم والراحة، لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة، ولا حج، ولا صدقة، ولا صلة رحم! لا تغتم، فرزق الله سيأتيك، نحن -والله- الملوك الأغنياء، تعجلنا الراحة، لا نبالي على أي حال كنا إذا أطعنا الله. ثم قام إلى صلاته، وقمت إلى صلاتي، فإذا برجل قد جاء بثمانية أرغفة، وتمر كثير، فوضعه، فقال: كل يا مغموم. فدخل سائل، فأعطاه ثلاثة أرغفة مع تمر، وأعطاني ثلاثة، وأكل رغيفين. وكنت معه، فأتينا على قبر مسنم، فترحم عليه، وقال: هذا قبر حميد بن جابر، أمير هذه المدن كلها، كان غارقاً في بحار الدنيا، ثم أخرجه الله منها. بلغني أنه سر ذات يوم بشيء، ونام، فرأى رجلاً بيده كتاب، ففتحه، فإذا هو كتاب بالذهب: لا تؤثرن فانياً على باق، ولا تغترن بملكك، فإن ما أنت فيه جسيم لولا أنه عديم، وهو ملك لولا أن بعده هُلْك، وفرح وسرور لولا أنه غرور، وهو يوم لو كان يوثق له بغد، فسارع إلى أمر الله، فإن الله قال: «وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ» فانتبه فزعاً، وقال: هذا تنبيه من الله وموعظة. فخرج من ملكه، وقصد هذا الجبل، فعبد الله فيه حتى مات.

    ولإبراهيم ابن أدهم مواعظ معروفة، ومحفورة في قلوب الزاهدين. ومنها: «ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك، ذمّ مولانا الدنيا فمدحناها، وأبغضها فأحببناها، وزهّدنا فيها فآثرناها ورغبنا في طلبها، وعدكم خراب الدنيا فحصنتموها، ونُهيتم عن طلبها فطلبتموها، وأنذرتم الكنوز فكنزتموها دعتكم إلى هذه الغرارة دواعيها، فأجبتم مسرعين مناديها، خدعتكم بغرورها وفتنتكم فأنفذتم خاضعين لأمنيتها، تتمرغون في زهواتها وتتمتعون في لذاتها، وتتقلبون في شهواتها وتتلوثون بتبعاتها، تنبشون بمخالب الحرص عن خزائنها، وتحفرون بمعاول الطمع في معادنها، وتبنون بالغفلة في أماكنها، وتحصّنون بالجهل في مساكنها، وأنتم غرقى في بحار الدنيا، حيارى تتمتعون في لذاتها وتتنافسون في غمراتها، فمن جمعها ما تشبعون، ومن التنافس منها ما تملّون، كذبتكم والله أنفسكم وغرّتكم ومنّتكم الأماني، وعللتكم بالتواني حتى لا تعطوا اليقين من قلوبكم والصدق من نياتكم، وتتنصتون إليه من مساوئ ذنوبكم وتعصونه في بقية أعمالكم أما سمعتم الله تعالى يقول في محكم كتابه: «أَمْ نَجْعَلُ الذينَ ءَامَنوا وعَِملُوا الصَّالِحاتِ كالمُفْسِدينَ في الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَقينَ كالفُجَّارِ».

    كذلك كانت له أقوال مشهورة، منها:

    ـ الفقر مخزون في السماء، يعدل الشهادة عند الله، لا يعطيه إلا لمن أحبه.

    - على القلب ثلاثة أغطية: الفرح، والحزن، والسرور. فإذا فرحت بالموجود فأنت حريص، الحريص محروم. وإذا حزنت على المفقود فأنت ساخط، والساخط معذب. وإذا سررت بالمدح فأنت معجب، والعجب يحبط العمل. ودليل ذلك قول القرآن: «لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم».

    - قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع، وكثرة الحرص والطمع تكثر الهم والجزع.

    - كل سلطان لا يكون عادلاً فهو واللص سواء، وكل عالم لا يكون تقيًّا فهو والذئب سواء، وكل من ذلَّ لغير الله، فهو والكلب سواء.

    - إنما يتم الورع بتسوية كل الخلق في قلبك، والاشتغال عن عيوبهم بذنبك، وعليك باللفظ الجميل من قلب ذليل لرب جليل، فكر في ذنبك وتب إلى ربك ينبت الورع في قلبك واقطع الطمع إلا من ربك.
    قال تعالى: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ».

    - إذا كنت بالليل نائماً وبالنهار هائماً وفي المعاصي دائماً فكيف تُرضي من هو بأمورك قائماً، ثم أنشد:

    قم الليل يا هذا  لعلــك تــرشد

    إلى كم تنام الليل والعمـر يَنْفَدُ
    أراك بطول الليل ـ ويحك ـ نائماً  

    وغيرك في محــرابه يتهجدُ
    بحزم وعزم واجـــتهاد ورغبة    

    ويعلم أن الله ذا العرش يُعـبدُ
    أترقد يا مغرورُ والنارُ تـــوقدُ

    فلا حرها يطفا ولا الجمر يخمدُ
    فيا راكب العصيان ويحك خَلِّهــا
    ستحشر عطشاناً ووجهك أسودُ


    توفي ابن أدهم سنة 162 هـ وهو مرابط في إحدى جزر البحر المتوسط، ولما شعر بدنوّ أجله قال لأصحابه: أوتروا لي قوسي. فأوتروه. فقبض على القوس ومات وهو قابض عليها يريد الرمي بها، وقيل إنه مات في حملة بحرية على البيزنطيين، ودُفن في مدينة جبلة على الساحل السوري، وأصبح قبره مزاراً، وجاء في معجم البلدان أنه مات بحصن سوقين ببلاد الروم.

    توفي ابن أدهم سنة 162 هـ وهو مرابط في إحدى جزر البحر المتوسط، ولما شعر بدنوّ أجله قال لأصحابه: أوتروا لي قوسي. فأوتروه. فقبض على القوس ومات وهو قابض عليها يريد الرمي بها، وقيل إنه مات في حملة بحرية على البيزنطيين، ودُفن في مدينة جبلة على الساحل السوري، وأصبح قبره مزاراً، وجاء في معجم البلدان أنه مات بحصن سوقين ببلاد الروم.
    ذاعت شهرة ابن أدهم في شتى أرجاء العالم الإسلامي، فنجد أخباراً لسيرته وقصصاً حوله، وخصوصاً في الهند وملاوي وإندونيسيا وغيرها. وأطلق عليه الناس لقب «سلطان الزاهدين».

     ويرصد الباحث ياسر ماري الكتابات التاريخية المتناثرة في مسجد إبراهيم بن أدهم، الذي بني على ما يبدو سنة 994 هـ، فعلى الحائط الخارجي لغرفة الضريح إلى يمين الباب، لوحة مكتوب عليها:

    قد نال إبراهيم من ربّه

    ما نال أدهم من قبله

    ناس تأتي إلى بابه

    ويطعمون الطعام على حبّه

    أما اللوحة الثانية، فتقع في الجدار الشرقي المجاور لغرفة الضريح، ونص الكتابة فيها:

    بحمد اللّه والهادي المعظّم

    وأسرار الولي طرز معلّم

    تكمّل ذا البنا في خير عام

    ومتولّي المقام رقى مكرّم

    وعبد القادر الراجي ثوابا

    وغفرانا له واللّه أعلم

    برمْضانَ المعظّمِ جاء تاريخ

    إتمـامٍ لإبراهيمَ أدهـم

    أما اللوحة الثالثة، فتقع في الجدار الشمالي، ونصّ الكتابة فيها:

    وفي عام تسعين مع تسعمائة

    وأربع سنين قد مضين تمام

    مقام ابن أدهم قدّس اللّه سرّه

    تكمّل في خير وحسن ختام.


    http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=127484[/align]
    [align=center]*********************

    http://www.rifaieonline.com/

    www.geocities.com/alrifaia

    *********************
    [/align]



    [move=right]منكري الكرامات على الأولياء ينظرون للكرامة على أنها من فعل الولي

    ولا ينظرون إليها على أنها فعل الله أجراه على الولي[/move]

    [align=center]
    ***************************[/align]

  4. #21
    [align=center]

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    *****[/align]



    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة المسلم الباحث مشاهدة المشاركة
    السلام عليم ورحمة الله تعالى وبركاته أما بعد:
    أختي والله لست وهابياً ولست سنيا أو إلى أي فرقة موجودة أنا كما سماني نبي الله إبراهيم "مسلم" أتبع كتاب الله وسنة خاتم الأنبياء والرسل محمد بدون تلقيب إلا ما سمانا به سيدنا إبراهيم أنا أرضى به.
    الكلمة التي إختلفنا فيها أختي لايجب أن تدعوك للغضب بل للترحيب بالمناقشة.
    أنا من الجزائر ولا أنتمي لأي فرقة
    سؤال فقط لك:
    ماهي حجتك لكلمة العشق بدل الحب الذي ملأت كلماته القرآن الكريم
    أتمنى أن لا أكون مررت في منتداكم مرور البغضاء
    يحفظكم الله



    [align=center]

    للإمام الفيروزآبادي
    *** وجدت في: باب القاف.
    فَصْلُ العَيْن.

    العِشْقُ والمَعْشَقُ، كمَقْعَدٍ: عُجْبُ المُحِبِّ بمَحْبوبِه، أو إفْراطُ الحُبِّ، ويكونُ في عَفافٍ وفي دَعارةٍ، أو عَمَى الحِسِّ عن إدْراكِ عُيوبِهِ، أو مَرَضٌ وسْواسِيٌّ يَجْلُبُه إلى نَفْسِه بتَسْليطِ فِكْرِهِ على اسْتِحْسانِ بعضِ الصُّوَر، عَشِقَهُ، كعَلِمَه، عِشْقاً، بالكسرِ وبالتحريكِ، فهو عاشِقٌ، وهي عاشِقٌ وعاشِقَةٌ.
    وتَعَشَّقَهُ: تَكَلَّفَهُ، وكسِكِّيتٍ: كثيرُه.
    وعَشِقَ به، كفرِحَ: لَصِقَ.
    والعَشَقَةُ، محرَّكةً: شجرةٌ تَخْضَرُّ ث

    ج: عَشَقٌ.
    والمَعْشوقُ: قَصْرٌ بِسُرَّ من رَأى،
    وع بمِقْياسِ مِصْرَ.
    والعُشُقُ، بضمتينِ: المُصْلحونَ غُروسَ الرَّياحينِ ومُسَوُّوها
    لسان العرب.

    عشق: العِشْقُ: فرط الحب، وقيل: هو عُجْب المحب بالمحبوب يكون في عَفاف
    الحُبّ ودَعارته؛ عَشِقَه يَعْشَقُه عِشْقاً وعَشَقاً وتَعَشَّقَهُ،
    وقيل: التَّعَشُّقُ، تكلّف العِشْقِ، وقيل: العِشْقُ
    الاسم والعَشَقُ المصدر، قال رؤبة:
    ولم يُضِعْها بينَ فِرْكِ وعَشَقْ

    ورجل عاشِقٌ من قوم عُشَّاقٍ، وعِشِّيقٌ مثال فِسِّيقٍ: كثير العِشْقِ.
    وامرأَة عاشِقٌ، بغير هاء، وعاشِقةٌ. والعَشَقُ
    والعَسَقُ، بالشين والسين المهملة: اللزوم للشيء لا يفارقه، ولذلك قيل
    للكَلِف عاشِق للزومه هواه والمَعْشَقُ: العِشْقُ؛ قال الأَعشى:
    وما بيَ منْ سُقْمٍ وما بيَ مَعْشَق

    وسئل أَبو العباس أَحمد بن يحيى عن الحُبِّ والعِشْقِ: أَيّهما أَحمد؟
    فقال: الحُب لأن العِشْقَ فيه إِفراط، وسمي العاشِقُ عاشِقاً لأَنه
    يَذْبُلُ
    من شدة الهوى كما تَذْبُل العَشَقَةُ إِذا قطعت، والعَشَقَةُ: شجرة
    تَخْضَرُّ ثم تَدِقُّ
    وتَصْفَرُّ؛ عن الزجاج، وزعم أَن اشتقاق العاشق منه؛ وقال كراع: هي عند
    المُوَلَّدين اللَّبْلابُ، وجمعها العَشَقُ، والعَشَقُ الأَراك أَيضاً.
    ابن الأَعرابي: العُشُقُ المُصْلحون غُرُوس الرياحين ومُسَوُّوها، قال:
    والعُشُقُ من الإِبل الذي يلزم طَرُوقَتَه ولا يَحنّ إِلى غيرها. أَبو

    عمرو: يقال للناقة إِذا اشتدت ضَبَعَتُها قد هَدِمَتْ وهَوِسَتْ وبَلَمَتْ
    وتَهالَكَتْ وعَشِقَتْ وأَبْلَسَتْ، فهي مِبْلاسٌ، وأَرَبَّتْ مثله.

    وهو هكذا لغة [/align]


    [align=center]
    من هذا يتضح أن العشق كما قلنا هو شدة الحب

    وهو غير محمود للمخلوقين

    وسئل أَبو العباس أَحمد بن يحيى عن الحُبِّ والعِشْقِ: أَيّهما أَحمد؟
    فقال: الحُب لأن العِشْقَ فيه إِفراط، وسمي العاشِقُ عاشِقاً لأَنه يَذْبُلُ
    من شدة الهوى كما تَذْبُل العَشَقَةُ إِذا قطعت، والعَشَقَةُ: شجرة
    تَخْضَرُّ ثم تَدِقُّ وتَصْفَرُّ؛ عن الزجاج

    والعشق الإلهي فقط هو المحمود لأنه إفراط في حب الخالق وليس المخلوقين

    أما السؤال هل من دليل كتاب أو سنة على جواز استخدام اللفظ فهذا من جهل السائل هل كل مالم يرد فيه نص يستخدم أم لا

    فالأصل في الأشياء الإباحة
    واستخدامات اللغة مسموح بها ما لم توهم نقصا أو خطأ في حق الله
    فوجود الحب لله بمختلف درجاته مسموح به بل مأمور به
    أما زيادة هذا الحب لله لدرجة العشق أي زيادة الحب كما قلنا من قبل كمعنى فهو ليس مذكورا لندرته
    ولعدم تحميل الأمة ككل ما لا تطيق الأمة تحمله.


    مثل تلك المواضيع صارت تثير جدلا شديدا بسبب انتشار مفاهيم الوهابية بين الناس.[/align]
    [align=center]*********************

    http://www.rifaieonline.com/

    www.geocities.com/alrifaia

    *********************
    [/align]



    [move=right]منكري الكرامات على الأولياء ينظرون للكرامة على أنها من فعل الولي

    ولا ينظرون إليها على أنها فعل الله أجراه على الولي[/move]

    [align=center]
    ***************************[/align]

  5. #22
    مشرف الصورة الرمزية الابن البار
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الدولة
    بَيْنَ الحَدَائقِ وَالأزْهَار
    المشاركات
    3,847
    [align=center][grade="00008B FF6347 008000 4B0082 00BFFF"]بِــــــسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى المَبْعُوث
    رَحْـــــمَـــةً لِلْعَالَــــمِـــين سَيِّــــدِنَا مُحَمَدٍ وَعَلى آلهِ
    وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين
    السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُه
    شُكْراً لَك سَيَّدَتي المُوَقَّرَة السَّيَّدَة بِنْتَ الرَّفَاعِي
    نَحْنُ مُتَابِعِين أَوَّلاً [ِأوَّلْ
    فِعْلاً مَوْضُوع رَائع ، بَارَكَ اللَّهُ فِيك
    وَزَادَك عِلْماً وَفَهْماً
    وَجَعَلَ ذَلِكَ فِي مِيِزَان حَسَنَاتِك
    وَنَنْتَظِرْ مِنْك المَزِيد[/grade][/align]
    [align=center][/align]
    [poem=font="Simplified Arabic,7,white,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="double,10,limegreen" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
    يَارَسُولَ اللهْ سَلامٌ عَلَيْك=يَارَفِعَ الشَّان وَالـدَرَجِ
    وَجْهُكَ المَيْمُون حُجَتُنَـا=يَوْمَ تَأتِي النَّاسُ بِالْحُجَجِ [/poem]

  6. #23
    [align=center]
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    *****[/align]


    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الابن البار مشاهدة المشاركة
    [align=center][grade="00008B FF6347 008000 4B0082 00BFFF"]بِــــــسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى المَبْعُوث
    رَحْـــــمَـــةً لِلْعَالَــــمِـــين سَيِّــــدِنَا مُحَمَدٍ وَعَلى آلهِ
    وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين
    السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُه
    شُكْراً لَك سَيَّدَتي المُوَقَّرَة السَّيَّدَة بِنْتَ الرَّفَاعِي
    نَحْنُ مُتَابِعِين أَوَّلاً [ِأوَّلْ
    فِعْلاً مَوْضُوع رَائع ، بَارَكَ اللَّهُ فِيك
    وَزَادَك عِلْماً وَفَهْماً
    وَجَعَلَ ذَلِكَ فِي مِيِزَان حَسَنَاتِك
    وَنَنْتَظِرْ مِنْك المَزِيد[/grade][/align]

    [align=center]شكرا لك ايها الابن البار

    رعاك الله.[/align]
    [align=center]*********************

    http://www.rifaieonline.com/

    www.geocities.com/alrifaia

    *********************
    [/align]



    [move=right]منكري الكرامات على الأولياء ينظرون للكرامة على أنها من فعل الولي

    ولا ينظرون إليها على أنها فعل الله أجراه على الولي[/move]

    [align=center]
    ***************************[/align]

  7. #24
    [align=center]

    فرسان العشق الإلهي

    عمر بن الفارض... سلطان العاشقين


    د. عمار علي حسن


    سلطان العاشقين، وصاحب أناشيد الحب الإلهي، الصافية الراقية. هام في الله وصلا فألهمه بياناً، كالدر المنظوم، ألقاه على ألسنة المريدين، فتغنت به الألسنة، وذابت بين حروفه الفياضة قلوب الذاكرين. هو الشاعر المعتمد في مجالس الذكر، والمستقر في خيال من طالتهم حرفة الأدب، وهو الصوفي صاحب الأحوال والمقامات العالية، والفيلسوف الذي ارتدت معه الفلسفة ثوب البلاغة، والأديب الذي امتلأت سطوره بما يغذي الروح.

    وعلى رغم تقدّم الزمن، وتبدُّل الأحوال، لم يبلَ ما جاد به ابن الفارض من أشواق ومعارف، أدت إلى أن يصفه شيخ الأزهر، وأحد فلاسفته وعلمائه المستنيرين، الدكتور مصطفى عبد الرازق، بأنه «الصوفي المصري الأول بلا منازع، ورأس شعراء التصوف، الذين نظموا قصائدهم بالعربية، وقيل إن شعره من أرق الدواوين، وأسرعها إلى القلوب، إذ هو صادر عن نفثة مصدور، وعاشق مهجور».

    وابن الفارض هو الشاعر الصوفي الثاني بعد جلال الدين الرومي، ويُروى أنه كان يغوص في غيبوبة تسكره لأيام، فإن أفاق منها تدفق لسانه شعراً، حتى أنه كان يملي على من يكتب عنه نحو أربعين أو خمسين بيتاً دفعة واحدة. وأعلى مراتب شعره حواها ذلك الديوان المعروف باسم «التائية الكبرى»، والذي يتكون من سبعمائة وستين بيتاً. وقد عده الشعراء والنقاد ترجمة لروح من أبدعه، والتي شربت من بحار التصوف حتى ارتوت، ففيها وصف رياضاته الروحية ومجاهداته التي كان ينشد منها الوصول إلى الكمال الإنساني الخالص، الذي يصل إلى أصفى صوره وأعلى مراتبه حين ينال الإنسان رضى ربه، أو حين يتم «رضاء الحبيب عن محبوبه» كما يقول ابن الفارض نفسه.

    وهذه القصيدة الطويلة التي تنتهي بالتاء المكسورة أثارت قريحة المتصوفة وألهبت مشاعرهم، فأثنوا عليها ثناء طويلاً، ومن بين هؤلاء عبد الرازق الكاشاني صاحب معجم اصطلاحات الصوفية، الذي قال فيها:

    «لما تصفحت التائية مراراً، وقلبتها أطواراً، واحتظيت بمعانيها على قدر ما وسعني من الاستعداد، واجتليت مبانيها على ما وفق لي من النظر بالفؤاد، وجدتها مبينة على قواعد العلم والعرفان، منبئة عن نتائج الكشف والوجدان، مشيرة إلى ما أطلع الله ناظمها عليه، ووصل قدمه إليه، عن حقائق التوحيد، ودقائق التفريد، والمواجيد الصحيحة، والمكاشفات الصريحة، والمعاملات النفسية، والمنازلات القلبية، والموصلات الروحية».

    ولابن الفارض قصيدة أخرى مطولة اسمها «الميمية»، نظراً الى أن أبياتها تنتهي بحرف الميم، والتي اشتهرت بقصيدة «الخمر»، والذي لا يعني به الشراب الذي يذهب العقل ويورد الخبل والغياب، إنما عني به السكر الناجم عن العشق الإلهي، والذي يعد أحد المواجيد الأساسية للتصوف والمتصوفة، والذي يلقى صاحبه غافلاً عن الدنيا، منتبهاً فحسب إلى كل ما يصل الإنسان بربه.

    وهاتان القصيدتان دارت أبياتهما على مئات الملايين من متذوقي الشعر الرهيف، بعد أن لاقت ذيوعاً في شتى أرجاء بلاد المسلمين، بل امتد صيتهما إلى العالم بأسره بعد ترجمتهما إلى اللغتين الإنكليزية والفرنسية.

    وعلى رغم صعوبة أشعار ابن الفارض وغموضها، فإن بعض البسطاء، خصوصاً في مصر المعاصرة، حفظها عن ظهر قلب، ووعى معانيها ومراميها، بفضل منشدي الطرق الصوفية، الذين يروق لهم أن يصدحوا بها في حضرات الذكر وموالد الأولياء. وبرز في هذا المسار المنشد المصري المعروف ياسين التهامي، الذي جاب القرى والمدن، يتغنى بالتائية والميمية وغيرهما، فمنحه شعر ابن الفارض عمقاً، ومنح هو الشعر ذيوعاً وتدفقاً، حين خالطه باللحن الصوفي، الذي يأكل الروح.

    وُلد أبو حفص أو أبو القاسم عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي، المعروف بابن الفارض، في مصر عام 1181م، لأب جاء إلى أرض الكنانة من بلاد الشام، وقيل إن كنيته (ابن الفارض) مستمدة من طبيعة حرفة والده، الذي كان يثبت الفروض للنساء على الرجال فسمِّي «فارض»، وقد عُرض عليه منصب قاضي القضاة فامتنع واعتزل الناس زاهداً ومتعبداً.

    في كنف مثل هذا الأب الورع، وفي رعاية علمية وحياة طيبة نشأ عمر وأخذ جلّ علومه، وكان منذ صغره يستأذن والده لينقطع للعبادة في بعض المساجد، وبعض مغارات جبل المقطم. وظل على حاله هذه إلى أن نصحه أحد المتعبدين بالسفر إلى مكة، فخرج إليها وأكثر من الانعزال في واد بعيد عن هذا البلد المبارك، وفي تلك الأيام نظم معظم شعره، والأفضل منه. واستمر في الديار المقدسة خمسة عشر عامًا تقريباً عاد بعدها إلى القاهرة، وأقام بقاعة الخطابة في الأزهر. ولورعه وفصاحة بيانه كثر المعجبون والمتبركون به. وكان العلماء والحكام يجالسونه، حتى أن الملك الكامل طلب زيارته وقصده.

    وبعض من أتيح له معاشرة ابن الفارض أو رؤيته، وصف هيئته قائلاً إنه كان معتدل القامة، جميل المحيا، مشرئباً بحمرة وكان حسن الهيئة، مهتمًا بهندامه، وكان حسن الصحبة والعشرة، فصيح العبارة، كثير الخير، كما يقول عنه المؤرخ الكبير ابن خلكان. وكان ابن الفارض يحب مشاهدة البحر، خصوصاً مساءً.

    وفتح عمر عينيه على القاهرة العامرة بالحكايا، ونيلها المنساب في وقار جليل، فأحبها، وعشق ترابها، وأنشد فيها قائلاً:

    «وطني مصر وفيها وطري

    ولنفسي مشتهاها مشتهاها

    لكن هذا الحب لم يشفع له، حين استغلقت رؤيته على العامة، فأثاروا حوله الجدل، وانقسم بشأنه الناس، بين من لم يرق لهم شعره وقوله ووضعوه في مصاف محيي الدين بن عربي وابن سبعين، وقالوا إنه واحد من الذين أخذهم التصوف إلى خارج حدود الشرع، وأوقعهم في ظلمة التجديف. ومن هؤلاء ابن خلدون وابن تيمية. وبين من رفعوا شأنه، ودافعوا عن رؤيته، ورأوا أنه صحيح العقيدة، سليم الطوية، وأن ما جعل الناس تلتبس فيه حول انغلاق شعره عن أصحاب العقول المتهافتة، والمعرفة المحدودة، والنفوس التي بها هوى. ومن الذين دافعوا عنه، الفقيه والمفسّر وعالم اللغة جلال الدين السيوطي، والصوفي المصري الكبير عبد الوهاب الشعراني، والقاضي زكريا بن محمد الأنصاري.

    ويلخص لنا الدكتور عبد المنعم الحفني الرؤية الفلسفية لابن الفارض بقوله: «تدور أغراض شعر ابن الفارض حول الحب الإلهي، الذي يقوم على الاتحاد، أي الاعتقاد أن كل ما في الوجود يتساوى في الشرف، لأنه يمثل جوانب من الحقيقة الإلهية. فالمسجد والكنيسة وبيت الأصنام والنار كلها جوانب لله. وشارب الخمر والمتعبد في بيت عبادته، كلاهما يمثل حقيقة واحدة في مظهرين، والله يتبدى لكل محب في محبوبه. وهنا يكون مذهب ابن الفارض هو وحدة الوجود مثله مثل ابن عربي».

    ولهذا وجّه أعداء ابن الفارض إليه تهماً عدة في مطلعها «القول بالحلول والاتحاد»، لكن المستشرق الشهير ماسينيون، المختص بدراسة التصوف الإسلامي، يفرق بين فكرة «الاتحاد» مع الذات الإلهية، مثلما تبنى ابن عربي، وبين ما قاله ابن الفارض، إذ إن حديث الأول يدور حول مسائل فلسفية مجردة، أما الثاني فأخذت هذه المسألة لديه بعداً نفسياً، وتوسلت بالشعر.

    إلا أن ابن الفارض، وعلى النقيض من الحلاج والسهروردي، لم يجد كارهوه ومنتقدوه إليه سبيلاً، لأنه كان يحظى بحماية السلطان قايتباي، الذي أحبه، وقربه منه، وجعل ساعده يشتد في مواجهة من ناصبوا شعره ورأيه وشخصه العداء.

    ولم يعمر ابن الفارض، الذي يعد الشاعر الصوفي الثاني بعد مولاي جلال الدين الرومي، إذ وافته المنية عام 1235 م، وهو لم يتجاوز الرابعة والخمسين من عمره.

    مقتطفات من شعر ابن الفارض

    قلْبي يُحدّثُني بأنّكَ مُتلِفي

    روحي فداكَ عرفتَ أمْ لمْ تعرفِ

    لم أقضِ حقَّ هَوَاكَ إن كُنتُ الذي

    لم أقضِ فيهِ أسى ً، ومِثلي مَن يَفي

    ما لي سِوى روحي، وباذِلُ نفسِهِ،

    في حبِّ منْ يهواهُ ليسَ بمسرفِ

    فَلَئنْ رَضيتَ بها، فقد أسْعَفْتَني؛

    يا خيبة َ المسعى إذا لمْ تسعفِ

    يا مانِعي طيبَ المَنامِ، ومانحي

    ثوبَ السِّقامِ بهِ ووجدي المتلفِ

    عَطفاً على رمَقي، وما أبْقَيْتَ لي

    منْ جِسميَ المُضْني ، وقلبي المُدنَفِ

    فالوَجْدُ باقٍ، والوِصالُ مُماطِلي،

    والصّبرُ فانٍ، واللّقاءُ مُسَوّفي

    لم أخلُ من حَسدٍ عليكَ، فلا تُضعْ

    سَهَري بتَشنيعِ الخَيالِ المُرْجِفِ

    واسألْ نُجومَ اللّيلِ: هل زارَ الكَرَى جَفني

    ، وكيفَ يزورُ مَن لم يَعرِفِ؟

    لا غَروَ إنْ شَحّتْ بِغُمضِ جُفونها

    عيني وسحَّتْ بالدُّموعِ الدُّرَّفِ

    وبما جرى في موقفِ التَّوديعِ منْ ألمِ

    النّوى ، شاهَدتُ هَولَ المَوقِفِ

    إن لم يكُنْ وَصْلٌ لَدَيكَ، فَعِدْ بهِ

    أملي وماطلْ إنْ وعدتَ ولا تفي

    فالمطلُ منكَ لديَّ إنْ عزَّ الوفا

    يحلو كوصلٍ منْ حبيبٍ مسعفِ

    أهفو لأنفاسِ النَّسيمِ تعلَّة ً

    ولوجهِ منْ نقلتْ شذاهُ تشوُّفي

    فلَعَلَ نارَ جَوانحي بهُبوبِها

    أنْ تَنطَفي، وأوَدّ أن لا تنطَفي

    يا أهلَ ودِّي أنتمُ أملي ومنْ

    ناداكُمُ يا أهْلَ وُدّي قد كُفي

    عُودوا لَما كُنتمْ عليهِ منَ الوَفا،

    كرماً فإنِّي ذلكَ الخلُّ الوفي

    وحياتكمْ وحياتكمْ قسماً وفي

    عُمري، بغيرِ حياتِكُمْ، لم أحْلِفِ

    لوْ أنَّ روحي في يدي ووهبتها

    لمُبَشّري بِقَدومِكُمْ، لم أنصفِ

    لا تحسبوني في الهوى متصنِّعاً

    كلفي بكمْ خلقٌ بغيرِ تكلُّفِ

    أخفيتُ حبَّكمُ فأخفاني أسى ً حتى

    ، لعَمري، كِدتُ عني أختَفي

    وكَتَمْتُهُ عَنّي، فلو أبدَيْتُهُ

    لَوَجَدْتُهُ أخفى منَ اللُّطْفِ الخَفي

    ولقد أقولُ لِمن تَحَرّشَ بالهَوَى

    عرَّضتَ نفسكَ للبلا فاستهدفِ

    أنتَ القتيلُ بأيِّ منْ أحببتهُ فاخترْ

    لنفسكَ في الهوى منْ تصطفي

    قلْ للعذولِ أطلتَ لومي طامعاً أنَّ

    الملامَ عنِ الهوى مستوقفي

    دعْ عنكَ تعنيفي وذقْ طعمَ الهوى

    فإذا عشقتَ فبعدَ ذلكَ عنِّفِ

    بَرَحَ الخَفاءَ بحُبّ مَن لو، في الدّجى

    سفرَ الِّلثامَ لقلتُ يا بدرُ اختفِ

    وإن اكتفى غَيْري بِطيفِ خَيالِهِ،

    فأنا الَّذي بوصالهِ لا أكتفي

    وَقْفاً عَلَيْهِ مَحَبّتي، ولِمِحنَتي،

    بأقَلّ مِنْ تَلَفي بِهِ، لا أشْتَفي

    وهَواهُ، وهوَ أليّتي، وكَفَى بِهِ

    قَسَماً، أكادُ أُجِلّهُ كالمُصْحَفِ

    لوْ قالَ تِيهاً:قِفْ على جَمْرِ الغَضا

    لوقفتُ ممتثلاً ولمْ أتوقفِ

    أوْ كانَ مَنْ يَرْضَى ، بخدّي،

    موطِئاً لوضعتهُ أرضاً ولمْ أستنكفِ

    لا تنكروا شغفي بما يرضى وإنْ

    هوَ بالوصالِ عليَّ لمْ يتعطَّفِ

    غَلَبَ الهوى ، فأطَعتُ أمرَ صَبابَتي

    منْ حيثُ فيهِ عصيتُ نهيَ معنِّفي

    مني لَهُ ذُلّ الخَضوع، ومنهُ لي

    عزُّ المنوعِ وقوَّة ُالمستضعفِ

    ألِفَ الصّدودَ، ولي فؤادٌ لم يَزلْ،

    مُذْ كُنْتُ، غيرَ وِدادِهِ لم يألَفِ

    يا ما أميلحَ كلَّ ما يرضى بهِ

    ورضابهُ يا ما أحيلاهُ بفي

    لوْ أسمعوا يعقوبَ ذكرَ ملاحة

    ٍ في وجههِ نسيَ الجمالَ اليوسفي

    أوْ لوْ رآهُ عائداً أيُّوبُ في سِنَة ِ

    الكَرَى ، قِدماً، من البَلوَى شُفي

    كلُّ البدورِ إذا تجلَّى مقبلاً ،

    تَصبُو إلَيهِ، وكُلُّ قَدٍّ أهيَفِ

    إنْ قُلْتُ:عِندي فيكَ كل صَبابة ٍ؛

    قالَ:المَلاحة ُ لي، وكُلُّ الحُسْنِ في

    كَمَلتْ مَحاسِنُهُ، فلو أهدى السّنا

    للبدرِ عندَ تمامهِ لمْ يخسفِ

    وعلى تَفَنُّنِ واصِفيهِ بِحُسْنِهِ،

    يَفْنى الزّمانُ، وفيهِ ما لم يُوصَفِ

    ولقدْ صرفتُ لحبِّهِ كلِّي على يدِ

    حسنهِ فحمدتُ حسنَ تصرُّفي

    فالعينُ تهوى صورة َ الحسنِ الَّتي

    روحي بها تصبو إلى معنى ً خفي

    أسْعِدْ أُخَيَّ، وغنِّي بِحَديثِهِ،

    وانثُرْ على سَمْعي حِلاهُ، وشَنِّفِ

    لأرى بعينِ السّمعِ شاهِدَ حسْنِهِ

    معنى ً فأتحفني بذاكَ وشرِّفِ

    يا أختَ سعدٍ منْ حبيبي جئتني

    بِرسالَة ٍ أدّيْتِها بتَلَطّفِ

    فسمعتُ ما لمْ تسمعي ونظرتُ ما لمْ

    تنظري وعرفتُ ما لمْ تعرفي

    إنْ زارَ، يوماً يا حَشايَ تَقَطَّعي،

    كَلَفاً بهِ، أو سارَ، يا عينُ اذرِفي

    ما للنّوى ذّنْبٌ، ومَنْ أهوى مَعي،

    إنْ غابَ عنْ إنسانِ عيني فهوَ في

    ـــــــــــــــ

    شربنا على ذكرِ الحبيبِ مدامة ً

    سَكِرْنا بها، من قبلِ أن يُخلق الكَرمُ

    لها البدرُ كأسٌ وهيَ شمسٌ يديرها

    هِلالٌ، وكم يبدو إذا مُزِجَتْ نَجمُ

    ولولا شذاها ما اهتديتُ لحانها

    ولو لا سناها ما تصوَّرها الوهمُ

    ولم يُبْقِ مِنها الدَّهْرُ غيرَ حُشاشَة ٍ

    كأنَّ خَفاها، في صُدورِ النُّهى كَتْمُ

    فإنْ ذكرتْ في الحيِّ أصبحَ أهلهُ

    نشاوى ولا عارٌ عليهمْ ولا إثمُ

    ومنْ بينِ أحشاءِ الدِّنانِ تصاعدتْ

    ولم يَبْقَ مِنْها، في الحَقيقَة، إلاّ اسمُ

    وإنْ خَطَرَتْ يَوماً على خاطِرِ امرِىء ٍ

    أقامَتْ بهِ الأفْراحُ، وارتحلَ الهَمُ

    ولو نَظَرَ النُّدمانُ ختْمَ إنائِها،

    لأسكرهمْ منْ دونها ذلكَ الختمُ

    ولو نَضَحوا مِنها ثَرى قَبْرِ مَيتٍ،

    لعادَتْ إليهِ الرُّوحُ، وانْتَعَشَ الجسْمُر

    ولو طرحوا في فئِ حائطِ كرمها

    عليلاً وقدْ أشفى لفارقهُ السُّقمُ

    ولوْ قرَّبوا منْ حلها مقعداً مشى

    وتنطقُ منْ ذكري مذاقتها البكمُ

    ولوْ عبقتْ في الشَّرقِ أنفاسُ طيبها

    وفي الغربِ مزكومٌ لعادَ لهُ الشَّمُّ

    ولوْ خضبتْ منْ كأسها كفُّ لامسٍ

    لما ضلَّ في ليلٍ وفي يدهِ النَّجمُ

    ولوْ جليتْ سرَّاً على أكمهٍ غداً

    بصيراً ومنْ راو وقها تسمعُ الصُّمُّ

    ولو أنّ ركْباً يَمّمَوا تُرْبَ أرْضِها،

    وفي الرَّكبِ ملسوعٌ لماضرَّهُ السمُّ

    ولوْ رسمَ الرَّقي حروفَ اسمها على

    جبينِ مصابٍ جنَّ أبرأهُ الرَّسمُ

    وفوقَ لِواء الجيشِ لو رُقِمَ اسمُها،

    لأسكرَ منْ تحتَ الِّلوا ذلكَ الرَّقمُ

    تُهَذّبُ أخلاقَ النّدامى ، فيَهْتَدي،

    بها لطريقِ العزمِ منْ لالهُ عزمُ

    ويَكْرُمُ مَنْ لم يَعرِفِ الجودَ كَفُّهُ،

    ويَحلُمُ، عِندَ الغيظِ، مَن لا لَهُ حِلْمُ

    ولو نالَ فَدْمُ القَوْمِ لَثْمَ فِدامِها،

    لَأكسَبَهُ مَعنى شَمائِلِها اللّثْمُ

    يقولونَ لي صفها فأنتَ بوصفها

    خَبيرٌ، أجَلْ! عِندي بأوصافِها عِلْمُ

    صفاءٌ، ولا ماءٌ، ولُطْفٌ، ولاهَواً،

    ونورٌ ولا نارٌ وروحٌ ولا جسمُ

    تقدَّمَ كلَّ الكائناتِ حديثها

    قديماً، ولا شَكلٌ هناكَ، ولا رَسْمُ

    وقامَتْ بِها الأشْياءُ، ثَمّ، لحِكْمَة ٍ،

    بها احتجبتْ عنْ كلِّ منْ لالهُ فهمُ

    وهامتْ بها روحي بحيث تمازجا اتّـ

    حاداً ولا جرمٌ تخلَّلهُ جرمُ

    وكَرْمٌ ولا خَمْرٌ، ولي أُمُّها أُمُّ

    وكرمٌ ولا خمرٌ وفي أم‍ِّها أمُّ

    ولُطْفُ الأواني، في الحَقيقَة ِ، تابِعٌ

    للطفِ المعاني والمعاني بها تنمو

    وقدْ وقَعَ التَّفريقُ، والكُلُّ واحِدٌ،

    فأرواحنا خمرٌ وأشباحنا كرمُ

    ولا قبلها قبلٌ ولا بعدَ بعدها

    وقبليَّة ُ الأبعادِ فهيَ لها حتمُ

    وعَصْرُ المَدى منْ قَبْلِهِ كان عصْرها،

    وعهدُ أبينا بعدها ولها اليتمُ

    محاسِنُ، تَهْدي المادِحينِ لِوَصْفِها،

    فَيَحسُنُ فيها مِنهمُ النَّثرُ والنّظمُ

    ويَطرَبُ مَن لم يَدرِها، عندَ ذِكرِها،

    كمُشْتاقِ نُعْمٍ، كلّما ذُكِرَتْ نُعْمُ

    وقالوا شربتَ الإثمَ كلاَّ وإنَّما

    شَرِبتُ التي، في تَرْكِها، عندي الإثمُ

    هنيئاً لأهلِ الديرِ كمْ سكروا بها

    وما شربوا منها ولكنَّهمْ همُّوا

    وعنديَ منها نشوة ٌ قبلَ نشأتي

    معي أبداً تبقي وإنْ بلى َ العظمُ

    عليكَ بها صرفاً وإنْ شئتَ مزجها

    فعدلكَ عنْ ظلمِ الحبيبِ هوَ الظُّلمُ

    فدونَكَها في الحانِ، واسْتَجلِها بهِ،

    على نغمِ الألحانِ فهيَ بها غنمُ

    فما سَكَنَتْ والهَمّ، يوماً، بِمَوضِعٍ،

    كذلِكَ لم يَسكُنْ، معَ النّغْمِ، الغَمُّ

    وفي سكرة ٍ منها ولو عمرَ ساعة ٍ

    تَرى الدَّهْرَ عَبداً طائِعاً، ولَكَ الحُكْمُ

    فلا عيشَ في الدُّنيا لمنْ عاشَ صاحياً

    ومنْ لمْ يمتْ سكراً بها فاتهُ الحزمُ

    على نفسهِ فليبكِ منْ ضاعَ عمرهُ

    وليسَ لهُ فيها نصيبٌ ولا سهمُ

    زِدني بفرط الحب فيك تحيرا

    وارحم حشي بلظى هواك تسعرا

    وإذا سألتك أن أراك حقيقةً

    فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى

    يا قلب أنتَ وعدتني في حبهم

    صبراً فحاذر أن تضيق وتضجرا

    إن الغرام هو الحياة فمت به

    حباً فحقُكَ أن تموت وتُعذرا



    http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=127641[/align]
    [align=center]*********************

    http://www.rifaieonline.com/

    www.geocities.com/alrifaia

    *********************
    [/align]



    [move=right]منكري الكرامات على الأولياء ينظرون للكرامة على أنها من فعل الولي

    ولا ينظرون إليها على أنها فعل الله أجراه على الولي[/move]

    [align=center]
    ***************************[/align]

  8. #25
    [align=center]

    فرسان العشق الإلهي

    أبو الحسن الشاذلي... من عباءته خرجت مناهج الصوفيّة


    د. عمار علي حسن



    يبرز اسم أبو الحسن الشاذلي في مقدمة صفوف مؤسسي التصوف الحركي الكبار. فشيخنا جاء من المغرب إلى مصر مروراً بتونس، وفي كل مكان حلّ فيه جذب إليه المريدين، وتركهم ليؤسسوا طرقاً لا تزال سائدة، على رغم تعاقب السنين، وتبدل الأماكن، وتوالي الأجيال. بذلك يكون أحد الشخصيات المشهود لها في إثبات أن الصوفية ظاهرة عابرة للحدود والسدود.

    هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار المغربي، ولد سنة 395 هـ، وينتمي إلى قبيلة الأخماس الغمارية. قطن مدينة شاذلة، فنسب إليها. تتلمذ منذ نعومة أظافره على يدي أبي محمد عبد السلام بن مشيش، الذي أثر تأثيراً بالغاً في حياته الصوفية والمعرفية، إذ كان له من المقام في المغرب ما للشافعي في مصر، وكان أحد المتمسكين بالكتاب والسنة، العاملين بهما، وهذا ما نستدل عليه من قوله الشهير: «أفضل الأعمال أربعة بعد أربعة: المحبة لله، والرضا بقضاء الله، والزهد في الدنيا، والتوكل على الله. أما الأربعة الأخرى فهي: القيام بفرائض الله، والاجتناب لمحارمه، والصبر عما لا يعني، والورع من كل شيء يلهي».

    رحل الشاذلي بعد أن استوت معرفته وأذواقه إلى جبل زغوان في تونس، حيث اعتكف للعبادة، وارتقى منازل عالية في الفكر الصوفي. لكن أبا القاسم بن البراء قاضي الجماعة في تونس دسّ عليه لدى السلطان أبي زكريا الحفصي فأخرجه الأخير من البلاد. وابن البراء كان يعد نفسه الزعيم الديني الأكبر من دون منازع، فلما رأى الناس تلتف حول الشاذلي، الذي لا سند رسمياً لمكانته وموقعه، يقال إنه قد حقد عليه، لا سيما أن أبا الحسن كان إلى جانب تصوفه أحد علماء الفقه والتفسير والحديث، وقال للسلطان: «إنه يدعي الشرف. وقد اجتمع عليه خلق كثير. ويدعي أنه الفاطمي. ويشوش عليك في بلادك». فاستدعاه الحفصي إلى قصره، وطلب من الشيوخ أن يسألوه، فأجابهم باستفاضة أدهشتهم، في العلوم الحدسية والكسبية معاً. وأراد السلطان أن يأمر له بالانصراف، لكن ابن البراء عاجله بالقول: «لئن خرج الشاذلي في هذه الساعة، ليدخلن عليك أهل تونس، ويخرجونك من بين أظهرهم، فإنهم مجتمعون على بابك».

    استبقاه السلطان، لكن أحد إخوته كان عاقلاً، وطالما تردد على الشيخ يتبارك به، ويستزيد من علمه، قال له: «ما هذا الأمر الذي أوقعك فيه ابن البراء. أوقعك الله في الهلاك أنت وكل من معك». ثم دخل على الشيخ وراح يسترضيه، ويهدئ من خواطره. فقال له الشيخ الذي كان طيلة هذا الوقت غارقاً في عبادته وتسابيحه: «والله ما يملك أخوك لنفسه نفعاً ولا ضرراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فكيف يملكها للغير، كان ذلك في الكتاب مسطوراً».

    بعدها عزم الشاذلي على الحج، فأمر أتباعه بتجهيز رحالهم ليتوجهوا إلى المشرق، فقالوا له إن أيام الحج لا تزال بعيدة، فأجابهم: «سنمكث في مصر مدة». وسمع الحفصي باعتزام الشاذلي الرحيل، فأرسل إليه يرجوه في البقاء، لأن الناس علموا أنه منفي، فغضبوا، فرد الشيخ على رسول السلطان: «ما خرجت إلا بنية الحج إن شاء الله تعالى. لكن إذا قضى الله حاجتي أعود إن شاء الله».

    جاء الشاذلي إلى الإسكندرية، لكنه وجد أمامه من ينتظره لاعتقاله، بعد أن وصلت أخباره إلى سلطانها. وفرض عليه الأخير الذهاب إلى القاهرة بنفسه، لمقابلة السلطان. وهنا يروي صاحب «درة الأسرار»: «لما وصلنا إلى القاهرة أتينا القلعة، فاستأذن الشاذلي على السلطان. فأدخل على السلطان والأمراء ، فجلس معهم ونحن ننظر إليه. قال له السلطان: «ماذا تقول أيها الشيخ؟»، فأجاب: «جئت أشفع لك في القبائل». فردّ: «اشفع في نفسك. هذا عقد بالشهادة فيك، وجهها بن البراء من تونس بعلامة فيه، ثم ناوله إياه». فقال الشيخ: «أنا وأنت والقبائل في قبضة الله».

    وقام الشيخ، فلما مشي قدر 20 خطوة، حرّك الرجال السلطان فلم يتحرك ولم ينطق، فبادروا إلى الشيخ وجعلوا يقبلون يديه، ويرغبونه في الرجوع إليه. فرجع إليه، وحركه بيده، فتحرك، وجعل يستحله، ويرغب منه في الدعاء. ثم كتب إلى الوالي في الإسكندرية، أن يرفع الطلب عن القبائل، ويرد جميع ما أخذه منهم.

    خرج الشاذلي وأتباعه إلى الحج، فلما انتهى من أداء الفريضة عاد إلى تونس، فوجد ابن البراء لا يزال متربصاً به. لكنه صبر عليه، ولم يبال بمكائده. وفي هذه الفترة من حياة الشاذلي جاء إليه أبو العباس المرسي، الذي قال الأول في حقه: «ما ردني إلى تونس إلا هذا الشاب». ورحل الشاذلي إلى مصر مجدداً، ليقيم فيها، فخلع عليه السلطان أحد أبراج الإسكندرية، كان يحوي مسجداً، ومساكن للمريدين، ومرابط للبهائم، وفي أعلاها سكن الشيخ وأولاده: شهاب الدين أحمد وأبو الحسن علي، وأبو عبد الله محمد وابنته زينب.

    في الإسكندرية حظي الشاذلي بمريدين كثر، وذاع صيته وجاء الناس إليه من شتى أنحاء مصر يقصدونه كقطب صوفي كبير. ومن مقر إقامته كاتب أصدقاءه في تونس يصف لهم حاله فقال: «الكتاب إليكم من الثغر، حرسه الله، ونحن في سوابغ نعم الله نتقلب. وهو بفضله وبوده إلينا يتحبب. قد ألقي علينا وعلى أحبابنا كنفه. وجعلنا عنده فما ألطفه! ندعوه فيلبينا، وبالعطاء قبل السؤال ينادينا. فلله الحمد كثيراً كما ينبغي لوجهه الكريم، وجلاله العظيم. أما الأهل والأولاد والأصهار والأحباب ففي سوابغ نعم الله يتقلبون، وبإحسانه ظاهراً وباطناً مغمورون، نسأل الله المزيد التام العام لكم ولهم أجمعين، وأن ينوب عنا في شكره، إنه أكرم الأكرمين».

    يروى أن ابن مشيش لما قابل الشاذلي قال له على وجه الكشف: {مرحباً بعلي بن عبد الله بن عبد الجبار»، وساق نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال له:
    { يا علي ارتحل إلى إفريقيا واسكن فيها بلداً تسمى شاذلة، فإن الله يسميك الشاذلي، وبعد ذلك تنتقل إلى مدينة تونس ويؤتى عليك بها من السلطنة، وبعد ذلك تنتقل إلى بلاد المشرق، وترث فيها القطبانية».   

    هنا أوضح ابن العماد: «وأخرجوه بجماعته من المغرب وكتبوا إلى نائب الإسكندرية: إنه يقدم عليكم مغربي زنديق وقد أخرجناه من بلدنا فاحذروه. فلما قدم الإسكندرية كان فيها أبو الفتح الواسطي، وهو قطب صوفي كبير، فوقف بظاهرها واستأذنه فقال: طاقية لا تسع رأسين. فمات أبو الفتح في تلك الليلة».

    شهادات ورؤى

    شهد للشاذلي أهل عصره من المتصوفة الكبار، ومن تلامذته ومريديه، فتلميذه الأشهر الشيخ أبو العباس المرسي قال: «كنت مع الشيخ الشاذلي في القيراون، وكانت ليلة جمعة توافق السابع والعشرين في شهر رمضان، فذهب الشيخ إلى الجامع، وذهبت معه، فلما دخل، وأحرم، رأيت الأولياء يتساقطون عليه، كما يتساقط الذباب على العسل، فلما أصبحنا وخرجنا من الجامع، قال الشيخ: «ما كانت البارحة إلا ليلة عظيمة، وكانت ليلة القدر، وسمعت الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقول: يا علي طهّر ثيابك من الدنس، تحظ بمدد الله في كل نفس. قلت يا رسول الله: وما ثيابي؟ قال: اعلم أن الله قد خلع عليك خمس خلع، خلعة المحبة، وخلعة المعرفة، وخلعة التوحيد، وخلعة الإيمان، وخلعة الإسلام. فمن أحب الله هان عليه كل شيء، ومن عرف الله، صغر لديه كل شيء، ومن وحد الله لم يشرك به شيئاًً، ومن آمن بالله أمن من كل شيء».

    ويقول ابن دقيق العيد عنه: «ما رأيت أعرف بالله منه ومع ذلك آذوه هو وجماعته وأخرجوهم من المغرب وكتبوا إلى نائب الإسكندرية أنه يقدم عليكم مغربي قد أخرجناه من ديارنا فاحذروه، فدخل الإسكندرية وآذوه حتى ظهرت له كرامات أوجبت الاعتقاد فيه».

    وأوضح الشيخ مكين الدين الأسمر: «حضرت في المنصورة في خيمة فيها الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام والشيخ مجد الدين علي بن وهب القشيري المدرس والشيخ محيي الدين بن سراقة والشيخ مجد الدين الأخيمي والشيخ أبو الحسن الشاذلي ورسالة القشيري تقرأ عليهم وهم يتكلمون والشيخ أبو الحسن صامت إلى أن فرغ كلامهم، فقالوا: يا سيدي نريد أن نسمع منك، فقال: أنتم سادات الوقت وكبراؤه وقد تكلمتم، فقالوا لا بد من أن نسمع منك. فسكت الشيخ ساعة ثم تكلم بالأسرار العجيبة والعلوم الجليلة فقام الشيخ عز الدين وخرج من صدر الخيمة وفارق موضعه وقال اسمعوا هذا الكلام الغريب القريب العهد من الله».

    لذا يقول الشيخ مكين أيضاً: «مكثت 40 سنة يشكل عليَّ الأمر في طريق القوم فلا أجد من يتكلم عليه، ويزيل عني إشكاله حتى ورد الشيخ أبو الحسن فأزال كل شيء أشكل علي».

    وقيل عنه: «من أراد أن يستجاب له فليأت إلى الشيخ الشاذلي».

    صفات المخلصين

    في أقواله وأحواله وضع الشاذلي تصوره عن التصوف والمتصوفة، وأسماهم المخلصين، ووصفهم بأنهم: «رجال جبلهم الله على حسن عبوديته، وأخلصهم لإخلاص توحيد ربوبيته، واتباع شريعته، فيما منع أسرارهم بأنوار حضرته. وأمد أرواحهم بمعاني المعارف. وخصائص عنايته، وأجال عقولهم في عظمته. وزمي نفوسهم فأحرزها وأخرجها من ظلمة الجهل. وهداهم بنجوم العلم وشمس معرفته. وأيد عقائدهم ببرهان كتابه وسنته ومحا عزائمهم بتحقيق غلبة مشيئتهم. وطوى إرادتهم بتيقن وقفها على إرادته. وزينهم بزينة الزهد، وحلية التوكل، وشرف الورع، ونور العلم وضياء المعرفة. وألهمهم لفضله وطوله. وتولاهم فأغناهم به عن غيره. وجعل منهم مفاتيح لقلوب الورى، وينابيع الحكمة الكبرى، يتلقونها شرعاً، ويلقونها لأهلها سراً وجهراً. ومنهم من سترته الأقدار، وحجبته عن الأغيار، لينفرد بالتمكن في حقيقة الأسرار. تعرف كلا بسيماهم. باطنهم مع الحق، وظاهرهم مع الخلق. فهم هم، ولا هم هم في الوجود. بوصف الغناء ظاهرين. صفوا وافترقوا في سيرهم سنناً. ظاهرهم الفقر وباطنهم الغنى. يتخلقون بأخلاق نبيهم صلى الله عليه وسلم، كما قال العلي الأعلى: «وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى» (الضحى 8)».   

    وللشاذلي أقوال مشهودة عن الرضا والمحبة، أبرزها:

    - «ألق بنفسك على باب الرضا، وانخلع عن عزائمك وإرادتك».

    - «بساط الكرامة أربع: حب يشغلك عن حب غيره. ورضا يتصل به حبك بحبه. وزهد يحققك بزهد في بريته. وتوكل عليه يكشف لك عن حقيقة قدرته» .

    - «من أحب الله، وأحب لله فقد تمت ولايته بالحب».

    - «لمحب على الحقيقة من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه، ولا مشيئة له غير مشيئته، فإن من ثبت ولايته من الله لا يكره الموت».

    لكن كيف تنبت المحبة في قلوب المريدين؟ أجاب الشاذلي: «المحبة آخذة من الله لقلب عبده عن كل شيء سواه. فترى النفس مائلة لطاعته، والعقل متحصناً بمعرفته، والروح مأخوذة في حضرته، والسر مغموراً في مشاهدته، والعبد يستزيد فيزاد، ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسى حلل التقريب على بساط القربة، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم. فمن أجل ذلك قالوا أولياء الله عرائس. ولا يرى العرائس المجرمون».

    قال له أحدهم: «لقد علمت الحب! فما شراب الحب؟ وما كأسه؟ وما الذوق؟ وما الشراب؟ وما الري؟ وما السكر؟ وما الصحو؟}.

    أجاب: «الشراب هو النور الساطع عن جمال القلوب، والكأس هو اللطف الموصل ذلك إلى أفواه القلوب. والساقي هو المتولي الأكبر المخصوصين من أوليائه والصالحين من عباده. وهو الله العالم بالمقادير ومصالح أحبائه. فمن كشف له عن ذلك الجمال، وحظي منه بشيء نفساً أو نفسين، ثم أرخى عليه الحجاب، فهو الذائق المشتاق، ومن دام له هذا ساعة أو ساعتين، فهو الشارب حقاً. ومن توالى عليه الأمر، ودام له الشرب حتى امتلأت عروقه ومفاصله من أنوار الله المخزونة فذلك هو الري. وربما غاب عن المعقول والمحسوس فلا يدري ما يقال، ولا ما يقول فذلك هو السكر. وقد تدور عليهم الكؤوس وتختلف لديهم الحالات فيردون إلى الذكر والطاعات، ولا يحجبون عن الصفات، مع تزاحم المقدورات، فذلك وقت صحوهم، واتساع نظرهم، ومزيد علمهم».

    وكان الشاذلي مقدراً للعلم والعلماء، وهو يرى أنه لا يكمل عالم فى مقام العلم حتى يبتلى بأربع: شماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهال، وحسد العلماء. والعلم لديه ذو طبيعة حدسية، وهو ما يستدل عليه من قوله: «إنا لننظر إلى الله ببصر الإيمان والإيقان، فأغنانا عن الدليل والبرهان، وإنا لا نرى أحداً من الخلق، فهل في الوجود أحد سوى الملك الحق، وإن كان ولا بد فكالهباء في الهواء، إن فتشتهم لم تجدهم شيئا».

    أما التقرب إلى الله فهو لدى الشاذلي إحدى أعظم القربات، ويقوم على مفارقة النفس بقطع إرادتها وطلب الخلاص منها بترك ما تهوى لما يرجى من حياتها. وهنا قال:

    - «إذا أردت الوصول إلى الطريق التي لا لون فيها، فليكن الفرق في لسانك موجوداً والجمع في سرك مشهوداً».

    - «من الأولياء مَنْ يسكر من شهود الكأس ولم يذق بعد شيئاً، فما ظنك بعد ذوق الشراب وبعد الري؟ واعلم أن (الري) قل من يفهم المراد به، فإنه مزج الأوصاف بالأوصاف، والأخلاق بالأخلاق، والأنوار بالأنوار، والأسماء بالأسماء، والنعوت بالنعوت، والأفعال بالأفعال».

    - «العلوم التي وقع الثناء على أهلها، وإن جدت فهي ظلمة في علوم ذوي التحقيق، وهم الذين غرقوا في تيار بحر الذات، وغموض الصفات، فكانوا هناك بلا هُمْ، وهم الخاصة العليا الذين شاركوا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في أحوالهم».

    - «فإذا أمدَّه الله تعالى بنور ذاته، أحياه حياة باقية لا غاية لها، فينظر جميع المعلومات بنور هذه الحياة؛ ووجد نور الحق شائعاً في كل شيء، لا يشهد غيره».

    الساعات الأخيرة

    تُوفي الشاذلي في صحراء عيذاب في أقصى جنوب مصر الشرقي، بينما كان متوجهًا إلى بيت الله الحرام في أوائل ذي القعدة سنة 656 هـ. ومعروف أنه لما دفن في حميثرا وغُسل من مائها عذب الماء بعد أن كان ملحاً وكثر حتى صار يكفي الركب إذا نزل عليه.

    وروى الرحالة ابن بطوطة عن واقعة موت الشاذلي قائلاً: «أخبرني الشيخ ياقوت العرش عن شيخه الشيخ أبي العباس المرسي أن أبا الحسن الشاذلي كان يحج كل سنة فلما كان فى آخر سنة خرج فيها قال لخادمه اصطحب فأساً وقفة وحنوطاً، فقال له الخادم: ولماذا يا سيدي؟ فأجاب: في حميثرا سوف ترى، فلما بلغ حميثرا اغتسل الشيخ أبو الحسن الشاذلي وصلى ركعتين وفي آخر سجدة من صلاته انتقل إلى جوار ربه ودفن هناك».

    وقبيل وفاته توجه الشاذلي إلى أصحابه قائلاً: «إذا مت فعليكم بأبي العباس المرسي، فإنه الخليفة من بعدي، وسيكون له بينكم مقام عظيم، وهو أحد أبواب الله سبحانه وتعالى».



    http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=127779[/align]
    [align=center]*********************

    http://www.rifaieonline.com/

    www.geocities.com/alrifaia

    *********************
    [/align]



    [move=right]منكري الكرامات على الأولياء ينظرون للكرامة على أنها من فعل الولي

    ولا ينظرون إليها على أنها فعل الله أجراه على الولي[/move]

    [align=center]
    ***************************[/align]

  9. #26
    [align=center]فرسان العشق الإلهي

    معروف الكرخي... العارف المتسامح صاحب الكرامات


    د. عمار علي حسن



    قال إن الطريق إلى الطاعة لله عزّ وجلّ هو بخروج الدنيا من القلوب، رأى فتياناً يعزفون ويشربون الخمر فرفع يديه إلى السماء وقال: إلهي وسيدي كما فرحتهم في الدنيا أسألك أن تفرحهم في الآخرة، فلما تعجب أصحابه قال: إذا فرحهم في الآخرة تاب عليهم في الدنيا ولم يضركم شيء.

    سار وراء جنازته 300 ألف شخص فلما دفنوه تحولوا إلى جنازة أبو نواس وصلوا عليه فقيل قد غفر له بصلاة مشيّعي معروف الكرخي.

    لم يكن غزير العلم، لكنه كان كثير العطاء، قرن قوله بفعل، كره الجدل، وروى الناس عنه كرامات عدة. كان كثير الصيام والقيام والمجاهدة، لكن أهم قيمة تركها لمن عاصروه وجاءوا بعده هي التسامح. فقلب شيخنا كان مفتوحاً للجميع، وعقله لم يغلق يوماً أمام أحد حتى ولو من كارهيه أو من ناصبوه العداء. في حياته ومماته دليل دامغ على أن المسلمين في زمن ازدهار حضارتهم عرفوا وألفوا التعايش المذهبي، وتركوا الأبواب مفتوحة على مصاريعها أمام كل ما رام معرفة، أو سعى إلى هداية.

    هو معروف بن فيروز الكرخي ويكنَّى بـ{أبو محفوظ»، كان أحد رموز الصوفية الكبار في بغداد، واشتهر بزهده وورعه وتقواه. وكان خليفة القطب المعروف أبو سليمان داود الطائي. ويقال إنه أخذ الطريقة من مسلكين، الأول عن الشيخ داود الطائي عن الشيخ الحبيب العجمي عن الشيخ الحسن البصري عن الإمام علي. والثاني عن الإمام علي الرضا عن الإمام موسى الكاظم عن الإمام جعفر الصادق عن الإمام محمد الباقر عن الإمام علي زين العابدين عن الإمام الحسين عن الإمام علي. وقد روى عن داود الطائي وابن السماك وعلي الرضا وبكر بن خنيس.

    وُلد الكرخي مسيحياً، لكنه تحوّل إلى الإسلام في ميعة الصبا، وتسبب في إدخال والديه إلى هذا الدين. وكان مؤدب الصبي، يقول له: «ثالث ثلاثة» فيرد معروف في ثقة: «بل هو الواحد الصمد»، فعنفه لذلك تعنيفاً شديداً، وضربه ضرباً مفرطاً، فهرب منه، وانقطعت أخباره لفترة، تركت في قلبَي والديه حزناً دفيناً. وكان الأبوان يقولان: ليته يرجع إلينا، على أي دين كان، فنوافقه إليه. فلما رجع ذات يوم ودق الباب، قيل: من؟ قال: معروف، فقالا: على أي دين؟، قال: دين الإسلام؛ فأسلم أبواه.

    وتُروى الواقعة ذاتها بدقة على لسان أخيه عيسى، إذ يقول: كنتُ أنا وأخي معروف في الكُتَّاب وكنا نصارى، وكان المعلم يعلم الصبيان أب وابن، فيصيح أخي معروف «أحد أحد»، فيضربه المعلم على ذلك ضرباً شديداً، حتى ضربه يوماً ضرباً عظيماً، فهرب على وجهه. فكانت أمي تقول: لئن ردَّ الله علي ابني معروفاً لأتبعنه على أي دين كان. فقدم عليها معروف بعد سنين كثيرة فقالت له: يا بُني على أي دين أنت؟ قال: على دين الإسلام، قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فأسلمت أمي، وأسلمنا كلنا.

    ويقال إنه دخل الإسلام عن طريق الإمام علي بن موسى الرضا، وظل قائماً على بابه، فبات بذلك قريباً من الشيعة، ثم تحوّل إلى باب الإمام أحمد بن حنبل، فصار قريباً من السنّة.

    وشهد للكرخي أهل زمانه من العلماء والفقهاء والصالحين وأهل الطريق. فقد ذكر معروف لدى الإمام أحمد بن حنبل فوصفه أحدهم بأنه قصير العلم فقال ابن حنبل «أمسك وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف».

    ويقول عنه تلميذه الصوفي الكبير السري السقطي: هذا الذي أنا فيه من بركات معروف انصرفت من صلاة العيد فرأيت مع معروف صبياً شعثاً، فقلت: من هذا؟ قال: رأيت الصبيان يلعبون وهذا واقف منكسر فسألته: لمَ لا تلعب؟ قال: أنا يتيم، قال سري: فقلت له: فما ترى أنك تعمل به؟ قال: لعلّي أخلو فأجمع له نوى يشتري بها جوزاً يفرح به، فقلت له: أعطنيه أغير من حاله، فقال لي: أوَتفعل؟ فقلت: نعم، فقال لي: خذه أغنى الله قلبك، فسويت الدنيا عندي بأقل من كذا.

    وفي رواية أخرى، قال العباس بن مسروق: بلغني أن السري السقطي، كان يتجر في السوق وهو من أصحاب معروف الكرخي، فجاء معروف يوماً ومعه صبي يتيم، فقال له: أكْسُ هذا اليتيم قال السري: فكسوته، ففرح به معروف وقال: بغَّضَ الله إليك الدنيا وأراحك مما أنت فيه. فقمت من الحانوت وليس شيء أبغض إليَّ من الدنيا، وكل ما أنا فيه من بركات معروف.

     وسأل سفيان بن عيينة رجالاً من أهل بغداد ذات يوم: ما فعل ذلك الحبر الذي فيكم ببغداد؟ قالوا: من هو؟ قال: أبو محفوظ معروف. قلنا: بخير. قال: «لا يزال أهل تلك المدينة بخير ما بقي فيهم».

    وقال يحيى بن جعفر: رأيت معروفاً يؤذن فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، رأيت شعر لحيته وصدغه قائماً كأنه زرع.

    وقال عنه إبراهيم البكار: كان رضي الله عنه من السادات الأجلاء، وشيخاً عظيماً مبجلاً، وكان كلامه حِكماً وعِبراً، كلامه في الزهد والتصوف أخذ بالقلوب، وأثرت مواعظه في أفئدة الرجال، ترى في كلامه عبارات إنسان عاقل فطن أخذته الشفقة على الخلق.

    وقد شهد أبو حيان التوحيدي له بالتسامح في كتابه «مثالب الوزيرين» حين تحدث عن موقف الوزير الصاحب بن عباد، من المتكلمين، حين قال: «ما قولي هذا فيهم إلا قولك يوم اجتماعنا في مقبرة معروف الكرخي لبعض الشيعة». وفي هذا دلالة على أن ضريح الكرخي كان مقراً لمناظرات بين المختلفين في المذاهب والرؤى والتصوّرات والتأويلات.

    ويقول الباحث المسيحي يعقوب سركيس في «مباحث عراقية»: كان معروف الكرخي متسامحاً، وقريباً من الجميع.

    وما نُسب الى الكرخي من أقوال وأفعال تبيّن زهده وإخلاصه، وحرصه على محاسبة نفسه، ومواصلة ذكر الله تعالى بلا كلل ولا ملل. فقد كان يرى أن الدنيا أربعة أشياء هي: المال، والكلام، والمنام، والطعام. فالمال يطغي، والكلام يلهي، والمنام ينسي، والطعام يسقي. وكان يرى أن «قيام الليل نور للمؤمن يوم القيامة يسعى بين يديه ومن خلفه، وصيام النهار يبعد العبد من حر السعير».

    وسئل كيف تصوم؟ فغالط السائل، وقال: «صوم نبينا كان كذا وكذا وصوم داود كذا وكذا} فألح عليه فقال: «أصبح دهري صائماً فمن دعاني أكلت ولم أقل إني صائم».

    ويروي عبيد بن محمد الوراق أن معروف مرّ وهو صائم بسقاء يقول رحم الله من شرب فشرب رجاء الرحمة.

    وكان الكرخي يدعو إلى الفهم والصدق والعمل، فها هو يروي: «سمعت بكر بن خنيس يقول كيف تتقي وأنت لا تدري ما تتقي»، ثم يردد: «ما أكثر الصالحين، وأقل الصادقين في الصالحين». وفي هذا سئِل: ما علامُة الأولياء؟ فقال: ثلاثٌة: همومهم للهِ، و شغُلهم فيه، وفرارهم إليه. وسئل أيضاً عن الطائعين بأي شيء قدروا على الطاعة لله عز و جل؟ فقال: «بخروج الدنيا من قلوبهم».

    أما بالنسبة الى فضل الفعل على القول، فيحدث أصحابه قائلاً: «إذا أراد الله بعبدٍ خيراً فتح عليه باب العملِ، وأغلق عنه باب الجَدل. وإذا أراد الله بعبدٍ شراً، أغلق عنه باب العملِ، وفَتح عليهِ باب الجَدلِ».

    وكان الكرخي مشغولاً دائماً بذكر الله، فها هو يقول: ينادي منادٍ يوم القيامة يا مادح الله قم فلا يقوم إلا من كان يكثر قراءة «قل هو الله أحد». ويطبق هذا على نفسه في واقعة يرويها البعض عنه، من أن إنساناً قصّ شارب معروف فلم يفتر من الذكر، فقال: كيف أقص؟ فقال: أنت تعمل وأنا أعمل. وقال محمد بن منصور الطوسي: قعدت مرة إلى معروف فلعله قال واغوثاه يا الله عشرة آلاف مرة وتلا «إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم».

    وكان معروف مخلصاً في عبادته، حريصاً على أن يتجنب الذنوب جميعاً، ويتّقي الله تعالى في كل حركاته وسكناته، فها هو يقول: «إذا كنت لا تحسن تتقي، أكلت الربا، ولقيت المرأة فلم تغض عنها، ووضعت سيفك على عاتقك... إلى أن قال ومجلسي هذا ينبغي لنا أن نتقيه فتنة للمتبوع وذلة للتابع». ويقول أيضا: «غضوا أبصاركم، ولو عن شاةٍ ُأنثى». وكان يقول كذلك: «ما أبالي رأيت امرأة أو رأيت حائطاً».

    وقيل أتى رجل بعشرة دنانير إلى معروف فمر سائل فناوله إياها وكان يبكي ثم يقول «يا نفس كم تبكين أخلصي تخلصي». وقيل اغتاب رجل لدى معروف، فقال له: {اذكر القطن إذا وضع على عينيك».

    وكان يقول: «من كابر الله صرعه، ومن نازعه قمعه، ومن ماكره خدعه، ومن توكل عليه منعه، ومن تواضع له رفعه، كلام العبد في ما لا يعنيه خذلان من الله».

    وقد أنشد مرة في السحر وهو ينوح ويبكي:

    أي شيء تريد مني الذنوب

    شغفت بي فليس عني تغيب

    ما يضر الذنوب لو أعتقتني

    رحمة لي فقد علاني المشيب.

    ومن الوقائع التي تدلّ على تسامحه، وسعة أفقه، أنه نزل يوماً إلى دجلة يتوضأ ووضع مصحفه وملحفة فجاءت امرأة فأخذتهما، فتبعها، وقال لها: أنا معروف، لا بأس عليك، ألك ولد يقرأ القرآن؟ قالت: لا، قال: فزوج، قالت: لا، قال: فهات المصحف، وخذي الملحفة. وكان قاعداً على دجلة ببغداد حين مرّ به غلمان في زورق، يضربون الملاهي ويشربون الخمر؛ فقال له أصحابه: ما ترى هؤلاء يعصون! ادع الله عليهم!، فرفع يديه إلى السماء، وقال: إلهي وسيدي، كما فرحتهم في الدنيا أسألك أن تفرّحهم في الآخرة. فقال له أصحابه: إنما قلنا لك: ادع عليهم، فقال: إذا فرحهم في الآخرة تاب عليهم في الدنيا، ولم يضركم شيء.

    وفي واقعة أخرى تدل على تسامحه، قال الحنفي في «الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية»: «لما اعترض أحد مريدي الشيخ معروف على أسفه لعدم تمكنه من الصلاة على جنازة الإمام أبي يوسف بقوله: أنت تأسف على رجل من أصحاب السُّلطان يلي القضاء، ويرغب في الدنيا إن لم تحضر جنازته؟ أجابه بالقول: «رأيت البارحة كأني دخلت الجنة، فرأيت قصراً قد فرشت مجالسه، وأرخيت ستوره، وقام ولدانه، فقلت لمن هذا القصر؟ فقالوا ليعقوب بن إبراهيم الأنصاري أبي يوسف، فقلت سبحان الله بم استحق هذا من الله؟ فقالوا: بتعليمه الناس العلم، وصبره على أذاهم».

    كراماته

    مما روي عن كراماته أن أحدهم في بغداد فقد ابناً له، فشكى ذلك الى صديقه، فنصحه بأن يذهب إلى معروف الكرخي كي يدعو الله له حتى يرد عليه ولده. فلما جاء الرجل إلى الكرخي رفع يده إلى السماء وقال: اللهم إن الأرض أرضك، والسماء سماؤك، وما بينهما ملكك، فاردد عليه ولده. فذهب الرجل إلى أحد أبواب بغداد فوجد ابنه واقفاً مذهولاً فقال له يا أبت إني كنت الآن بالأنبار.

    وقال ابن شيرويه: «قلت لمعروف بلغني أنك تمشي على الماء، قال: ما وقع هذا، ولكن إذا هممت بالعبور جمع لي طرفا النهر فأتخطاه».

    وروى أبو العباس بن مسروق عن محمد بن منصور الطوسي: «كنت عند معروف ثم جئت وفي وجهه أثر فسئل عنه، فقال للسائل: سل عما يعنيك عافاك الله. فأقسم سائله عليه، فتغير وجهه، ثم قال: صليت البارحة، ومضيت، فطفت بالبيت، وجئت لأشرب من زمزم، فزلقت، فأصاب وجهي هذا».

    وقال ابن مسروق نفسه: «حدثنا يعقوب ابن أخي معروف أن معروفاً استسقى لهم في يوم حار، فما استتموا رفع ثيابهم حتى مطروا».

    وعن عامر بن عبد الله الكرخي أنه قال: كان في جواري نصراني فقال لي: ما حصلت من عمري ثمرة ولا ولد لي فانطلق إلى ولي ليهب لي ربي ولداً فأتيت به إلى مجلس معروف الكرخي  فذكرت حاله ، فكلفه أولا بالإسلام، فقال النصراني: ما تقدر على إسلامي بغير هـداية الله تعالى. فدعا الشيخ ورفع كفيه وقال: اللهم إني أسألك أن ترزقه ولداً يكون باراً بوالديه ويكون سبب إسلامهما. فاستجاب الله  دعوة الشيخ، وولد له ولد فشب وصار لايقاً للتعليم فأجلسه أبوه عند معلم ، فقال المعلم: القلب ما أقول ، فقال الولد: لساني عن التثليث معقول وقلبي بحب الواحد مشغول. فقال المعلم: حصل الذي عليه ملتك ودع الذي لا دليل له فإن لساننا كليل عن ذلك. فلما ابتدأ بحروف الهجاء قفا كل حرف بتوحيد الله تعالى فوافق التوفيق المعلم فأجرى كلمة الشهادة في قلبي وذهب بالصبي إلى أبويه ووصف لهما فطنته وذكاءه وكمال عقله واستدلاله ودعاهما للإسلام فكسرا الصليب وأسلما وتبعهما قدر خمسمائة نفس للإسلام. فهذا ببركة دعائه وفيض أنفاسه لذلك الصبي. 

    وقد أفرد ابن الجوزي قسطاً وافراً في الحديث عن كرامات الكرخي، في كتابه الشهير «صفة الصفة».

    سكن الكرخي بغداد ومات فيها ودُفن عام 200 هـ، 815 م، في مقبرة الشونيزية على جانب الكرخ من بغداد، وسميت في ما بعد «مقبرة الشيخ معروف».

    ويقول ابن نباتة في «سرح العيون»، شيعت بغداد في ساعة واحدة معروف الكرخي وأبا نواس، وربما دُفنا في مكان واحد. وقال أبو العتاهية: تُوفي أبو نواس ببغداد سنة مائتين هو ومعروف الكرخي في يوم واحد، فخرج مع جنازة معروف ثلثمائة ألف، ولم يخرج مع جنازة أبي نواس غير رجل واحد، فلما دفن معروف، قال قائل: أليس جمعنا وأبا نواس الإسلام! ودعا الناس فصلوا عليه، فرئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بصلاة الذين صلوا على معروف وعليَّ.

    وعلى رغم تقادم الزمن، وتوالي الغزاة على بغداد، وتخريب الكثير من آثارها على أيدي المغول والعثمانيين والإيرانيين، فإن قبر الكرخي بقي مصاناً إلى الآن، وهو ما يفسره رشيد خيون بقوله: «لعلَّ في ذلك إيماءة أخرى إلى أن صاحب الضريح ظل معروفاً بين الناس فوق الميول والاتجاهات».

    ويقول أبو بكر الزجاج: قيل لمعروف الكرخي في عِلَّتِه: أوصِ، فقال: إذا متُّ فتصدقوا بقميصي هذا فإني أحب أن أخرج من الدنيا عرياناً كما دخلت إليها عرياناً.



    http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=127933
    [/align]
    [align=center]*********************

    http://www.rifaieonline.com/

    www.geocities.com/alrifaia

    *********************
    [/align]



    [move=right]منكري الكرامات على الأولياء ينظرون للكرامة على أنها من فعل الولي

    ولا ينظرون إليها على أنها فعل الله أجراه على الولي[/move]

    [align=center]
    ***************************[/align]

  10. #27
    [align=center]فرسان العشق الإلهي

    جلال الدين الرومي... الشاعر الصوفيّ الذي أدهش الغرب


    د. عمار علي حسن



    بدأ عالماً بفقه الحنفية ومختلف أنواع العلوم التي جادت بها قرائح المسلمين، ثم انتهى متصوفاً بعدما ترك الدنيا والتصنيف، ولجأ إلى الشعر يبث فيه فلسفته القائمة على وحدة الوجود، وصحة الأديان جميعاً، والداعية إلى المحبة والسلام. وقد أدى بيانه الفياض، والقيم العميقة الرحبة المتسامحة، التي تنطوي عليها فلسفته وتكمن في أبيات قصائده إلى أن صار الآن جسراً متيناً بين الشرق والغرب.

    هو محمد بن محمد بن الحسين بن أحمد بن قاسم بن مسيب بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عرف نفسه بالبلخي، ولُقب بالقونوي نسبة إلى قونية التي سكنها وتوفي فيها. كذلك لُقب بالرومي نسبة إلى بلاد الروم. وكانت قونية، في وسط تركيا الراهنة، في عهده إحدى أعظم مدن الإسلام في الروم، فأصبح يُعرف بالبلخي القونوي الرومي.

    ولد في فارس عام 604هـ 1207م لأسرة ينتهي نسبها، على الأرجح، إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وتحظى بمصاهرة البيت الحاكم في خوارزم. أما أمه فكانت ابنة خوارزم شاه علاء الدين محمد.

    وما إن بلغ الرومي الثالثة حتى انتقل مع أبيه إلى بغداد إثر خلافه مع الوالي محمد قطب الدين خوارزم شاه. وفي بغداد نزل أبوه في المدرسة المستنصرية، لكنه لم يستقر فيها طويلاً؛ إذ قام برحلة واسعة زار خلالها دمشق ومكة وملسطية وأرزبخان ولارند. وفي دمشق التقى الرومي أستاذه الأول برهان الدين،  ودرس مع نخبة من أعظم العقول الفقهية والعلمية آنذاك، ما مكنه في النهاية من اكتساب علم متين في الفقه والتصوف.‏ ولما أدرك سيد برهان أنه أكمل مسؤولياته تجاه تلميذه أراد تمضية البقية من عمره في عزلة، فانقطع عنه تلميذه.

    استقر والد الرومي آخر الأمر في قونية عام 632هـ، مشمولاً بحماية الأمير السلجوقي علاء الدين قبقباذ ورعايته. وقد اختير الأب للتدريس في أربع مدارس في قونية حتى وافته المنية عام 628هـ، فخلفه ابنه جلال الدين في المهنة، لكن الابن فاق الأب في الإلمام بالفقه وغيره من العلوم الإسلامية.

    يروي البعض أن الرومي حين توجه بصحبة والده إلى مكة لأداء فريضة الحج، التقى في نيسابور الشاعر الصوفي المشهور فريد الدين العطار، الذي أهداه كتابه «أسرار نامة»، وأوصى العطار الوالد بابنه قائلاً له: «اعتني بهذا الولد، فإنه عما قريب سينفث في هذا العالم نفساً مشتعلاً». وظل هذا اللقاء العابر محفوراً في عقل الرومي وقلبه، وكان يردد دوماً: «لقد اجتاز العطار مدن الحب السبع بينما لا أزال أنا في الزاوية من ممر ضيق». ثم عبر عن هذه اللحظة المهمة في حياته بشعر أنشد فيه: «وفجأة أشرق في صدري نجم لامع، واختفت في ضوء ذلك النجم كل شموس السماء».

    لكن نقطة التحول في حياة الرومي كانت حين التقى الصوفي الأمي المشهور شمس الدين التبريزي، الملقب بشمس المغربي، الذي ترك فيه بصمات قوية انطبعت على عقله وذوقه وبيانه. وتعلق الرومي بأستاذه الجديد بشدة، وصار للتبريزي سلطاناً قوياً عليه، فودع حياة التدريس، وانقطع للعبادة، ونظم الشعر، وأسس طريقة صوفية لا تزال تحيا بين ظهرانينا وهي «المولوية»، التي عنيت في تربية مريديها بالرياضة الروحية، وسماع الموسيقى، على الخلاف من الطرق الصوفية الأخرى.

    بعد عامين من هذه العلاقة المكثفة ارتحل شمس تبريز عن الدنيا الفانية ولقي ربه، وشعر الرومي بمعاناة شديدة عبر عنها حركياً في شكل الرقص الدائري الذي أصبح علامة على طريقته الصوفية. كان يدور ويدور حتى يصل الى حالة من الذهول ويبكي وينتحب مبتغياً وجه ربه. ثم بدأ في نظم شعر يعبر فيه عن آلام الفراق والانفصال عن أستاذه ومعلمه. وأخذ يكتب عن الحب والفراق واللوعة والتطلع للقاء الحبيب. وكان تأثير شمس تبريز على الرومي عظيماً وعميقاً حتى أنه وقّع الشعر الذي نظمه بعد وفاة شمس باسم الأخير وليس باسمه.

    في مطلع الخمسينيات من عمره راح الرومي يملي على تلميذه حسام الدين ديوانه الشعري الصوفي {المثنوي}، أكبر ديوان صوفي في التاريخ الإنساني، ومؤلف من سبعة وعشرين ألف بيت، وينطوي على مناحي الشخصية الإنسانية كافة، وتفاصيل دقيقة في عالم الطبيعة والتاريخ والجغرافيا.

    نظم الرومي ديوانه ليشكّل بيانًا وشرحًا لمعاني القرآن الكريم، ومقاصد الشريعة؛ ويكون ذلك هدفًا إلى تربية الشخصية الإسلامية وبنائها، وزادًا له في صراعه مع قوى الشر والجبروت، وعونًا له على مقاومة شهوات النفس والتحكم في أهوائها. وكشف الديوان عن ثقافة صاحبه الموسوعية، التي عبر عنها بروح إنسانية سامية، استخدم فيها ببراعة فن الحكاية، وهي في حركتها وتطورها وحوارات شخصياتها لا تقل روعة عن بعض القصص المعاصرة، إذ تتميز بالثراء والتنوع في تساميها وعجزها ونفاقها وريائها، وحيرتها بين الأرض وما يربطها بها، وبين السماء وما يشدها إليها، ذلك كله في تدفق وانسياب غامر، وعرض مشوق، وأسلوب جذاب أخَّاذ، ولغة متميزة.

    يبدأ الديوان بأبيات تحكي شوق الروح الإنسانية إلى خالقها، تحت غطاء رمزي، يتمثل في ناي يئن حنيناً إلى منبته، بقوله (مترجم عن الفارسية):

    أنصت للناي كيف يقصّ حكايته

    إنه يشكو آلام الفراق
    إنني منذ قطعت من منبت الغاب

    والناس رجالاً ونساء يبكون لبكائي
    إنني أنشد صدراً مزّقه الفراق

    حتى أشرح له ألم الاشتياق
    فكلّ إنسان أقام بعيداً عن أصله

    يظلّ يبحث عن زمان وصله.

    علاوة على «المثنوي» نظم الرومي ديوان «شمس تبريز» الذي يشمل غزليات صوفية، والتزم فيه ببحور العروض، وهو يحوي 36023 بيتًا، إضافة إلى الرباعيات، وهي منظومة أحصاها العالم الإيراني المعاصر بديع الزمان فوزانفر فوجد أنها تبلغ 1659 رباعياً، أي 3318 بيتاً. وثمة «المجالس السبعة»، الذي يشتمل على سبع مواعظ دينية وخطب ألقاها الرومي أثناء اشتغاله بالتدريس. علاوة على مجموعة رسائله، وفيها تلك التي وجهها إلى شيخه شمس الدين تبريزي، وتصور العلاقة الروحية السامية التي ربطت بينهما.

    بان في شعر الرومي أن الأخير مستقل عن المذاهب كافة، وهي مسألة يعكسها بجلاء قوله: «تعالَ وكلمني ولا يهم من أنت ولا إلى أي طريقة تنتمي ولا من هو أستاذك، تعال لنتكلم عن الله».

    قالت الشاعرة الكرواتية ومترجمة الرومي فيسنا كريمبو تيتش: «تعبر أشعار الرومي بجلاء وجمال عن حب الإنسان لله سبحانه وتعالى».

    ومركزية قيمة الحب في تجربة الرومي، جعلته يتجاوز حدود المعتاد، ويقبل المشارب والأطياف كافة، ويقول بوحدة الحب والأديان، بل إن العاشق في نظره لا يكون صادقاً ما لم ينفتح أفقه على الخلق كله. وتعود فيوضات المحبة في شعر الرومي وفلسفته الإنسانية إلى الحب الجارف الذي كان يكتنف روحه، فالحب لديه لهيب محرقة، وفي بحر السماع ماء معين ترتوي منه الروح ما تريد وكيفما تشاء. فهو عندما يتحدث عن قيمة السماع والمجاهدة والإرادة في مكابدة النفس والوجود، كأنه يجسد فعل المحبة الشاملة. والقيم كافة التي دارت حولها تجربة جلال الدين الرومي الروحية، تصب في فلسفة الحب التي جعلها أساس الوجود الإنساني، وحول المرأة التي ينعكس فيها كل شيء.

    عرّف الرومي الحب قائلاً: {يعني أن تميل بكلك إلى المحبوب، ثم تؤثره على نفسك وروحك ومالك ثم توافقه سراً وجهراً ثم تعترف بتقصيرك في حبه». وكان يعتقد أن الحب، هو «هتك الأستار وكشف الأسرار». وطاقة الحب لديه هي «النار المشتعلة في القلب والتي تحرق كل شيء عدا مراد المحبوب»، و«استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من محبوبك، فالحب يسقط شروط الأدب»، وهي كذلك «كالغصن، حين يغرس في القلب فيثمر على قدر العقل»، وكان يقول دوماً: «الحب أوله ختل وآخره قتل».

    وأنشد الرومي شعراً خالداً في الحب الإلهي، إذ قال في قصيدته «شمس مغربي»:
    ولقد شهدت جماله في ذاتي

    لما صفت وتصقلت مرآتي
    وتزينت بجماله وجلاله

    وكماله ووصاله خلوات 
    أنواره قد أوقدت مصباحي

    فتلألأت من ضوئه مشكاتي

    كان الرومي مسلماً مؤمناً بتعاليم الإسلام السمحة، لكنه استطاع جذب أشخاص من ديانات وملل أخرى بسبب تفكيره المرن المتسامح. فطريقته شجعت التساهل اللامتناهي مع المعتقدات والأفكار كلها. كذلك كان يدعو إلى التعليل الإيجابي، الخير والإحسان وإدراك الأمور عن طريق المحبة. وبالنسبة إليه وإلى أتباعه، فإن الديانات كافة خيرة وحقيقية بمفاهيمها. لذلك كانوا يعاملون المسلمين والمسيحيين واليهود معاملة سواسية.

    وكغيره من الصوفيين، آمن الرومي بالتوحيد مع حبه، أي الله. هذا الحب الذي يبتعد عن الإنسان، والإنسان في مهمة إيجاده والعودة إليه.

    لم يكن الرومي منفصلاً عن قضايا عصره، فقد أبصر النور في ظل انتصار المغول الكاسح، الذي هرب والده نفسه أمامهم من بلخ (أفغانستان) إلى دمشق. وكانت نتيجة الهجوم المغولي تحويل حواضر الإسلام الزاهرة في إيران والعراق وآسيا الوسطى عموماً إلى كتل من اللهب وركام من التراب، وكان جنكيز خان يسأل الناس عن دينهم فيجيبونه: «ديننا الإسلام، ويقولون كذا وكذا...»، فيرد عليهم: «لا أرى أنكم تقيمون دينكم، أنا نقمة ربكم عليكم». أما السلطان الخوارزمي علاء الدين محمد فقد تمكّن المغول من القبض على نسائه ووالدته وأصبحن خادمات في بيوت أمراء المغول أنفسهم، هذا السلطان الذي كان هو وجنده أسرى للشهوات والأهواء، هرب قاصداً إحدى الجزر البحرية النائية في بحر قزوين، حيث مات ذليلاً، طريداً، وقبيل وفاته قال كلاماً بليغاً يدل على شدة ندمه على ما فرط في جنب الله سبحانه وتعالى: «لم يبق لنا مما ملكناه من أقاليم الأرض قدر ذراعين، تُحفَر فنُقبر، فما الدنيا لساكنها بدار، ولا ركونه إليها سوى انخداع واغترار، ما هي إلا رباط ، يدخل من باب ويخرج من باب ، فاعتبروا يا أولي الألباب».

    أفرد الرومي في هذا كتاباً سماه «فيه ما فيه»، وهو عبارة عن حشد لمجموعة ذكرياته عن مجالس إخوانه في الطريقة، ويشتمل على قصص ومواعظ وأمثال وطرائف وأخبار، مخاطباً العامة، على عكس كتابه الأول الذي يخاطب خاصة الصوفية. كذلك روى الرومي فيه جانباً من هزيمة المسلمين أمام التتار، قائلاً: «في البداية كان المغول يأتون إلينا وهم عراة حفاة يركبون العجول ويحملون سيوفاً من خشب، إنهم يسكنون الصحارى والقفار، كانو أذلة وضعافاً وكانت قلوبهم منكسرة، في أحد الأيام قصدت جماعة من تجارهم سوقاً من الأسواق التي كانت تحت ولاية السلطان خوارزم شاه، وبينما هم منشغلون بتجارتهم البسيطة هاجمهم جنود السلطان وأجهزوا على تجارتهم وساموهم العذاب، بل قتلوا الكثير منهم، الناجون من التجار المغول هربوا نحو بلادهم فالتجأوا إلى ملكهم يشتكون ويطلبون النجدة، طلب منهم الملك أن يمهلوه عشرة أيام، فذهب إلى خارج البلدة واعتكف داخل غار صائماً متبتلاً متوسلاً، فجاءه نداء من الله: «لقد قبلنا شكواك، إذهب فأينما حللت فإنك منصور».

    وكان الرومي يؤمن بوحدة الوجود، وصحة الأديان كلها، لأنها في النهاية تدعو إلى عبادة الله تعالى. وعبر عن هذا في قصيدة تقول:

    نَفْسي، أيها النور المشرق، لا تَنأى عني لا تنأى عني

    حبي، أيها المشهد المتألِّق، لا تَنأى عني لا تَنأى عني

    انظرْ إلى العمامة أحكمتُها فوق رأسي

    بل انظر إلى زنار زرادشت حول خصري

    أحملُ الزنار، وأحمل المخلاة.

    لا بل أحمل النور، فلا تَنأى عني، لا تَنأى عني

    مسلمٌ أنا، ولكني نصراني وبرهمي وزرادشتي

    توكلتُ عليك أيها الحق الأعلى، فلا تَنأى عني لا تَنأى عني

    ليس لي سوى معبدٍ واحد، مسجداً كان أو كنيسة أو بيت أصنام

    ووجهك الكريم فيه غاية نعمتي، فلا تَنأى عني لا تَنأى عني.

    وفي المضمار ذاته، يقول جلال الدين الرومي أيضاً:

    مجهول أنا عند نفسي، بربك خبِّرني ما العمل

    ولا بهذا الكون ولا ذاك، ولا في الجنة ولا النار موطني

    ولا طردت من عدن ولا يزدان، ولا من آدم أخذت نسبتي

    بل من مقام ما أبعده من مقام، وطريق خفي المعالم

    تجردت عن بدني وروحي، فمن جديد أحيا في روح محبوبي.

    أدت الفلسفة الإنسانية الرحبة التي انطوى عليها شعر الرومي إلى اهتمام المستشرقين به، إلى درجة أن فتحت في الغرب تخصصات أكاديمية عكفت على دراستها، وقبل سنوات قليلة سجلت مبيعات ترجمة بعض أشعاره أكبر حصة في  الولايات المتحدة الأميركية. لذا صار الرومي أحد أكثر الشعراء شعبية في الولايات المتحدة الأميركية، ويعرّفه شعبها باسم «رومي». وعلى رغم أنه لم يكن معروفاً فيها قبل أعوام قليلة، إلا أن الإقبال على دراسة أعماله انتشر في الجامعات الأميركية كلها. كذلك تنشر الأبواب الثقافية في الصحف الصادرة في المدن الأميركية الكبرى كلها تقريباً مواعيد قراءات أشعاره وإلقاء محاضرات عنه وأعماله. وأكبر مقياس على مدى شهرته، تسجيل مجموعة من نجوم السينما والمطربين أشعاره.

    أبعاد الولع بجلال الدين الرومي في الولايات المتحدة تثير الدهشة والإعجاب. فخلال السنوات العشر الماضية، حسبما قالت مصادر متعددة، فاقت مبيعات دواوينه مبيعات دواوين أي شاعر آخر في الولايات المتحدة.

    أوضح الشاعر الأميركي كولمان باركس، الذي كانت ترجماته لأشعار الرومي أكبر عامل أدى إلى شعبيته في بلاده: «طبيعة أفكار المذهب الصوفي التي تغلب على أشعار الرومي وجدت صدى لها بين الأميركيين الذين يسعون إلى هذه الخاصية. نفحات قصائد الرومي تحمل في ثناياها جوهر الرسالة الإسلامية، ألا وهي التسليم بقضاء الله».

    وكان الشاعر الأميركي المعروف روبرت بلاي قدم أحد دواوين الرومي عام 1979، وكان مكتوباً بأسلوب أكاديمي رديء، وكان الترجمة الإنكليزية الوحيدة لأشعار الرومي آنذاك، فقال الشاعر آنذاك: «تلك الأشعار بحاجة إلى من يفك عقالها ويخرجها من القفص المحبوسة فيه».

    سرعان ما شرع باركس في العمل. وحسبما قال، «لقد صغت أشعاره كشعر حر أو مرسَل باللغة الإنكليزية الحديثة. تلك الصياغة هي أقوى ما لدينا من تقاليد وأعراف شعرية. ثمة موسيقى شعرية كثيفة في مؤلفات الرومي، لكني لا أستطيع نقلها أو ترجمتها. إنني أنصت إلى ما ينبض بين أبيات شعره من مشاعر وعواطف، وأحاول أن أحذو حذوها كي أستخرجها، وأجعلها تنطلق مغردة وباهرة».

    ولا يغفل باركس احتمال أن تقرّب أعمال الرومي بين الأميركيين والمسلمين: «الأميركيون لا يرون أموراً كثيرة في العالم الإسلامي، ومن بينها جلال الدين الرومي. إننا لا ندرك تماماً ما في أعماله من جمال. كلي أمل في أن تسهم تلك الترجمات في تيسير الفهم وأن تصبح بوابة يمكن أن تدخل منها أشعار الرومي».

    وقالت المترجمة الكرواتية تيتش إن لقاءها مع كنوز الروح التي كتبها الرومي جعلها تلتقي بأصولها التي تتواجد في البشر كلهم. ووصف المستشرق الكبير أكرم شاوشفتش هذه الترجمة بأنها: «لحظة مهمة في تاريخ الثقافة الكرواتية».

    كذلك كان لمؤلفات الرومي تأثير كبير في الأدب الفارسي والتركي والأوردي والعربي والغربي عبر ترجمته إلى لغات عالمية عدة. وغنى نجوم موسيقى بوب غربيون مثل مادونا ترجمات أشعاره لتعظيمه قوة الحب، واعتقاده في فائدة الموسيقى والرقص الروحية.

    ولم يقتصر عطاء الرومي على الفلسفة والأدب، بل أسس طريقته الصوفية التي لا يزال مريدوها ينتشرون في كل أنحاء العالم. وكانت المولوية هي التي تتكفل بتقليد السلطان العثماني سيفه عند جلوسه على العرش، كذلك انتسب إليها الكثير من الأمراء، وظلت هذه الفرقة محل إجلال وتقدير طيلة العهد العثماني إلى أن ألغاها كمال أتاتورك عام 1926، عندها تحوّل مركز المولوية إلى حلب في سورية. 

    وظل الرومي يقدم المواعظ والمحاضرات إلى مريديه ومن يتابعه من الخاصة والعامة، إلى أن وافته المنية عام 672 هـ، 1273م عن عمر يناهز السبعين عامًا، وحمل نعشه أشخاص من ملل خمس إلى مثواه الأخير، وأطلق مريدوه على ليلة وفاته «ليلة العرس» ولا يزالون يحتفلون بهذه الليلة إلى الآن. دُفن الرومي إلى جانب قبر والده، في ضريح معروف بقونية، وكتب على الضريح بيت عميق بليغ من الشعر يخاطب به الرومي زائريه:

    يا من تبحث عن مرقدنا بعد شدِّ الرحال

    قبرنا يا هذا في صدور العارفين من الرجال.


    http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=128085

    [/align]
    [align=center]*********************

    http://www.rifaieonline.com/

    www.geocities.com/alrifaia

    *********************
    [/align]



    [move=right]منكري الكرامات على الأولياء ينظرون للكرامة على أنها من فعل الولي

    ولا ينظرون إليها على أنها فعل الله أجراه على الولي[/move]

    [align=center]
    ***************************[/align]

  11. #28
    [align=center]فرسان العشق الإلهي

    السهرورديّ... الإشراقيّ البارع الذي قتلته أفكاره


    د. عمار علي حسن

    إنه أحد كبار فلاسفة «الإشراق» في تاريخ الفكر الإسلامي، دعا إلى الوصول إلى المعرفة عن طريق الذوق والكشف الروحاني. اطلع على الفلسفات التي خلفها كهنة مصر وفلاسفة الإغريق وبراهمة الهند وغيرها، فانتهى إلى المطالبة بالتأمل الروحاني للوجود، والتخلص من الوقوع التام تحت طائلة المصادر، والاعتماد على التفكير الذاتي والإبحار في النفس، جنباً إلى جنب مع توسل البرهان العقلي في الوصول إلى الحقيقة.

    إنه «أبو الفتوح» يحيى بن حبش بن أميرك، ويلقب بـ «شهاب الدين» ويوصف «بالحكيم»، و»المؤيد بالملكوت» ولقبه تلامذته بـ»الشهيد»، واشتهر بالشيخ المقتول تمييزاً له عن صوفيين آخرين هما: شهاب الدين أبو حفص عمر السهروردي البغدادي (632هـ)، ومؤلف كتاب «عوارف المعارف» في التصوف، وصاحب الطريقة الصوفية المنسوبة إليه وهي الطريقة السهروردية، أما الآخر فهو «أبو النجيب السهروردي» (ت:563هـ).

    ولد السهروردي عام 545هـ على الأرجح، في بلدة سهرود بزنجان في أذربيجان، حيث تلقى مزيجاً من الثقافات الإسلامية وغيرها، يعتمد بعضها على إعمال العقل، وبعضها على التذوق. وكان السهروردي كثير الأسفار، وفي ترحاله التقى علماء وحكماء ومتصوفة كثيرين. وفي مطارحاته نقل عنه تلميذه الشهروري قوله عن هذه المرحلة من عمره: «قد بلغ سني إلى قرب 30 سنة، وأكثر عمري في الأسفار والاستخبار والتفحص عن مشارك مطلع على العلوم»، ثم قال: «سافر في صغره في طلب العلم والحكمة إلى مراغي، واشتغل بالحكمة علي مجد الدين الجيلي، ثم سافر إلى نواحٍ متعددة، وصاحب الصوفية، واستفاد منهم، وحصل لنفسه ملكة الاستقلال بالفكر والانفراد ثم اشتغل بنفسه حتى وصل إلى غايات مقامات الحكماء ونهايات مكاشفات الأولياء».

    انتهى السفر بالسهروردي إلى الشام، حيث أقام في مدينة حلب ابتداء من سنة 579 هـ، وكانت آنذاك تحت إمرة الملك الظاهر ابن صلاح الدين. ونزل في المدرسة «الحلوية»، فباحث الفقهاء وناظر العلماء، وأدهشهم ببيانه وحجته، وظل في المدينة حتى وافته المنية، وفيها كتب أهم أعماله، التي كادت أن تفقد لولا إخلاص تلامذته له، الذين تتبعوا كل ما ينتجه حتى صنفوا منه نحو 49 كتاباً ما بين منثور ومنظوم، أبرزها: «حكمة الإشراق، هياكل النور، التلويحات، اللمحات في الحقائق، الألواح العمادية، المشارع والمطارحات، المناجاة، مقامات الصوفية ومعاني مصطلحاتهم، التعرّف للتصوّف، كشف الغطا لإخوان الصفا، رسالة المعراج، اعتقاد الحكماء، صفير سيمورغ، كتاب اللمحات، كتاب التلويحات، كتاب المقاومات، كتاب المطارحات»، وغير ذلك من عشرات الكتب الثانوية والرسائل.

    الفلسفة الإشراقية

    أوضح قطب الدين الشيرازي في مقدمة كتاب «حكمة الإشراق للسهروردي» أن الفلسفة الإشراقية هي الحكمة المؤسسة على الإشراق الذي هو الكشف، أو حكمة المشارقة الذين من أهل فارس. ويرى الإشراقيون أن المعرفة لا تقوم على تجريد الصور، كما يقرر المشّاؤون، وهم أتباع فلسفة أرسطو، بل تقوم على الحدس الذي يربط الذات العارفة بالجواهر النورانية صعوداً كان أو نزولاً.

    لكن السهروردي استعمل الإشراق استعمالاً خاصاً، إذ ذهب إلى أن «الله نور الأنوار»، ومن نوره خرجت أنوار أخرى هي عماد العالمَين المادي والروحي، وأن «النور الإبداعي الأول» فاض عن «نور الأنوار. وتصدر عن النور الإبداعي الأول أنوار طولية سماها «القواهر العالية»، وتصدر عن هذه القواهر أنوار عرضية سماها «أرباب الأنواع»، تدير شؤون العالم الحسي. وابتدع السهروردي عالماً أوسط بين العالمين العقلي «نور الأنوار» والعالم المادي، سماه «عالم البرزخ» و»عالم المُثُل». وميّز بين نوعين من الحكمة هما: الحكمة البحثية: تعتمد على التحليل والتركيب والاستدلال البرهاني، وحكمة الفلاسفة. والحكمة الذوقية: ثمرة مجاهدات روحية، يحياها الإنسان لكنه لا يستطيع التعبير عنها، وهي حكمة الإشراقيين.

    ولا يرى السهروردي أي تعارض بين الحكمتين، فالإشراقي الحقيقي يتقن الحكمة البحثية، وينفذ في الوقت نفسه إلى أسرار الحكمة الذوقية، لذا يعتبر أن الفكر الإنساني غير قادر وحده على امتلاك المعرفة التامة، ولا بد من أن يستعين بالتجربة الداخلية والذوق الباطني، إضافة إلى أن الاختبار الروحي لا يزدهر ويثمر إلا إذا تأسس على العلم والفلسفة.

    وعن فلسفة السهروردي قال حسين مروَّة: «النظريات الإشراقية عند السهروردي المقتول نموذج حيٌّ للتداخل بين الفلسفة العقلانية (المشائية في شكل خاص) وبين فلسفة التصوف، إضافة إلى مصادر الفكر الإشراقي المتعددة (الزرادشتية، الفيثاغورية، الأفلاطونية، والهرمسية) في إطار الإسلام العام، إن من النصوص الأصلية التي يبدو أن السهروردي كان مستوعباً إياها بوعي جيد موضوعه «العالمية» التي يقوم عليها تاريخ الفكر الفلسفي، بمختلف أشكاله وتجلِّياته، في مختلف بيئاته وأزمنته. وإنه بهذا الاستيعاب وهذا الوعي بنى مذهبه التصوفي الإشراقي. لذلك فإن «الحركة الإشراقية، مذ ظهرت في إطار التصوف الإسلامي وجدت في السهروردي المقتول منظماً لنظريتها المتكاملة».

    ولم يكتف السهروردي في بث فلسفته الإشراقية على النثر، بل قدمها أيضاً في نظم شعري صاف، إذ نظم في العشق الإلهي أبياتاً تقول:

    أبداً تحـنّ إليكـمُ الأرواحُ

    ووصالكمْ رَيحانُها والـراحُ

    وقلوبُ أهل وِدادكمْ تشتاقكمْ

    وإلى لذيـذ لقائكـمْ ترتـاحُ

    وارحمتا للعاشقين! تكلّفـوا

    سترَ المحبّة، والهوى فضّاحُ

    بالسرّ إن باحوا تباحُ دماؤهم

    وكذا دماءُ العاشقين تُبـاحُ

    ونظم قصيدة أخرى على المنوال ذاته، جاء فيها:

    كُلّ يَومٍ يَروعُني مِنكَ عَتب أَيّ ذَنبٍ جَناهُ فيكَ المُحبُّ

    إِن تَكُن أَحدَثت وشاتي حَديث بِسلوّي هَواك حَشاي كذبُ

    وَضُلوعي لَها هَواك ضُلوعا بَل وَقَلبي لَها المَحبّة قَلبُ

    مُتّ مِن جَورِ سادَة قَد أَحَلّوا قَتلَ مَن لا لهُ سِوى العشقِ ذَنبُ

    صارَ لي في هَواهُ رُتبة ما حازَها في هَواهم قَطُّ صَبُّ

    عَبراتٌ تَهمي وَجِسمٌ نَحيلٌ وَفُؤادٌ عَلى التَّقاطعِ يَصبو

    وَضُلوعٌ مِنَ الجَوى واهِيات وَدُموعٌ بِذائِبِ القَلبِ سكبُ

    يا سَميري وَلَم أَقُل يا سَميري قَط إِلّا أَجابَ عِشق وَحُبُّ

    هَل لِداء الهَوى سَمعت دَواء هَل لِمَيت الغَرام في الحُبّ طبُّ

    بَينَ جِسمي وَالسَّقم سلم وَبَينَ الجفنِ وَالنَّوم عِندَما صَدّ حَربُ

    مَن مُجيري مِن ظالِم وَلي القَلب لَهُ اليَوم فيهِ قَتلٌ وَنَهبُ

    جاءَ لِلنّاسِ فتنة بِخدودٍ نارها في قُلوبنا لَيسَ تَخبو

    إِنَّ عَيني لِشمس وَجهِكَ شَرق ما لِدَمعي سِوى الجفن غَربُ

    وفي إحدى قصائده بيتاً يشبه ما سبق أن نظمته رابعة العدوية في العشق الإلهي:

    وَلَولاكُم ما عَرَفنا الهَوى

    وَلَولا الهَوى ما عَرفناكُم

    وهذا العشق أزلي، مستقر في الأعماق، في الحشايا والخلايا والضلوع، إنه عشق مرتبط بالوجود، ومن دونه العدم والصمت واللاشيء:

    أَقسَمتُ بِصَفو حُبِّكُم في القدم ما زَلَّ إلى غَيرِ هَواكُم قَدَمي

    قَد أَمزج حُبّكُم بِلَحمي وَدَمي قَطعي صلتي وَفي وُجودي عَدَمي

    وثمة قصيدة أخرى عن النور الغامر الذي يملأ القلب بحب الخالق الأعظم، صورها في بساطة عبر التجسيد والتمثيل:

    لِأَنوارِ نورِ اللَه في القَلب أَنوارُ وَللسرّ في سرّ المُحبّين أَسرارُ

    وَلمّا حَضَرنا للشّرابِ بِمجلسٍ وَخفّ مِن عالم الغَيب أَسرارُ

    وَدارَت عَلَينا لِلمَعارف قَهوة يَطوفُ بِها مِن جَوهرِ العَقلِ خمارُ

    فَلَمّا شَرِبناها بإِقراه فمها أَضاءَ لَنا مِنها شُموس وَأَقمارُ

    وَكاشَفنا حَتّى رَأَيناهُ جَهرَةً بِأَبصار صِدقٍ لا يُواريهِ أَستارُ

    وَخالَفنا في سكرِنا عِندَ نَحونا قَديمٌ عَليمٌ دائمُ العَفوِ جَبّارُ

    سَجَدنا سُجوداً حينَ قالَ تَمَتّعوا بِرُؤيَتنا إِنّي أَنا لَكُم جارُ

    ونور الأنوار عند السهروردي هو «نور محيط لأنه يحيط بجميع الأنوار لشدة ظهوره وكمال إشراقه ونفوذه فيها بلطفه، وهو قيوم لقيام الجميع به، وهو مقدس لأنه منزه عن جميع صفات النقص، وهو الأعظم الأعلى إذ لا أعظم ولا أعلى منه بين الأنوار جميعاً، وهو قهار لأنه يقهر ما دونه من الأنوار؛ ذلك لشدة إشراقه وقوة لمعانه، وهو غني مطلق إذ ليس وراءه شيء يفتقر إليه ولا دونه شيء يستغني عنه، وهو قبل هذا كله وبعد هذا كله واحد»، هكذا ينتهي السهروردي إلى أن نور الأنوار يحكم طبيعته وحقيقته وأحديته إنما هو واجب الوجود بنفسه، وما عداه واجب به ومفتقر إليه ومستمد وجوده منه».

    وهكذا يكون الوجود بأسره عند السهروردي هو نور تتفاوت درجاته شدة ؛ ذلك لأن تجليات نور الأنوار تظهر في كل مكان فتشهد بالتالي جميع الأشياء بحضوره. وهنا يقول المستشرق الألماني كار بروكلمان في موسوعته عن تاريخ العرب: إن آراء السهروردي تلك ذات طبيعة غنوصية عرفانية قائمة على أساس الأفلاطونية الجديدة والفيثاغورية الجديدة التي تقول إن ثمة نوراً روحياً يتخلَّل الكون كإشراق لدنيّ هو جوهر الأشياء جميعاً.

    انطلق السهروردي من اعتقاد في أن النور مبدأ الوجود الوحيد، وأصل الأشياء وأن الله هو نور الأنوار، وأن الظلمة ليست سوى انحدار الوجود عن المبدأ الخالد وهو النور، وكلما انحدر هذا الوجود اتجه نحو الظلمة، لذا كان الهدف الأسمى، أو قيمة الإنسان العليا أن يترقى صعوداً كي يتلاشى في مصدر الأنوار ويفنى تماماً. وكانت قيمة هذا الاتجاه أنه يفارق الثنائيات التقليدية للفلسفة الشرقية التي تقوم على ثنائيات متقابلة مثل النور/ والظلمة، الخير/ والشر، الجنة/ والنار، العقاب/ والثواب.

    كان السهروردي أحياناً يستبدل بالإشراق والمشاهدة فِعْلَي «العشق» و»القهر»، أي: «العشق، به ينتظم الله الوجود صعوداً، وبالقهر ينتظمه نزولاً، والنفوس منطوية في قهر نورية العقول.

    وكان من عادة السهروردي أن يفصل نظرياته ويشرحها عبر نصوص تبسيطية انطوت عليها رسائله الشهيرة، ومن بينها رسالة جناح جبريل التي يقول فيها:

    «تسللت من دار النساء، وتفلتُّ من بعض أحزمة الأطفال ولفائفهم عند المساء، وكنت أحمل مشعلاً، فتوجهت إلى حراس قصر أمي. وعند بزوغ الفجر نازعتْني الرغبةُ إلى سرداب أبي، وهو ذو بابين، فدخلت في أحدهما، فعاينت عشرة شيوخ صُباح. من أين جاء هؤلاء السادة؟ قال أقربُهم: «إننا قوم متجرِّدون أتينا من حيث لا مكان» فلم أفهم كلامه، قلت: «كيف تشتغلون؟» قال: «بالخياطة. واعلمْ أنه ليس لنا زوج؛ لكن لكلٍّ منا ولدٌ ورحى تدور ولي أولادٌ كثر يعجز أمهر الحاسبين عن إحصائهم. ففي كل لحظة يتكوَّن لي عددٌ وافر منهم، فأرسل كلاً إلى رحاه». فقلت للشيخ: «من أين جاءك هذا الإخصاب؟» قال: «اعلم أني لي جارية حبشية لا أنظر إليها أبداً، تجلس بين الأرحاء وهي تحدِّق في رحاها الخاصة، ورحاها تدور؛ وكلما اتَّجهتْ نحوي حدقةُ عين الصبية السوداء تكوَّن في حشاها ولدٌ منِّي، من دون أن تبدر عني حركة أو يصيبني تغيُّر». استوضحتُه كيفية هذا النظام. قال: «اعلم أن لي كلمات هي جزء من كلمته النورانية، بعضُها يقع فوق بعض، حتى اكتمال العدد».

    قصائد أخرى

    في إحدى قصائده يبث السهروردي لواعج حزنه على حال الناس ومسلكهم، حيث تردوا في النفاق، وخالف باطنهم ظاهرهم، وتحول الدين لديهم إلى طقوس وقشور:

    تَوَلَّت بِهجَةُ الدُّنيا فَكُلُّ جَديدها خَلقُ

    وَخانَ النّاسَ كُلَّهُم فَما أَدري بِمَن أَثقُ

    رَأَيتُ مَعالِمَ الخَيراتِ سدَّت دونَها الطُّرقُ

    فَلا حَسبٌ وَلا نَسَب وَلا دين وَلا خلقُ

    فَلَست مُصَدّق الأَقوامِ في شَيءٍ وَلَو صَدَقوا

    وقد كان السهروردي ضحية عصره، فالقرن السادس الهجري لم يكن زمن تسامح، على النقيض من القرون التي خلت، بل كان عصر صراعات سياسية ومذهبية، سيطر فيه الأشاعرة، وتراخى الفكر المعتزلي، وساد فيه أهل الرواية على أهل الدراية، وأتباع المنقول على أصحاب المعقول، وحمل الفقهاء بشدة على الفلاسفة، وجاءت الأوضاع السياسية لتغذي هذا التعصب، فالعالم الإسلامي كان موزّعاً بين الخلافة العباسية السنية، والخلافة الفاطمية الشيعية، وكان البويهيون الشيعة قد هيمنوا على مقاليد الأمور في إيران وكردستان والعراق (334 – 447 هـ)، وأبقوا على الخلافة العباسية في الظاهر بينما تحكموا في مقاليدها في الباطن. فلما اشتد ساعد السلاجقة الأتراك المعتنقين للمذهب السني، سارع العباسيون إلى الاستعانة بهم في مواجهة البويهيين. وكان من الطبيعي أن يبحث السلاجقة عن أيديولوجية لمواجهة تلك التي كانت تشكل إطاراً لأعدائهم، بذلك برزت أهمية الخط الأشعري.

    الطريق إلى النهاية

    في ظل هذه الأجواء جاء السهروردي إلى حلب ليجد أمامه الزنكيين، أتباع السلاجقة، يتحكمون في الأمر، بينما ضغط آخر سلاطينهم نور الدين زنكي على واليه في مصر صلاح الدين الأيوبي لإلغاء الخلافة الفاطمية، واتخاذ المذهب الشافعي بتوجهه الأشعري مذهباً رسمياً للدولة.

    لهذا نظر الفقهاء والحكام بعين الريبة إلى أفكار السهروردي وأحالوها إلى الدعاوى الباطنية. وما زاد الطين بلة أن السهروردي كان مأخذواً بفورة الشباب، معتداً بذاته، واثقاً من علمه، شجاعاً في طرح أفكاره إلى حد التهور، فتحدى الفقهاء في سائر المذاهب، وعجزهم، واستطال على أهل حلب، وصار يكلّمهم كلام من هو أعلى قدراً منهم، فتعصّبوا عليه، لا سيما أن طموحه كان بلا حدود إذ يقول: «لا بدَّ أن أملك الأرض».

    وأشار الشيخ سديد بن رقيقة إلى هذا الأمر فقال عن السهروردي: «كان يتردد علي، وبيننا صداقة، وكان الشيخ فخر الدين يقول لنا: ما أذكى هذا الشاب وأفصحه، ولم أجد أحداً مثله في زماني، إلا أني أخشى عليه، لكثرة تهوّره واستهتاره وقلة تحفّظه، أن يكون ذلك سبباً لتلفه».

    وقال فخر الدين المارديني نفسه في هذا الشأن: «لما جاء شـهاب الدين السهروردي إلى حلب، وناظر بها الفقهـاء، ولم يجاره أحـد، فكثر تشنيعهم عليه، فاستحضره السلطان الملك الظاهر غازي بن الملك الناصر صلاح الدين بن يوسف بن أيوب واستحضر الأكابر من المدرسين والفقهاء والمتكلمين، ليسمع ما يجري بينهم وبينه من المباحث والكلام، فتكلم معهم بكلام كثير، وبان له فضل عظيم وعلم باهر، وحَسُن موقعه عند الملك الظاهر، وقرّبه، وصار مكيناً عنده، مختصاً به، فازداد تشنيع أولئك عليه، وعملوا محاضر بكفره، وسيّروها إلى دمشق إلى الملك الناصر صلاح الدين، وقالوا: إن بقي هـذا فإنه يفسد اعتقاد الملك، كذلك إن أُطلق فإنه يفسد أي ناحية كان بها من البلاد، وزادوا عليه أشياء كثيرة من ذلك».

    وكان من جملة ما دار في المناظرة بين الفقهاء والسهروردي ما يلي:

    - الفقهاء: أنت قلت في تصانيفك إن الله قادر على أن يخلق نبياً. وهذا مستحيل.

    ـ السهروردي: ما حدا لقدرته؟! أليس القادر إذا أراد شيئاً لا يمتنع عليه؟

    - الفقهاء: بلى.

    ـ السهروردي : فالله قادر على كل شيء.

    - الفقهاء: إلا على خلق نبي فإنه مستحيل.

    - السهروردي: فهل يستحيل مطلقاً أم لا؟!

    - الفقهاء: كفرت!

    وتم هذا الاستدراج للسهروردي فيما كان صلاح الدين الأيوبي في حاجة ماسة إلى توحد عناصر دولته مترامية الأطراف في مواجهة أعدائها من الفرنجة والسلاجقة وغيرهما، بينما كان فيه الفقهاء يزدادون ضيقا من السهروردي، فزادوا في اتهامهم له، ودسوا ضده عند الملك الظاهر، فاستدعاه وعقد له مجلساً من الفقهاء والمتكلمين يباحثونه ويناظرونه، فإذا هو يَظهرُ عليهم ويُظهرُ فضله وعلمه وقوة حججه أمام الملك، فلم يكن من الملك إلا أن زاد إقباله عليه وإكباره له وإعجابه به فاشتد ضيق الفقهاء، فكتبوا إلى صلاح الدين نفسه يحذرونه من خطر السهروردي على عقائد الناس وأيديولوجية الدولة التي تقف على حواف الخطر. ويقال إن صلاح الدين أرسل إلى ولده الظاهر بحلب كتاباً بخط القاضي الفاضل يقول فيه: «إن هذا الشاب السهروردي لا بد من قتله، ولا سبيل أنه يُطلَق، ولا يبقى بوجه من الوجوه». واستفتى الظاهر فيه أمر السهروردي فقهاء حلب فأفتوا بقتله.

    وقد ملك العجب المؤرخين والمفكرين مما أقدم عليه صلاح الدين الأيوبي، الذي كان معروفاً باعتداله وتسامحه إلى حد مصالحته لفرقة الحشاشين التي كان علماء السنة يرون في أفكارها الزندقة بعينها. ويفسر بروكلمان الأمر بقوله: «الواقع أن صلاح الدين لم يستشعر الحاجة إلى إقامة ديوان لامتحان الزنادقة إلا مرة في حلب. وتفصيل الأمر أن مهاجراً فارسياً من آسيا الصغرى يُدعى السهروردي استقر في حلب، وكانت له آراء غنوصية... ما لبثت أن أثارت شكوك علماء السُّنة، فزعموا أنه يمثل عقيدة القرامطة المُعادين للدولة. وهكذا لم يكن في وسع صلاح الدين، رغم اعتداله، إلا أن وافق على حكم الموت الذي أصدره الفقهاء القضاة على الملحد عام 1191 م».

    واختلف المؤرخون والكتاب في ذكر الطريقة التي تم بها تنفيذ الحكم. فثمة من ذكر أنه قد قتل بتجويعه، وثمة من قال بالسيف، وقيل إنه أُحرق، أو خنق بوتر. وأورد ابن أبي أصبيعة رواية متماسكة قال فيها: «لما بلغ الشهاب ذلك، وأيقن أنه يُقتل، وليس جهة إلى الإفراج عنه، اختار أن يُترك في مكان منفرد، ويُمنع من الطعام والشراب، إلى أن يلقى الله تعالى. ففُعل به ذلك، وكان في أواخر سنة 586 هـ في قلعة حلب، وكان عمره نحو 36 عاماً».


    http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=128235[/align]
    [align=center]*********************

    http://www.rifaieonline.com/

    www.geocities.com/alrifaia

    *********************
    [/align]



    [move=right]منكري الكرامات على الأولياء ينظرون للكرامة على أنها من فعل الولي

    ولا ينظرون إليها على أنها فعل الله أجراه على الولي[/move]

    [align=center]
    ***************************[/align]

  12. #29
    [align=center]فرسان العشق الإلهي

    السري السقطي... واسطة العقد بين قطبين صوفيّين


    د. عمار علي حسن



    أحد أكثر أهل زمانه ورعاً وتقوى. كني بـ «طيب الطعام»، وتحدث مريدوه عن كرامات خارقة، بعضها كان من معجزات الأنبياء، وهي مسألة ينكرها السلفيون ويرمونه بالشطح والتضليل، بينما أوضح الدارسون إنه كان ضحية لقانون الأسطورة الذي يهول كل صغيرة، وينفخ في القليل فيصير أكثر مما يتصور أحد.

    إنه أبو الحسن سري بن المغلس السقَطي خالُ الجنيد البغدادي وأستاذه، وهو تلميذ الزاهد العابد معروف الكرخي. عرف عنه إلمامه بالسنة وعلوم التوحيد. ويُقال إن الكرخي رحمه الله دعا له، قائلاً: {أغنى الله قلبك»، فوقع الزهد في قلبه حينئذ .

    ويروي أبو القاسم سليمان بن محمد حكاية في هذا المجال: «حدثني بعض إخواني أن سري السقطي مرت به جارية معها إناء فيه شيء، فسقط من يدها فانكسر، فأخذ سري شيئاً من دكانه فدفعه إليها بدل ذلك الإناء، فنظر إليه معروف الكرخي فأعجبه ما صنع فقال له معروف: بغض الله إليك الدنيا» .
    قال عنه الجنيد: «ما رأيت أعبدَ من السري، أتت عليه ثمانٌ وتسعون سنة ما رؤي مضطجعاً إلا في علة الموت».‏ ووصفه الإمام القشيري في «رسالته» بأنه «أوحد زمانه في الورع وأحوال السنة وعلوم التوحيد».
    وذكر عنه أبو عبد الرحمن السلمي: «هو أول من تكلم ببغداد في لسان التوحيد وحقائق الأحوال وهو إمام البغداديين وشيخهم في وقته». أما علي الحسن البزاز فقال: «سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن السري بعد قدومه من الثغر فقال: أليس الشيخ الذي  يعرف بطيب الغذاء؟ قلت: بلى. قال: هو على سيره عندنا قبل أن يخرج».

    كان السري يُعرف بطيب الغذاء، وتصفية القوة، وشدة الورع، حتى انتشر ذلك عنه. وكان من ورعه ومحاسبته لنفسه يقول: «إنني أنظر إلى أنفي في اليوم كذا وكذا مرة مخافة أن يكون قد أسودَّ وخوفاً من الله أن يسود صورتي لما أفعله».

    وقال الجنيد: «سمعت السري يقول: أعرف طريقاً مختصراً قصداً إلى الجنة، فقلت: ما هو؟ فقال: لا تسأل من أحد شيئاً، ولا تأخذ من أحد شيئاً ولا يكن معك شيء تعطي منه أحداً».‏

    وتابع: «دخلت عليه، وهو في الترع، فجلست عند رأسه، ووضعت خدي على خده، فدمعت عيناي، فوقع دمعي على خده، ففتح عينيه، وقال لي: من أنت. أجبت: خادمك الجنيد، فقال: مرحباً. فقلت: «أوصني بوصية أنتفع بها بعدك!» قال: «إياك مصاحبة الأشرار، وأن تنقطع عن الله بصحبة الأخيار».

    كذلك روى الجنيد: «دخلت على السري السقطي وهو يبكي فقلت له: وما يبكيك؟ فقال: جاءتني البارحة الصبية، فقالت: يا أبتِ هذه ليلة حارة وهذا الكوز أعلقه ههنا، ثم إنه غلبتني عيناي فنمت، فرأيت جارية من أحسن الخلق قد نزلت من السماء فقلت: لمن أنت فقالت: لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان، ثم رفسته برجلها فكسرته. قال الجنيد: فرأيت الخزف لم يرفعه حتى عفا عليه التراب تماماً».
    وذكر علي بن الحسين بن حرب: «بعث بي أبي إلى السري بشيء من طبِّ السعال، فقال لي: كم ثمنه؟ أجبت: لم يخبرني بشيء، فقال: اقرأ عليه السلام وقل له: نحن نعلّم الناس منذ 50 سنة ألا يأكلوا بأديانهم ترانا اليوم نأكل بديننا».

    ودخل عليه الجنيد يوماً فقال له السري: «يا جنيد، عصفور يجيء كل يوم أفت له الخبز في يدي فيأكله، فنزل الساعة، ولم يسقط على يدي، فتذكرت أني أكلت ملحاً بابراز، فآليت ألا آكله بعدها فعاد كما كان».

     وعلّق الدكتور جودة أبو اليزيد المهدي في كتابه «بحار الولاية المحمدية في مناقب أعلام الصوفية» على ذلك الأمر بقوله: «هذا هو دأب العارف السري, وقد كان يوصي به أصحابه ومريديه. وقد سمعه الجنيد يقول: إني أعرف طريقاً يؤدي الى الجنة قصداً فقيل له ما هو يا أبا الحسن؟ فقال: أن تشتغل بالعبادة وتقبل عليها حتى لا يكون لك فيها فضل». وقد فسر هو بنفسه معنى قوله: «حتى لا يكون لك فيها فضل» عملياً، ذلك بعبادته المتصلة ثمانية وتسعين عاماً أمضاها بين صيام وقيام وذكر وفكر حتى أنه كان يقول: {إذا فاتني  جزء من وردي لا يمكن أن أقضيه أبداً. وعلل ذلك الجنيد قائلاً: لأن السري كان متصل التنفل، وكان يقول: من قام بين يدي الله في الظلام نشرت له يوم القيامة الأعلام».

    وتميز منهج السري السلوكي بجوانب متعددة عميقة الغور والأبعاد، كانت في مجموعها تمثل حلقات متصلة تفضي في النهاية إلى بلوغ قمة النضج الروحي، إذ تحلق الروح في سماء المعرفة والولاية. 

    في هذا المجال روى سعيد بن عثمان: «سمعت سري بن المغلس يقول: غزونا أرض الروم، فمررت بروضة خضرة فيها الخيار وحجر منقور فيه ماء المطر، فقلت في نفسي لأن أكلت يوماً حلالاً فاليوم، فنزلت عن دابتي وجعلت آكل من ذلك الخيار وشربت من ذلك الماء فإذا هاتف يهتف بي يا سري النفقة التي بلغت بها إلى ها هنا من أين».

    وقال الجنيد: «سمعت سري بن المغلس يقول: {أشتهي منذ 30 سنة جزرة أغمسها في الدبس وآكلها فما يصح لي». أما حسن المسوحي فذكر أن السري دفع إليه قطعة نقود، فقال: اشتر لي باقلي من رجل قدره داخل الباب، فطفت الكرخ كله فلم أجد إلا من قدره خارج الباب، فرجعت إليه فقلت: خذ قطعتك فإني لا أجد إلا من قدره خارج».

     تحرى السري الحلال دائماً مع شدة الورع حتى تحمل في ورعه الكثير والكثير وكان يقول دائماً: «آه على لقمة ليس لله فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منة». وقد سمعه عبيد القاضي ذات اليوم يقول: «إني لأذكر مجيء الناس إلي فأقول اللهم هب لهم من العلم ما يشغلهم عني فإني لا أريد مجيئهم ولا أن يدخلوا علي». وقال علي بن عبد الحميد الغضائري: «سمعت السري السقطي ودققت عليه الباب فقام إلى الباب فسمعته يقول: اللهم اشغل من يشغلني عنك بك».

    وسأل أبو بكر العطشي ذات يوم السري السقطي: ماذا أراد أهل الجوع بالجوع؟ فقال: ماذا أراد أهل الشبع بالشبع؟ إن الجوع أورثهم الحكم، وإن الشبع أورثهم الغم». وروى عن السري أنه قال: «المتصوف اسم لثلاث معانٍ: هو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه الكتاب أو السنة، ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله».

    ونشد السري مناجياً ربه ذات مساء وقال:

    القلبُ محترقٌ والدمعُ مستبق

    والكربُ مجتمعٌ والشوقُ القلق

    ربِّي إن كانَ شيءٌ فيهِ لي فرج

    فامنُن عليَّ بهِ ما دامَ بي رَمَقُ

    ورفع السري إلى الجنيد يوما رقعة وقال له : انظر ما فيها فإذا فيها شعر يقول:

    إذا ما شكوت الحب قال كذبتني
    فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا
    فلا حب حتى يلصق الجلد بالحشا

    وتذبل حتى لا تجيب المناديا

    وجاء رجل وقال يوما للسقطي : كيف أنت ؟ فأجابه شعرا بقوله:

    من لم يبت والحب حشو فؤاده
    لم يدر كيف تفتت الأكباد

    ‏كراماته
    ذكر مظفر بن سهل المقري: «سمعت علان الخياط وجرى بيني وبينه مناقب سري السقطي فقال علان: كنت جالساً مع سري يوماً فوافته امرأة فقالت: يا أبا الحسن أنا من جيرانك أخذ ابني الطائف وأنا أخشى أن يؤذيه فإن رأيت أن تجيء معي أو تبعث إليه. قال علان: فتوقعت أن يبعث إليه فقام وكبر وطول في صلاته، فقالت المرأة: يا أبا الحسن الله الله فيَّ!! هو ذا أخشى أن يؤذيه السلطان فسلم وقال لها أنا في حاجتك. قال علان: فما برحت حتى جاءت امرأة إلى المرأة فقالت الحقي قد خلوا ابنك}.

    وثمة رواية شائعة في بعض كتب الصوفية تقول {إن السري مكث 20 عاماً، يطوف في الساحل، يطلب صادقاً، فدخل يوماً إلى مغارة، إذا قعود وعميان ومجذمين. فقال: «ما تصنعون ها هنا!» قالوا: «ننتظر خصاً يخرج لنا فنعافى!». فقال: «إن كان صادقاً فاليوم!». فقعد، فخرج كهل عليه درعة من شعر، فسلم وجلس، ثم مر يده على عمي هذا فأبصر، وأمر يده على مانة هذا فصح، وأمر يده على جذام هذا فبرئ. ثم قام مولياً، فضربت بيدي إليه، فقال: سري! خل عني، فإنه غيور. لا يطلع على سرك فيراك وقد سكنت إلى غيره، فتسقط من عينه».

    وينسب إلى السري قولاً خارقاً للعادة، لا أحد يعرف على وجه اليقين مصدره، ولا مخبره، وهو: «رأيتُ كأنِّي وقفتُ بين يدي الله عز وجل، فقال: يا سري خلقتُ الخلقَ فكلُّهم ادَّعوْا محبتي، فخلقتُ الدنيا فذهب منِّي تسعةُ أعشارهم وبقيَ معي العشر، قال: فخلقتُ الجنَّة فهرب منِّي تسعةُ أعشار العشر، فسلَّطتُ عليهم ذرةً مِن البلاء؛ فهرب تسعةُ أعشار عشر العشر! فقلتُ للباقين معي: لا الدنيا أردتم، ولا الجنَّة أخذتم، ولا مِن النَّار هربتم، فماذا تريدون؟ قالوا: إنَّك لَتعلم ما نريد فقلتُ لهم: فإنِّي مسلِّطٌ عليكم مِن البلاء بعدد أنفاسكم، مالا تقوم له الجبال الرواسي، أتصبرون؟ قالوا: إذا كنتَ أنتَ المبتلي لنا فافعل ما شئتَ. فهؤلاء عبادي حقاً».

    قال: «صليت وردي ليلة فمددت رجلي في المحراب فنوديت: يا سري كذا تجالس الملوك قال : فضممت رجلي ثم قلت: وعزتك لا مددت رجلي أبدا». 
    ونكر عليه السلفيون مثل هذه الكرامات، إذ علّق أحد كبارهم وهو سفر الحوالي: «هذه هي الأقوال التي أقول إنَّها أساس الخلاف بيننا وبين الصوفية، وهو: التلقِّي، إنَّهم لا يتلقَّوْن مِن الكتاب والسنَّة، بل يتلقَّوْن مِن المخاطبة المباشرة علم الحقيقة، العلم اللدني، العلم المباشر عن الله كما يدَّعون أنَّ الله يكلِّمهم، ويخاطبهم مثل ما ذكر هؤلاء الأئمة خشيش، أو الرازي، أو السكسكي، أو الأشعري».

    وأضاف الحوالي: «ما هذا الكلام! متى خاطب الله السري؟ هل كلَّم اللهُ أَحَداً بعد موسى عليه السلام؟ هل حصل هذا عن طريق الوحي؟ هل نزل جبريل على أحدٍ بعد محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ هذا الكلام نقله محمد علوي مالكي عن السري، فلنفرض أن السري أخذ هذا الكلام مِن كتاب بانتجل، كتاب الهند، الذي ذكره البيروني، أو كتاب زندأفستا، أو أي كتاب، أو أي مصدر، كيف ينقله محمد علوي مالكي؟} والسؤال هنا للمالكي: «كيف تنقل هذا النصَّ وتقرُّه؟ وأين هم هؤلاء الذين يعبدون الله لا خوفاً مِن النَّار، ولا حبًّا في الجنَّة؟. هل هؤلاء أفضل مِن أنبياء الله الذين قال الله تبارك وتعالى فيهم: «إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ». والأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، تعوَّذوا مِن البلاء، ومتى امتحن الله تعالى الخلقَ بعددِ أنفاسهم مِن البلاء ما لا تصبر له الجبال الرواسي؟ وهؤلاء هم، فحسب، مَن يحبُّون الله؟ وقد بيَّن الله تعالى لنا طريق محبتِه أعظمَ البيان، فقال الله تبارك وتعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ»، ويقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ».

    واللافت أن السري نفسه قال: «من ادعى باطن علم ينقضه ظاهر حكيم فهو غالط»، وهذا يعني أن الرجل أقرّ مبدئياً بأن الباطن يجب أن يوافق الظاهر، وإلا أصبح محض ادعاء وكذب. وعلى رغم ما يدافع به الصوفية عن كرامات الأولياء، ويقولون إن ثمة نصوصاً وردت بشأنها في القرآن الكريم والسنة النبوية، فإن أحداً لا ينكر أن كثيرين تقولوا على رموز التصوف، وشيوخه الكبار، فنسبوا إليهم من الأعمال ما هو خارق، ونسجوا حول بعضهم الأساطير، وتأثروا في تقييمهم لمسلكهم، وروايتهم لمسارهم بكثير من الفلسفات الغنوصية الشرقية، التي خالطت الفكر الإسلامي، وكان التصوف أحد الأبواب الوسيعة لحدوث ذلك.

    إضافة إلى المراقبة والمحاسبة، كان السري متوكلاً على الله، راضياً بقضائه وحكمه. وهو يعرف التوكل بأنه: «الانخلاع من الحول والقوة». أما الرضا فقال بشأنه: «رأس الأعمال الرضا عن الله وعمود الدين الورع، ومخ العبادة الجوع، وضبط اللسان حصن حصين، ومن شكر الله جرى في ميدان الزيادة». 
    ورأى السري أن التجرد لله تعالى أقرب ما يوصل إلى الله سبحانه وتعالى، فقد سئل يوماً: «كيف الطريق إلى الله؟»، فأوضح: «إن أردت العبادة فعليك بالصيام والقيام, وإن أردته فاترك كل ما سواه تصل إليه».

    ويقال إنه كان يردد في آخر أيامه: «أشتهي أن أموت ببلد غير بغداد». فقيل لمَ؟ فقال: «أخاف ألا يقبلني قبري فأفتضح». وقد تُوفي في سنة 251 هـ.

    من أقواله

    - «ثلاث من كن فيه استكمل الأمان: من إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل؛ وإذا قدر لم يتناول ما ليس له».

    - «الشكر ثلاثة أوجه: للسان، وللبدن، وللقلب. فالثالث أن يعلم أن النعم كلها من الله، الثاني ألا يستعمل جوارحه إلا في طاعته بعد أن عافاه الله، والأول دوام الحمد عليه».

    - «من أراد أن يسلم دينه، ويستريح قلبه وبدنه، ويقل غمه، فليعتزل الناس، لأن هذا زمان عزلة ووحدة».

    - «الأدب ترجمان العقل».

    - «من خاف اللهَ خافه كلُّ شيءٍ».

    - «من علامة الاستدراج للعبد عماه عن عيبه واطلاعه على عيوب الناس».

    - «لو أشفقت هذه النفوس على أبدانها شفقتها على أولادها للاقت السرور في معادها».

    - «المغبون من فنيت أيامه بالتسويف».

    - «احذر أن تكون ثناء منشوراً وعيبا مستوراً».

    - «التوكل الانخلاع عن الحول والقوة».

    - «أربع خصال ترفع العبد: العلم والأدب والعفة والأمانة».

    - «تصفية العمل من الآفات أشد من العمل».

    - «من استعمل التسويف طالت حسرته يوم القيامة».

    - «من لم يعرف قدر النعم سُلِبها من حيث لا يعلم، ومن هانت عليه المصائب أحرز ثوابها».

    - «اجعل فقرك إلى الله تستغني به عمن سواه».

    - «أحسن الأشياء خمسة: البكاء على الذنوب، وإصلاح العيوب، وطاعة علام الغيوب، وجلاء الرين عن القلوب، وألا تكون لما تهوى ركوب».[/align]
    [align=center]*********************

    http://www.rifaieonline.com/

    www.geocities.com/alrifaia

    *********************
    [/align]



    [move=right]منكري الكرامات على الأولياء ينظرون للكرامة على أنها من فعل الولي

    ولا ينظرون إليها على أنها فعل الله أجراه على الولي[/move]

    [align=center]
    ***************************[/align]

  13. #30
    [align=center]فرسان العشق الإلهي

    القشيريّ... زين الإسلام الجامع بين أشتات العلوم


    د. عمار علي حسن



    فسّر القرآن فأجلى إشاراته، وكتب رسالة هي أحد أعظم آثار المتصوفة الكبار وأخلدها. اعتبره الكتاب المعاصرون أحد أفضل نماذج التصوف السني، وكان له باع في علوم شتى. حارب البدع، وزاوج بين الشريعة والحقيقة، وشهد له أهل زمانه بالصلاح والتقوى والورع.

    إنه عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد القشيري، الخراساني النيسابوري، الشافعي الصوفي. ولد في بلدة أُستوا، لقبيلة عربية قدمت من خراسان، سنة 376 هـ. توفي والده وهو مازال صغيراً، وترك له أرضاً، دفعته أعباؤها ذات يوم إلى نيسابور لتعلم الحساب بما يعينه على حماية أهل قريته من ظلم عمال الخراج، لكن القدر ساقه إلى مجلس الشيخ أبي علي الدقاق، الذي كان آنذاك أحد أعلام الصوفية، فاستمع إليه، وأنصت جيداً ووعى، فأخذ ما وعاه إلى درب التصوف، لا سيما بعد أن نصحه أستاذه بأن يسلك طريق العارفين.

    تزوج القشيري بابنة الدقاق، وأنجب منها أولاداً نجباء. وكما يقول الذهبي في «سير أعلام النبلاء» فإن أولاده عبد الله وعبد الواحد وأبو نصر عبد الرحيم وعبد المنعم وزاهر الشحامي، حدثوا عنه، وشاركهم في هذا أخوه وجيه ومحمد بن الفضل الفراوي وعبد الوهاب بن شاه وعبد الجبار بن محمد الخواري وعبد الرحمن بن عبد الله البحيري وحفيده أبو الأسعد هبة الرحمن وآخرون.

    ثم درس على يد أبي بكر الطوسي، وتعلم منه المذهب الشافعي، وذهب إلى ابن فورك فأخذ منه علم الأصول حتى اتقنه على مذهب الأشعريين، وتردد أيضًاً على مجلس أبي إسحــق الأسفراييني، فتعلّم منه ضروباً من الفقه. ولم يكتف بهؤلاء، بل راح ينهل من علم كثيرين، من بينهم: بن أحمد الأهوازي، أبو الحسين الخفاف، أبو نعيم أحمد بن محمد المهرجاني، أبو بكر بن عبدوس، ابن باكويه الشيرازي وغيرهم، حتى صار أحد العلماء الكبار، وراح كثر يأتون إليه من شتى البقاع، لينهلوا من معارفه.
    دعا القشيري في مشروعه الإصلاحي إلى الملازمة بين علوم الشريعة والتصوف، بعد أن قبل هو هذا الشرط وعكف على دراسة الفقه لدى أئمته، بناء على نصيحة أستاذه الدقاق، الذي قال له عن التصوف: «هذا العلم لا يحصل بالسماع»، فأعاد عليه ما سمعه منه، فقال له: «لست تحتاج إلى دروسي بل يكفيك أن تطالع مصنفاتي، وتنظر في طريقتي وإن أشكل عليك شيء طالعني به». بذلك صار القشيري بارعاً في الفقه، والأصول وعلم الكلام، بل كان محققاً ومفسراً، متفنناً نحوياً ولغوياً، أديباً وكاتباً وشاعراً، وكان أيضاً فارساً شجاعاً، شهد له من عرفه ببراعته في فن الفروسية واستعمال السلاح.

    عنه قال التاج السبكي: «أبو القاسم القشيري الملقب زين الإسلام، الإمام مطلقاً وصاحب الرسالة التي سارت مغرباً ومشرقاً، والبسالة التي أصبح بها نجم سعادته مشرقاً، والأصالة التي تجاوز بها فوق الفرقد وِرقاً، أحد أئمة المسلمين علماً وعملاً وأركان الملة فعلاً ومقولاً، إمام الأئمة ومجلي ظلمات الضلال المدلهمة، أحد مَنْ يقتدى به في السنة ويتوضح بكلامه طرق النار وطرق الجنة، شيخ المشايخ وأستاذ الجماعة ومقدم الطائفة الجامع بين أشتات العلوم».

    ووصفه السمعاني بأنه «شيخ ظريف، مستور الحال، سليم الجانب، غير مداخل للأمور»، فيما مدحه عبد الغافر بن إسماعيل قائلاً: «الإمام مطلقاً، الفقيه المتكلم الأصولي المفسر الأديب النحوي الكاتب الشاعر لسان عصره وسيد وقته، وسر الله بين خلقه، شيخ المشايخ وأستاذ الجماعة ومقدَّم الطائفة، ومقصود سالكي الطريقة وشعار الحقيقة وعين السعادة، وحقيقة الملاحة، لم ير مثل نفسه ولا رأى أحد مثله في كماله وبراعته، جمع بين علم الشريعة والحقيقة وشرح أحسن الشرح أصول الطريقة».

    أما ابن النجار فقال عن أخباره وأحواله: «لزم البيت، واشتغل بالعبادة، وكتابة المصاحف، وكان لطيف المعاشرة، ظريفاً وكريماً، خرج له أخوه فوائد عشرة أجزاء، مات بين العيدين سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة رحمه الله».

    وأوضح الخطيب البغدادي: «صار رأساً في الأشاعرة.. كتبنا عنه، وكان ثقة، وكان يقص، وكان حسن الموعظة مليح الإشارة، وكان يعرف الأصول على مذهب الأشعري والفروع على مذهب الشافعي». وأكد ابن ماكولا هذا الأمر، وقال في كتابه «الإكمال» إن القشيري كان واعظاً، وأحد المتكلمين على الأشعرية، وله فيها تصانيف كثيرة.

    وذكره أبو الحسن علي الباخرزي في «دمية القصر» وبالغ في الثناء عليه قائلاً: «الإمام زين الإسلام أبو القاسم جامع أنواع المحاسن، ينقاد إلى صعابها، ذلل المراسن، فلو قُرع الصخر بسوط تحذيره لذاب... وله فصل الخطاب في فضل النطق المستطاب، ما هو في التكلم على مذهب الأشعري، كلمته للمستفيدين فوائد، وعتبات منبره للعارفين وسائد، وله شعر يتوج به رؤوس معاليه إذا خُتِمَتْ به أذناب أماليه».

    وقال ابن الجوزي في «المنتظم» عن المصادر التي أخذ عنها القشيري العلم: «لقد اختلف إلى بكر بن فورك فأخذ عنه الكلام، وصار رأساً في الأشاعرة، وصنّف التفسير الكبير وخرج إلى الحج في رفقة فيها أبي المعالي الجويني، وأبي بكر البيهقي، فسمع معهما الحديث في بغداد والحجاز، ثم أملى الحديث، وكان يعظ».

    عني القشيري بتفسير القرآن، وقدم في هذا مصنفاً أسماه «التيسير في علم التفسير» بدا مختلفاً عن تفاسير كثيرة سبقته، أو عاصرته، أو حتى لحقت به وجاءت بعده. مثلاً فسّر «بسم الله الرحمن الرحيم» على النحو التالي: «الباء في بسم الله حرف التضمين؛ أي بالله ظهرت الحادثات، وبه وجدت المخلوقات، فما من حادث مخلوق، وحاصل منسوق، من عين وأثر وغبر، وغيرٍ من حجر ومدر، ونجم وشجر، ورسم وطلل، وحكم وعلل - إلا بالحق وجوده، والحق مَلِكُه، ومن الحق بدؤه، وإلى الحق عوده، فبه وَجَدَ من وَحَّد، وبه جحد من الحد، وبه عرف من اعترف، وبه تخلَّف من اقترف. وقال: «بسم الله» ولم يقل بالله على وجه التبرك بذكر اسمه عند قوم، وللفَرْقِ بين هذا وبين القَسَم عند الآخرين، ولأن الاسم هو المسمى عند العلماء، ولاستصفاء القلوب من العلائق ولاستخلاص الأسرار عن العوائق عند أهل العرفان، ليكون ورود قوله «الله» على قلبٍ مُنقَّىً وسرٍ مُصَفي. وقوم عند ذكر هذه الآية يتذكرون من الباء بره بأوليائه ومن السين سره مع أصفيائه ومن الميم منته على أهل ولايته، فيعلمون أنهم ببره عرفوا سرّه، وبمنته عليهم حفظوا أمره، وبه سبحانه وتعالى عرفوا قدره. وقوم عند سماع بسم الله تذكروا بالباء براءة الله سبحانه وتعالى من كل سوء، وبالسين سلامته سبحانه عن كل عيب، وبالميم مجده سبحانه بعز وصفه، وآخرون يذكرون عند الباء بهاءه، وعند السين سناءه، وعند الميم ملكه، فلما أعاد الله سبحانه وتعالى هذه الآية أعني بسم الله الرحمن الرحيم في كل سورة وثبت أنها منها أردنا أن نذكر في كل سورة من إشارات هذه الآية كلمات غير مكررة، وإشارات غير معادة، فلذلك نستقصي القول ها هنا وبه الثقة».

    إضافة إلى تفسيره القرآن عرف القشيري بتصانيف وكتب عدة، من بينها: «التحبير في التذكير، آداب الصوفة، لطائف الإشارات}، «المناجاة»، «القلوب الصغير والكبير»، شكاية أحكام السماع، وكتاب الأربعين في الحديث، ناسخ الحديث ومنسوخه، القصيدة الصوفية، ديوان شعر، الحقائق والرقائق، رسائل ترتيب السلوك، لغة المقاصد، منثور الخطاب في مشهور الأبواب، المنشور في الكلام على أبواب التصوف، عيون الأجوبة في أصول الأسئلة، وشرح أسماء الله الحسنى. وثمة كتب مفقودة من بينها «داب الصوفية» و{كتاب الجواهر» و{كتاب المناجاة».

    أهم مؤلفاته «الرسالة القشيرية»، كتاب في التصوف يسهم في التعرّف إلى مذهب الصوفية المعتدلة وشرح ألفاظها ومصطلحاتها بأسلوب مشوّق ولغة سلسة قربت مفاهيم الصوفية إلى العقول والقلوب معاً. وامتازت هذه الرسالة عن كثير من كتب التصوف، في كونها تقدم تلخيصاً لتطور الصوفية منذ فجرها الأول وحتى زمن القشيري. وتم هذا عبر نقل أقوال رموز التصوف وسلوكياتهم، وكيف يمكن أن تشكل نموذجاً يحتذى به، عبر منهج التغيير النفسي.

    عرض القشيري قائمة بثلاثة وثمانين نموذجاً في السلوك البشري تكاد تفوق طرق الإدراك الحسي الطبيعي. وفرد فصولاً أخرى تتضمن مسائل تتصل بمسألة التصوف كإثبات كرامات الأولياء، ومعنى الولي، وما إذا كان معصوماً من عدمه، وما ينبغي للمريد في التعامل مع مشايخه ومع المسلمين والفقراء وغير ذلك من آداب وخصال يطلب من المريد التحلي بها بغية الوصول إلى أعلى درجات سلم السالكين.

    لذا اعتبرت الرسالة القشيرية أفضل وثيقة علمية، وتاريخية في موضوعها لا يدانيها في مستواها كتاب آخر. لكن ثمة من يأخذ عليها اقتصارها على نماذج التصوف السني.

    يبدأ القشيري رسالته بالقول: {ثم اعلموا رحمكم الله أن المحققين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم ولم يبق في زماننا هذا من هذه الطائفة إلا أثرهم... وقَلَّ الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء، وزال الورع وطوي بساطه، واشتد الطمع وقوي رباطه، وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة فعدُّوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام ودنوا بترك الاحترام وطرح الاحتشام، واستخفوا بأداء العبادات واستهانوا بالصوم والصلاة وركضوا في ميدان الغفلات... ولما أبى الوقت إلا استصعابًا وأكثر أهل العصر بهذه الديار لما زادوا إلا تماديًا فيما اعتادوه واغترارًا بما ارتادوه، أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بنى قواعده وعلى هذا النحو سار سلفه، فعلقتُ هذه الرسالة إليكم أكرمكم الله وذكرت فيها بعض سير شيوخ هذه الطريقة في آدابهم وأخلاقهم ومعاملاتهم وعقائدهم».

    لم يكن القشيري أحد القائلين بالحلول أو الاتحاد، إذ أوضح في رسالته أن «العالم محدث مخلوق وله صانع وهو الله سبحانه وتعالى». وكان يحيل الكلام عن أسماء الله تعالى وصفاته إلى القرآن الكريم، والسنة النبوية، فقال عنها: «ومنها ما ورد الخبر به إما في القرآن وإما ببيان المصطفى صلى الله عليه وسلم... كالوصف بأن له يدين والوصف بأن له وجهاً وكما ورد النص بأنه «على العرش استوى» وقوله سبحانه وتعالى «ولتصنع على عيني» وقوله تعالى «وجاء ربك} وقوله عز وجل «هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} وقوله عز وجل «ويحذركم الله نفسه»، وكما ورد في الخبر بالقول: «ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا} وفي الخبر: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن»، وأمثال هذا من الأخبار الواردة بألفاظ متشابهة لا نزيد عما ورد ولا ننقص مما ورد في الكتاب والخبر. فما كان ظاهراً معناه تحققناه وما كان مشكلاً معناه وكلنا علمه إلى الله تعالى. ولا نتعرض لتأويله وأمنا به على الجملة. وجهلنا بتفصيله لا يقدح في صحة إيماننا به وتحققه في الجملة».

    تابع القشيري: «إنه سبحانه أحديّ الذات ليس يشبه شيئـًا من المصنوعات ولا يشبهه شيء من المخلوقات، ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا صفاته أعراض، ولا يتصور في الأوهام ولا يتقدر في العقول، ولا له جهة ولا مكان ولا يجرى عليه وقت وزمان، ولا تجوز في وصفه زيادة ولا نقصان، ولا تخصه هيئة وقد، ولا تقطعه نهاية حد، ولا يحله حادث، ولا يحمله على الفعل باعث، ولا يجوز عليه لون ولا كون، ولا ينصره مدد ولا عون، ولا يخرج عن قدرته مقدور ولا ينفك عن حكمه مفطور، ولا يعزب عن علمه معلوم، ولا هو على فعله كيف يصنع وما يصنع ملوم، لا يقال له أين ولا حيث ولا كيف، ولا يستفتح له وجود فيقال متى كان، ولا ينتهي له بقاء فيقال استوفي الأجل والزمان، ولا يقال لم فعل ما فعل إذ لا علة لأفعاله، ولا يقال ما هو إذ لا جنس له فيميزه بأمارة عن الأشكال، يُرى لا عن مقابلة، ويَرى غيره لا عن مماقلة، ويضع لا عن مباشرة ومزاولة، له الأسماء الحسنى والصفات العلا، يفعل ما يريد ويذل لحكمه العبيد، لا يجري في سلطانه إلا ما يشاء، ولا يحصل في ملكه إلا ما سبق به القضاء، ما علم أنه يكون من الحادثات أراد، وما علم أنه لا يكون مما جاز أراد ألا يكون خالق أكساب العباد خيرها وشرها، ومبدع ما في العالم من الأعيان والآثار قلها وكثرها، مرسل الرسل إلى الأمم من غير وجوب عليه، ومتعبد الأنام على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما لا سبيل لأحد اللوم والاعتراض عليه، ومؤيد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات الظاهرة والآيات الزاهرة بما أزاح به العذر وأوضح به اليقين».

    اعتقد القشيري بوجود كرامات لأولياء الله تعالى، لكنه، على غرار أهل السنة والجماعة، لم يغالِ فيها، ولم يذهب بها إلى حد الأساطير والخوارق. قال عنها: «قد تكون إجابة دعوة، وقد تكون إظهار طعام في أوان فاقة من غير سبب ظهار، أو حصول ماء في زمان عطش، أو تسهيل قطع مسافة في مدة قريبة، أو تخليصاً من عدو، أو سماع خطاب من هاتف، أو غير ذلك من فنون الأفعال الناقضة للعادة. وأعلم أن كثيراً من المقدورات يعلم اليوم قطعاً أنه لا يجوز أن يظهر كرامة للأولياء؛ وبضرورة أو شبه ضرورة يعلم ذلك، فمنها حصول إنسان لا من أبوين، وقلبَ جمادٍ بهيمة أو حيوان، وأمثال هذا كثير».

    وأحد الأمور التي تذكر دائماً للقشيري فتواه الشهيرة بشأن الإمام الأشعري. فقد حدثت في زمنه فتنة عظيمة حيكت ضد الأشاعرة فكثر سَبُّهم وسب الإمام أبي الحسن الأشعري، فاستُفْتيَ الإمام عن عقيدة الأشعري فكتب القشيري إليه: «اتفق أصحاب الحديث أن أبا الحسن علي بن إسماٰعيل الأشعري كان أحد أئمة أصحاب الحديث ومذهبه مذهب أصحاب الحديث، تكلم في أصول الديانات على طريقة أهل السنة ورد على المخالفين من أهل الزيغ والبدع، وكان على المعتزلة والمبتدعين من أهل القبلة والخارجين من الملة سيفًا مسلولاً. ومَنْ طعن فيه أو قدح أو لعنه أو سبَّه فقد بسط لسان السوء في جميع أهل السنة».

    توفي الإمام القشيري سنة 465 للهجرة، وفقدت برحيله الأمة الإسلامية أحد أعلامها الكبار، في الفقه والتصوف.


    http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=128567[/align]
    [align=center]*********************

    http://www.rifaieonline.com/

    www.geocities.com/alrifaia

    *********************
    [/align]



    [move=right]منكري الكرامات على الأولياء ينظرون للكرامة على أنها من فعل الولي

    ولا ينظرون إليها على أنها فعل الله أجراه على الولي[/move]

    [align=center]
    ***************************[/align]

  14. #31
    [align=center]


    فرسان العشق الإلهي

    ابن عطاء الله السكندري...

    صاحب الحكم والمصنفات والفيوضات الروحية


    د. عمار علي حسن



    واسطة عقد بين قطبين كبيرين، وأحد كبار مؤسسي التجربة الصوفية المصرية، ناظَر ابن تيمية، فكان بليغ البيان، قوي الحجة. برع في صياغة الحكمة وصناعتها، وكانت مناجاته لله سبحانه وتعالى فيوضات روحية، تلهج بها قلوب الذاكرين، إلى أيامنا تلك، وهي تحمل من القيم والمعاني والتجلّيات ما يضمن لها أن تبقى على ألسنة المريدين قروناً طويلة.

    هو أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عيسى بن عطاء الله السكندري، ينتسب إلى قبيلة جدام التي قدمت إلى مصر عقب الفتح الإسلامي وقطنت الإسكندرية.

    ولد سنة 1260 هـ، وتلقى منذ نعومة أظافره العلوم الشرعية واللغوية، وكان مشروع فقيه كبير ينكر على المتصوفة الكثير من أفكارهم وممارساتهم، لكن حياته تغيرت وسارت في الطريق المغاير بعدما التقى شيخه وأستاذه أبو العباس المرسي، الذي ترك في قلبه وعقله علامة لا تمحى، عندما صار من طليعة مريديه.

    كان جد ابن عطاء لوالده فقيها كبيراً، أخذ عنه حفيده الكثير، ثم راح يتدرّج في العلم، لاسيما بعد انتقاله من العداء للصوفية إلى الانغماس فيها، وكان نابهاً تقياً، فتنبأ له المرسي بأن يكون له باع طويل في مسيرة التصوف، فقال له يوما: «الزم، فوالله لئن لزمت لتكونن مُفتياً في الْمذهبين»، قاصداً بذلك مذهب «أتباع الشريعة» و{أصحاب العلم اللدني» من الصوفية. وقد تحقق ذلك فعلاً إذ صار ابن عطاء أحد أركَان الطريقة الشاذلية الصوفية التي أسسها الشيخ أبو الحسن الشاذلي عام 1248 وخَلِيفتُه أبو العبَاس المرسي عام 1287. وقد أصبح السكندري أستاذاً يؤخذ عنه ويتتلمذ المريدون عليه، ومنهم أعلام مثل ابن المبلق السكندري و تَقي الدين السبكي شيخ الشَافعية.

    كتب ومصنفات

    ترك السكندري الكثير من الكتب والمصنفات، بعضه طمره النسيان وضاع، وبعضه بقي شاهداً على فلسفة صاحبه وتقواه. من بين هذه الكتب «لطائف المنن» الذي أفرده في سرد مناقب الشيخين أبي العباس المرسي وأبي الحسن الشاذلي وشرحها، «القصد المجرّد في معرفة الاسم المفرد»، «عنوان التوفيق»، «تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس»، «مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح»، لكن أهمها وأخلدها «الحكم العطائية»، التي انتشرت وذاعت وترجمت إلى اللغات الأجنبية وكتبت الشروح لها. وقد انكب عليها العلماء قديماً وحديثاً وجعلوها منطلقاً لدروسهم التي تشدّ إليها الناس بنورانيتها وإشراقاتها، وما زال بعضها يدرّس في كليات جامعة الأزهر إلى اليوم، لكن، للأسف القليل منها مطبوع فيما تاه أغلبها على رفوف المكتبات العامة والخاصة، ينتظر من يحققه ويقدمه إلى الناس المتعطشين إلى ما يغذي الروح، ويجعل النفس تهيم عشقاً بالله تعالى.

    ومن بين هذه الحكم المتداولة:

    - أرح نفسك من التدبير فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك.

    - تشَوُّفُك إلى ما بَطُنَ فيك من العيوب خيرٌ مِن تشوُّفِك إلى ما حُجِبَ عنك من العيوب.

    - من علامات الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل.

    - الحقُّ ليسَ بمحجوب، وإنما المحجوب أنتَ عن النظرِ إليه، إذ لو حَجبهُ شيءٌ لستره ما يحجبه، ولو كان له ساترٌ لكان لوجوده حاصر، وكلُّ حاصرٍ لشيءٍ فهو له قاهرٌ.

    - إذا لم تُحْسِن ظنَّكَ به، لأجل حُسنِ وصْفِه، فَحَسِّن ظنَّك بهِ لأجل معاملته معك، فهل عَوَّدَكَ إلاَّ حسنًا؟ وهل أسدى إليك إلاَّ مِنَنًا؟

    ـ لا تطلب منه أن يخرجك من حال ليستعملك في ما سواه فلو أرادك لاستعملك من غير إخراج.

    - خَفْ من وجودِ إحسانهِ إليك، ودوامِ إساءتِك معهُ أنْ يكون ذلك استدراجًا لك.

    - من علامات موت القلب عدمُ الحزنِ على ما فاتك من الموافقات، وترك الندم على ما فعلتَهُ من وجود الزلاَّت.

    - لا يعظُمُ الذنبُ عندك عظمةً تصدُّك عن حسنِ الظنِّ بالله تعالى، فإنَّ مَن عرفَ ربَّهُ استصغرَ في جنبِ كرمِهِ ذنبَه.

    - أصل كل معصية وشهوة الرضا عن النفس وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها، ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه فأي علم لعالم يرضى عن نفسه؟

    - اجتهادُك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرُك فيما طُلِبَ منك، دليلٌ على انطِماسِ البصيرةِ منك.
    - ما نفَعَ القلبَ شيءٌ مثل عُزلةٍ, يدخلُ بها ميدان فكرة.

    - ما قلّ عمل برز من قلب زاهد ولا كثر عمل برز من قلب راغب.

    - ما بَسَقتْ أغصانُ ذلٍّ إلاَّ على بذرِ طمَع.

    - مَن لم يشكر النِعمَ فقد تعرَّضَ لزوالها، ومن شكرها فقد قيَّدها بعِقالها.

    - مَن رأيتَهُ مُجيبًا عن كلِّ ما سُئلَ، ومُعبِّرًا عن كلِّ ما شهِد، وذاكِرًا كلَّ ما علِم، فاستدل بذلك على وجودِ جهلِه.

    - لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلّك على الله مقاله.

    - لا صغيرة إذا قابلك عدله ولا كبيرة إذا واجهك فضله.

    - لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده ويحتقر عندك وجوده.

    - متى أطلق لسانك بالطلب فاعلم أنه يريد أن يعطيك.

    - ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول وربما قضى عليك بالذنب فكان سبباً في الوصول.

    - العطاء من الخلق حرمان والمنع من الله إحسان.

    - متى أوحشك من خلقه فاعلم أنه يريد أن يفتح لك باب الأنس به.

    - الأنوار مطايا القلوب والأسرار.

    - أنت حرّ مما أنت عنه آيس وعبد لما أنت له طامع.

    - ربّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكبارا.

    كان السكندري يناجي ربه بدعوات ومناشدات صافية راقية، تعدّ قطعاً من الأدب الصوفي الرفيع، ومنها تلك المناجاة التي تقول:

    إلـهي: كلما أخرسني لؤمي أنطقني كرمك؟ كلما أيستني أوصافي أطمعتني مننك..

    إلـهي: هذا ذلي ظاهر بين يديك، وهذا حالي لا يخفى عليك، منك أطلب الوصول إليك، وبك أستدلّ عليك, إهدني بنورك إليك، وأقمني بصدق العبودية بين يديك..

    إلـهي: علّمني من علمك المخزون, وصنّي بسر اسمك المصون, بك أنتصر فانصرني، وعليك أتوكل فلا تكلني، وإياك أسأل فلا تخيّبني، وفي فضلك أرغب فلا تحرمني، ولجنابك أنتسب فلا تبعدني، وببابي أقف فلا تطردني..

    إلـهي: أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووجدوك، وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبابك حتى لم يحبوا سواك، ولم يلجئوا إلى غيرك .

    إلـهي: كيف يرجى سواك، وأنت ما قطعت الإحسان؟ وكيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان؟ يا من أذاق أحباءه حلاوة مؤانسته فقاموا بين يديه متملقين، ويا من ألبس أولياءه ملابس هيبته فقاموا بعزته مستعزين أنت الذاكر من قبل الذاكرين، وأنت البادئ بالإحسان من قبل توجه العابدين، وأنت الجواد بالعطاء من قبل طلب الطالبين، وأنت الوهاب ثم أنت لما وهبتنا من المستعرضين..

    المناظرة مع ابن تيمية

    من الأمور التي يدوم ذكرها للسكندري، هي تلك المناظرة التي انعقدت بينه وبين الفقيه الكبير والشهير ابن تيمية، والتي نقلها ابن كثير وابن الأثير. يقال إن ابن تيمية كان منفياً بالاسكندرية، ثم عفا عنه السلطان فجاء إلى القاهرة وذهب ليصلي المغرب بالأزهر خلف السكندري، الذي فوجئ به، فهنأه بسلامة الوصول وقال له:

    - أعاتب أنت عليّ يا فقيه؟

    فقال ابن تيمية:

    - أعرف أنك ما تعمدت إيذائي ولكنه الخلاف في الرأي على أن كل من آذاني فهو منذ اليوم في حلّ مني.

    فسأله ابن عطاء الله:

    ماذا تعرف عني؟

    - أعرف عنك الورع، وغزارة العلم، وحدّة الذهن، وصدق القول، وأشهد أني ما رأيت مثلك في مصر ولا في الشام حباً لله، أو فناء فيه، أو انصياعاً لأوامره ونواهيه، ولكنه الخلاف في الرأي، فماذا تعرف عني أنت هل تدعي عليّ بالضلال إذ أنكرت الاستغاثة بغير الله؟

    فقال ابن عطاء الله له:

    - أما آن لك يا فقيه أن تعرف أن الاستغاثة هي الوسيلة والشفاعة وأن الرسول يُستغاث به ويُتوسل به ويُستشفع به؟ فقال ابن تيمية: أنا في هذا أتبع السنّة الشريفة، فقد جاء في الحديث الصحيح « أعطيت الشفاعة « وقد أجمعت الآثار في تفسير الآية الكريمة: «عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً»، على أن المقام المحمود هو الشفاعة والرسول صلى الله عليه وسلم لما ماتت أم سيدنا علي رضي الله عنهما دعا لها الله على قبرها: «الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ووسّع مدخلها بحق نبيّك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين»، فهذه هي الشفاعة، أما الاستغاثة ففيها شبهة الشرك بالله تعالى، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلّم ابن عمه عبد الله بن العباس ألا يستعين بغير الله.

    فقال له ابن عطاء الله:

    - أصلحك الله يا فقيه، أما نصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس فقد أراد منه أن يتقرب إلى الله بعلمه لا بقرابته من الرسول، وأما فهمك أن الاستغاثة استغاثة بغير الله فهي شرك، فمن من المسلمين الذين يؤمنون بالله ورسوله يحسب أن غيره تعالى يقضي ويقدّر ويثيب ويعاقب، فما هي إلا ألفاظ لا تؤخذ على ظاهرها، ولا خوف من الشرك لنسد إليه الذريعة، فكل من استغاث الرسول فهو إنما يستشفع به عند الله مثلما تقول أنت: أشبعني هذا الطعام، فهل الطعام هو الذي أشبعك؟ أم الله عز وجل هو الذي أشبعك بالطعام؟ وأما قولك إن الله عزّ وجلّ نهانا أن ندعو غيره، فهل رأيت من المسلمين أحداً يدعو غير الله؟ إنما نزلت هذه الآية في المشركين الذين كانوا يدعون آلهتهم من دون الله، إنما يستغيث المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى التوسل بحقه عند الله، والتشفع بما رزقه الله من شفاعة. أما تحريمك الاستغاثة لأنها ذريعة إلى الشرك فإنك كمن أفتى بتحريم العنب لأنه ذريعة إلى الخمر، أو نخصي الذكور غير المتزوجين سداً للذريعة إلى الزنا.

    وضحك الشيخان، ثم قال ابن عطاء الله:

    - أنا أعلم ما في مذهب شيخكم الإمام أحمد من سعة، وما لنظرك الفقهي من إحاطة وسدّ الذرائع. ويتعين على من هو في مثل حذقك وحدّة ذهنك وعلمك باللغة أن يبحث عن المعاني المكنونة الخفية وراء ظاهر الكلمات، فالمعنى الصوفي روح، والكلمة جسد، فاستقصِ ما وراء الجسد، لتدرك حقيقة الروح .

    وتذّكر ابن عطاء آراء ابن تيمية في محيى الدين بن عربي والشاذلي، فقال له:

    ـ إنك اعتمدت في حكمك على ابن عربي نصوصاً قد دسّها عليه خصومه، أما سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام، فإنه لما فهم كتابات الشيخ وحلّ رموزها وأسرارها وأدرك إيحاءاتها، استغفر الله عما سلف منه وأقرّ بأن ابن عربي إمام من أئمة الإسلام. وأما كلام الشاذلي ضد ابن عربي فليس أبو الحسن هو الذي قاله بل أحد تلامذته من الشاذلية، وهو لم يقله في الشيخ ابن عربي بل قاله في بعض المريدين الذين فهموا كلامه على غير وجه.

    ثم سأله ابن عطاء الله:

    - ما رأيك في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟

    فأجاب ابن تيمية:

    ـ يقول النبي صلى الله عليه وسلم «أنا مدينة العلم وعلي بابها} وهو المجاهد الذي لم يبارز أحداً إلا وغلبه، فمن للعلماء والفقهاء من بعده أن يجاهدوا في سبيل الله باللسان والقلم والسيف جميعاً. وكان رضي الله عنه أقضى الصحابة وكلماته سراج منير.

    فقال ابن عطاء الله: فهل يُسأل علي عن بعض من شايعوه فقالوا إن جبريل أخطأ فجاء بالرسالة محمداً صلى الله عليه وسلم بدلاً من علي؟ أو عن الذين زعموا أن الله حلّ في جسده فصار الإمام إلهاً؟ ألم يقاتلهم ويقتلهم أما أفتى بقتلهم أينما ثقفوا؟

    فقال ابن تيمية:

    - خرجت لقتالهم في الجبل بالشام منذ أكثر من عشرة أعوام.

    واستمر ابن عطاء الله يسأل ابن تيمية عما فعله بعض أتباعه من كبس الدور، وإراقة الخمور، وضرب المغنيات والراقصات، واعتراض الناس في الطرقات باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم قال له:

    - الشيخ محيى الدين بن عربي بريء مما يصنعه أتباعه من إسقاط التكاليف الدينية واقتراف المحرمات أترى هذا؟

    فقال ابن تيمية:

    - ولكن أين تذهبون من الله وفيكم من يزعم أنه صلى الله عليه وسلّم بشّر الفقراء بأنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء، فسقط الفقراء منجذبين ومزّقوا ملابسهم وعندئذ نزل سيدنا جبريل وقال للنبي إن الله تعالى يطلب حظه من هذه المزق، فحمل جبريل واحدة منها وعلّقها على عرشه تعالى ولهذا يلبس الصوفية المرقعات ويسمون أنفسهم الفقراء.

    فقال ابن عطاء الله:

    - ما كل الصوفية يلبسون الخرق وهذا أنا أمامك فما تنكر من هيئتي؟

    فقال ابن تيمية:

    - أنت من رجال الشريعة وصاحب حلقة في الأزهر.

    فرد ابن عطاء:

    - والغزالي كان إماماً في الشريعة والتصوف على السواء، وقد عالج الأحكام والسنن والشريعة بروح المتصوف، وبهذا المنهج استطاع إحياء علوم الدين. نحن نعلّم الصوفية أن القذارة ليست من الدين، وأن النظافة من الإيمان، وأن الصوفي الصادق يجب أن يعمّر قلبه بالإيمان الذي عرفه أهل السنة، ولقد ظهر بين الصوفية منذ قرنين من الزمان أشياء كالتي تنكرها الآن واستخفوا بأداء العبادات واستهانوا بالصوم والصلاة وركضوا في ميدان الغفلات … وادعوا أنهم تحرروا من رق الأغلال، ثم لم يركضوا بما تعاطوه من سوء الأفعال حتى أشاروا إلى أغلى الحقائق والأحوال، كما وصفهم القشيري الإمام الصوفي العظيم، فوجّه إليهم الرسالة القشيرية ترسم طريق الصوفي إلى الله وهي تمسكه بالكتاب والسنة.

    إن أئمة الصوفية يريدون الوصول إلى الحقيقة ليس فقط بالأدلة العقلية التي تقبل العكس بل بصفاء القلب ورياضة النفس وطرح الهموم الدنيوية، فلا ينشغل العبد بغير حب الله ورسوله، وهذا الانشغال السامي يجعله عبداً صالحاً جديراً بعمارة الأرض، وإصلاح ما أفسده حبّ المال والحرص على الجاه والجهاد في سبيل الله..

    إن الأخذ بظاهر المعنى يوقع في الغلط أحياناً يا فقيه ومن هذا رأيك في ابن عربي رحمه الله وهو إمام ورع من أئمة الدين، فقد فهمت ما كتبه على ظاهره، والصوفية أصحاب إشارات وشطحات روحية، ولكلماتهم أسرار.

    فقال ابن تيمية:

    ـ هذا الكلام عليك لا لك، فالقشيري لما رأى أتباعه يضلون الطريق قام عليهم ليصلحهم، فماذا فعل شيوخ الصوفية في زماننا؟ إنما أريد من الصوفية أن يسيروا على سنّة هذا السلف العظيم من زهاد الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، إني أقدر منهم من يفعل ذلك وأراه من أئمة الدين. أما الابتداع، وإدخال أفكار الوثنيين من فلاسفة اليونان وبوذية الهند كادعاء الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ونحو ذلك مما يدعو إليه صاحبك فهذا هو الكفر المبين .

    فقال ابن عطاء:

    ـ ابن عربي كان من أكبر فقهاء الظاهر بعد ابن حزم الفقيه الأندلسي المقرب إليكم يا معشر الحنابلة. كان ابن عربي ظاهرياً ولكنه يسلك إلى الحقيقة طريق الباطن، أي تطهير الباطن وليس كل أهل الباطن سواء، ولكيلا تضلّ أو تنسى أعد قراءة ابن عربي بفهم جديد لرموزه وإيحاءاته تجده مثل القشيري قد اتخذ طريقة إلى التصوف في ظل ظليل من الكتاب والسنة. إنه مثل حجة الإسلام الشيخ الغزالي، يحمل على الخلافات المذهبية في العقائد والعبادات ويعتبرها انشغالات بما لا جدوى منه، ويدعو إلى أن محبة الله هي طريقة العابد في الإيمان، فماذا تنكر من هذا يا فقيه؟ أم أنك تحبّ الجدل الذي يمزّق أهل الفقه؟ لقد كان الإمام مالك يحذر من الجدل في العقائد ويقول: «كلما جاء رجل أجدل من رجل نقص الدين». قال الغزالي: «اعلم أن الساعي إلى الله تعالى لينال قربه هو القلب دون البدن، ولست أعني بالقلب اللحم المحسوس بل هو سر من أسرار الله عزّ وجلّ لا يدركه الحس».

    أهل السنّة هم الذين لقبوا الغزالي – شيخ المتصوفة – بحجة الإسلام ولا معقّب على آرائه، فقد غالى بعضهم في تقدير كتابه إحياء علوم الدين فقال: «كاد الإحياء أن يكون قرآناً».

    أداء التكاليف الشرعية في رأي ابن عربي وابن الفارض عبادة محرابها الباطن لا شعائر ظاهرية فما جدوى قيامك وقعودك في الصلاة إذا كنت مشغول القلب بغير الله. مدح الله عز وجل أقواماً بقوله تعالى: «الذين هم في صلاتهم خاشعون» وذم أقواماً بقوله تعالى: «الذين هم عن صلاتهم ساهون» وهذا الذي يعنيه ابن عربي بقوله: «إن التعبد محرابه القلب أي الباطن لا الظاهر»، المسلم لا يستطيع الوصول إلى إدراك علم اليقين وعين اليقين إلا إذا أفرغ قلبه مما يشوش عليه من أطماع الحياة الدنيا وركز في التأمل الباطني، فغمرته فيوض الحقيقة، ومن هنا تنبع قوته، فالصوفي الحق ليس هو الذي يستجدي قوته ويتكفف الناس وإنما هو الصادق الذي يهب روحه وقلبه ويفنى في الله بطاعة الله، ومن هنا تنبع قوته فلا يخالف غير الله، ولعل ابن عربي قد ثار عليه بعض الفقهاء لأنه أزرى على اهتمامهم بالجدل في العقائد مما يشوش على صفاء القلب ثم في وقوع الفقه وافتراضاته فأسماهم: فقهاء الحيض. أعيذك بالله أن تكون منهم ألم تقرأ قول ابن عربي:

    «من يبني إيمانه بالبراهين والاستدلالات فقط لا يمكن الوثوق بإيمانه فهو يتأثر بالاعتراضات فاليقين لا يستنبط بأدلة العقل إنما يغترف من أعماق القلب. ألم تقرأ هذا الكلام الصافي العذب قط؟}

    قال ابن تيمية:

    ـ أحسنت والله إن كان صاحبك كما تقول وهو أبعد الناس عن الكفر ولكن كلامه لا يحمل هذه المعاني في ما أرى.

    فقال ابن عطاء:

    ـ إن له لغة خاصة وهي مليئة بالإشارات والرموز والإيحاءات والأسرار والشطحات، ولكن فلنشتغل بما هو أجدى وبما يحقق مصلحة الأمة، فلنشتغل بدفع الظلم وحماية العدل المنتهك. أرأيت ما فعله الفاسقان بيبرس وسلار بالرعية منذ خلع الناصر نفسه فانفردا بالحكم، وإن عاد السلطان الناصر وهو يؤثرك على كل الفقهاء ويستمع لك فأسرع إليه وانصح له .

    تُوفي ابن عطاء الله ودفن بالقَاهرةِ عَام 1309 وما زال قَبره مَوجوداً إلى الآن في جبَانة علي أبو الوفاء تحت جبل المُقطمِ، من الجهةِ الْشرقية لجبَانة الإمام الليث.




    http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=128712[/align]
    [align=center]*********************

    http://www.rifaieonline.com/

    www.geocities.com/alrifaia

    *********************
    [/align]



    [move=right]منكري الكرامات على الأولياء ينظرون للكرامة على أنها من فعل الولي

    ولا ينظرون إليها على أنها فعل الله أجراه على الولي[/move]

    [align=center]
    ***************************[/align]

  15. #32
    [align=center]فرسان العشق الإلهي

    التستري... مفسِّر القرآن الذي انجذب إلى التصوّف


    د. عمار علي حسن



    هو أحد أكثر أهل زمانه ورعاً، وأعمقهم زهداً في الدنيا، وأحرصهم عبادة للخالق العظيم، جلّ شأنه وعظم سلطانه. وشيخنا هذا هو الذي تغذّى بالذكر فخفّ احتياجه إلى ما سواه، فكان يكتفي بخبز الشعير ويأكل أقل القليل منه‏، فيخفّ جسده وتسمو روحه وتعلو بقدر الإمكان على ماديات الحياة الدنيا واحتياجاتها الأولية، أو بقدر ما يقيم الأود ويطلق فيوضات الروح.

    كان التستري على تصوّفه فقيهاً لا يشقّ له غبار، فكثير من المسائل الشائكة التي طرحت على أهل زمنه من العلماء، كانت تنتهي إليه، حين يعجز الجميع، أو لا يتمكنون من القطع بشيء أو بأمر، فكان يجود عليها دوماً بالإجابات الشافية الكافية. وقد بانت عليه هذه الملكة وهو في الحادية عشرة، فجعلت دعوته إلى الله لا تقتصر على التربية والسلوك ولم تكتفِ بإسداء النصيحة وإبداء الموعظة الحسنة.

    من هو؟

    هو أبو محمد سهل بن عبد اللّه التستري، ولد في بلدة تستر في الأهواز سنة 203 هـ، وعاش في القرن الثالث الهجري، الذي حفل بالأعلام الكبار في الفقه والتصوّف والعلوم المختلفة، وبلغت فيه الحضارة الإسلامية ذروتها، وأشهدت العالم كله على إنجازها.

    ‏ نشأ التستري في بيت عُرفت عنه التقوى، لاسيما خاله محمد بن سوار، الذي كان يقيم الليل، يتضرّع إلى الله في خشوع، فتمكنت صورته من قلب الفتى وانجذب إليه انجذاباً شديداً، فارتبط به وأحبه واتخذ منه مثالاً وقدوة.

    هنا يقول: «كنت ابن ثلاث سنين وكنت أقوم الليل أنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار، الذي كان يقوم الليل، فربما كان يقول: إذهب يا سهل فنم فقد شغلت قلبي».

      يروي عن خاله أيضاً أنه قال له ذات يوم: «ألا تذكر الله تعالى الذي خلقك، فقلت كيف أذكره، فقال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرّك به لسانك: الله معي، الله ناظر إلي، الله شاهد علي. فقلت ذلك ثلاث ليال، ثمّ أعلمته. فقال لي: قل ذلك في كل ليلة سبع مرات. فقلت ذلك ثم أعلمته فقال لي: قل ذلك في كل ليلة إحدى عشرة مرة، فقلت ذلك فوقع في قلبي حلاوة، فلما كان بعد سنة قال لي خالي: إحفظ ما علمتك وداوم عليه إلى أن تدخل القبر فإنّه ينفعك في الدنيا والآخرة، فلم أزل على ذلك سنين فوجدت لها حلاوة في سري».

    في سنّ مبكرة أرسله أهله إلى الكُتّاب ليحفظ القرآن الكريم ويتعلّم الفقه، فراق له ذلك، لكنه اشترط الذهاب إليه ساعة واحدة في النهار، كي لا يغفل عن العبادة، ولا ينصرف ذهنه عن النزعة الصوفية التي تمكنت منه إلى حدّ ظهرت عليه ولم تكن خافية على أهل البصيرة ممن ألفوه وعرفوه منذ طفولته الغضة.

    تفسير القرآن

    ‏ في الكُتّاب حفظ التستري القرآن الكريم وهو في السادسة، وتفقّه في أمور الدين، واستطاع ضمّ العلم إلى المجاهدة، والذكر إلى ممارسة كل ما يوجبه الخير، وتحتّمه الفضيلة.

    لم يقتصر التستري في حفظه القرآن على الاكتفاء بترديد الآيات، وبما قرأه عنها في التفاسير المختلفة، لكنه أيقن أن القرآن لا يمكن أن يحيط أحد بأقطاره، أو أن تكون المعاني اللغوية الضيّقة هي كل ما عبّر عنه كتاب الله المنزل، وأنها إن انطوت على تعبير فإنما هو الظاهر. وهذا أمر قاصر أو مبتسر إذ إن القرآن الكريم ليس هو ما يظهر للناظر منذ الوهلة الأولى‏، فوراء ظاهره أسرار لا تتعارض مع هذا الظاهر، لكنها توضحه وتجليه وتجعله نافذاً إلى القلوب، جاذباً للنفوس، آسراً للأرواح‏، مفجّراً للملكات والطاقات العقلية المطمورة.

    فسّر التستري القرآن الكريم، وتميّز تفسيره بصغر حجمه، لأنه لا يضمّ تفسيراً كاملاً لجميع الآيات القرآنية، إنما هو تفسير لبعضها، وتعليقات كانت استجابة لأسئلة بعض تلامذته. يمكن في هذا المقام أن نعطي جانباً من هذا التفسير دالا على بقيته وطريقته، وهو تفسير الآيات الخمس الأولى من سورة «الفاتحة»:

    «قال أبو بكر: سئل سهل عن معنى: {بسم الله الرحمن الرَّحِيمِ} فقال:
    الباء بَهاء الله عزَّ وجلَّ. والسين سناء الله عزَّ وجلَّ. والميم مجد الله عزّ َوجلَّ.
    والله: هو الإسم الأعظم الذي حوى الأسماء كلها، وبين الألف واللام منه حرف مكنّى غيب من غيب إلى غيب، وسرّ من سر إلى سر، وحقيقة من حقيقة إلى حقيقة. لا ينال فهمه إلاَّ الطاهر من الأدناس، الآخذ من الحلال قواماً ضرورة الإيمان.
    والرحمن: اسم فيه خاصية من الحرف المكنّى بين الألف واللام. والرحيم: هو العاطف على عباده بالرزق في الفرع والابتداء في الأصل رحمة لسابق علمه القديم».

    «قال أبو بكر: أي بنسيم روح الله اخترع من ملكه ما شاء رحمة لأنه رحيم. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «الرحمن الرحيم» إسمان رقيقان أحدهما أرقُّ من الآخر، فنفى الله تعالى بهما القنوط عن المؤمنين من عباده».

    «أما «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» فقال عنها سهل: معنى: {الحمد للَّهِ} [2] الشكر لله، فالشكر لله هو الطاعة لله، والطاعة لله هي الولاية من الله تعالى كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ} [المائدة: 55] ولا تتم الولاية من الله تعالى إلا بالتبرّي ممن سواه. ومعنى: {رَبِّ العالمين} [2] سيد الخلق المربّي لهم والقائم بأمرهم، المصلح المدبّر لهم قبل كونهم، وكون فعلهم المتصرف بهم السابق علمه فيهم، كيف شاء لما شاء، وأراد وحكم وقدر من أمر ونهي، لا رب لهم غيره».

    «ومالك يَوْمِ الدين} [4] أي يوم الحساب. وإِيَّاكَ نَعْبُدُ} [5] أي نخضع ونذلّ ونعترف بربويتك ونوحّدك ونخدمك، ومنه اشتقّ اسم العبد. {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [5] أي على ما كلفتنا بما هو لك، وإليك المشيئة والإرادة فيه، والعلم والإخلاص لك، ولن نقدر على ذلك إلاَّ بالمعونة والتسديد لنا منك، إذ لا حول لنا ولا قوة إلاَّ من عندك. فقيل له: أليس قد هدانا الله إلى الصراط المستقيم؟ قال: بلى، ولكن طلب الزيادة منه كما قال: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35] فكان معنى قوله: «اهدنا» أمددنا منك بالمعونة والتمكين. وقال مرة أخرى «اهدنا» معناه أرشدنا إلى دين الإسلام الذي هو الطريق إليك بمعونة منك، وهي البصيرة، فإننا لا نهتدي إلاَّ بك، كما قال: {عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل} [القصص: 22] أي يرشدني قصد الطريق إليه. قال: وسمعت سهلاً يحكي عن محمد بن سوار عن سفيان عن سالم عن أبي الجعد عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عزَّ وجلَّ: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل. قال: فإذا قال العبد: {الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين} قال تعالى: حمدني عبدي، فإذا قال: {الرحمن الرحيم} قال الله تعالى: أثنى عَليّ عبدي، وإذا قال: {مالك يَوْمِ الدين} يقول الله: فهذه الآيات لي ولعبدي بعدها ما سأل، وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين اهدنا الصراط المستقيم} إلى آخره يقول الله عزَّ وجلَّ: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل».

    «قال سهل: معنى قوله «مجدني عبدي» أي وصفني بكثرة الإحسان والإنعام، وقال سهل: وروي عن مجاهد أنه قال: آمين إسم من أسماء الله تعالى، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: ما حسدتكم النصارى على شيء كما حسدتكم على قولكم آمين».

    حكى محمد بن سوار عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلاَّ مؤمن، فإذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين، فإن الله يرضى على قائلها، ويقبل صلاته، ويجيب دعاءه». وحكى الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قال الإمام ولا الضالين قولوا: آمين، فإن الملائكة يقولون آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه».

    اهتمامه بالسنّة

    امتاز التستري بتعظيمه السنّة النبوية ومراعاته لتعاليم الشريعة. ظهر هذا في تفسيره للقرآن الكريم. جعل هذا الأمر تصوف التستري غير مغال فيه، أو جانح إلى أي اتجاه يؤخذ عليه من أهل الرواية. ثمة واقعة تدل دلالة قاطعة على ذلك، رواها القاضي أبو سعيد الخليل بن أحمد السجزي: «سمعت أبا محمد أحمد بن محمد بن الليث، قاضي بلدنا، يقول: جاء سهل بن عبد الله التستري إلى أبي داود فقيل يا أبا داود هذا سهل جاءك زائراً فرحّب به، فقال له سهل: أخرج إليّ لسانك الذي تتحدث به أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبّله فأخرج إليه لسانه فقبله».
    وقد قيل للتستري: «متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة» ؟ قال:» إذا عرف من نفسه تسع خصال: لا يترك الجماعة. لا يسبّ أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم. لا يخرج على هذه الأمة بالسيف. لا يكذب بالقدر. لا يشكّ في الإيمان. لا يماري في الدين. لا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب. لا يترك المسح على الخفين. لا يترك الجماعة خلف كل والٍ جار أو عدل».

    وفي هذا الصدد قال أيضا‏:‏ «أصولنا سبعة‏ هي،‏ التمسّك بكتاب الله تعالى، الاقتداء بسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أكل الحلال، كفّ الأذى، اجتناب الآثام، التوبة، أداء الحقوق».‏

    ومن كلام التستري في هذا المضمار: «كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء طاعة كان أو معصية فهو عيش النفس، وكل فعل فعله بالاقتداء فهو عذاب على النفس».

    عناصر ضرورية للتصوّف

    كان التستري في تصوّفه يعلي من شأن المحبة والصبر والشكر والتوكل والصمت. والمحبة لديه هي أن تحبّ ما يحبه حبيبك، وتكره ما يكرهه، والحب لله لديه يجب أن يلازمه الخوف منه ولا يفارقه أبداً، وللمحبة لديه نارها، كما أن للشهوة والشقاوة والقطيعة ناراً. فنار الشهوة تحرق الطاعات ونار الشقاوة تحرق التوحيد ونار القطيعة تحرق القلوب، أما نار المحبة فتحرق النيران كلها.

    وسئل التستري: «أي شيء يفعل الله بعبده إذا أحبه؟ فأجاب: يلهمه الاستغفار عند التقصير، والشكر له عند النعمة».

    أما عن الصبر فيستدلّ على رؤية التستري له من حوار دار بينه وبين أحد المريدين، الذي سأله:

    - ما الصبر؟

    - لا عمل أفضل من الصبر، ولا ثواب أكثر من صوابه، ولا زاد إلا التقوى، ولا تقوى إلا بالصبر، ولا معين على الصبر لله إلا الله عزّ وجلّ.

    - وهل الصبر من الأعمال؟

    - الصبر من العمل بمنزلة الرأس من الجسد، لا يصلح أحدهما إلا بصاحبه.

    - وما أجله؟

    - أجله انتظار الفرج من الحق.

    - فما أصله؟

    - مجاهدة النفس على إقامة الطاعات، وأدائها بأحكامها وحدودها ومكابداتها على اجتناب المعاصي، صغيرها وكبيرها.

    - وكيف يكون الناس في الصبر؟

    - الناس في الصبر صنفان، فصنف يصبرون في الدنيا حتى ينالوا منها ما تشتهي أنفسهم، فهو الصبر المذموم. وصنف يصبرون للآخرة طلباً لثواب الآخرة، وخوفاً من عذابها، وهذا هو الصبر المحمود.

    - الصبر للآخرة هو على نوع واحد أم على أنواع؟

    - الصبر للآخرة له أربعة مقامات. فثلاثة منها فرض والرابع فضيلة. صبر على طاعة الله عز وجلّ، وصبر عن معصيته، وصبر على المصائب من عنده، أو قال: «صبر على أمر الله عز وجل، وصبر على نهيه، وصبر على أفعال الله، فهذه ثلاثة مقامات منه، وهي فرض، والمقام الرابع فضيلة، وهو الصبر على أفعال المخلوقين».

    - وما علامة الصبر؟

    - ألا يجزع فيه.

    - فبأي شيء يحصل التجمل بالصبر؟

    - بالمعرفة بأن الله تعالى معك، وبراحة العافية، فإنما الصبر مثل قدح أعلاه الصبر، وأسفله العسل. إنني أعجب ممن لم يصبر، كيف لم يصبر للحال ورب العزة يقول:»إن الله مع الصابرين».

    أما الشكر، فيقول عنه: «أدنى الشكر أن لا تعصيه بنعمه، وأول درجاته الطاعة. إن العبد ليس له أن يتكلم إلا بأمر سيده، وأن يبطش إلا بأمره، وأن يمشي إلا بأمره، وأن يأكل وينام ويتفكر إلا بأمره، وذلك أفضل الشكر الذي هو شكر العباد لسيدهم».

    ويرى التستري أن التوكل هو الاسترسال مع الله على ما يريد. وهو طرح البدن في العبودية، وتعلّق القلب بالربوبية، والتبري من الحول والقوة.

    يعظم التستري من شأن الفقراء، عملا بالتصوّر الذي يقول إن فقراء الصوفية لا ينفعهم الوجود، ولا تنعيهم الملذات، ولا ينال منهم العوز، ولا تقلقهم المصائب. فها هو يقول: «الفقير لا يسأل ولا يردّ ولا يحبس».

    ينادي التستري، كغيره من المتصوفة الكبار، بفضيلة الصمت، فالكلام إن كان يهدي، فالصمت يقي. وهنا يقول: {لا يصحّ لأحد الصمت حتى يلزم نفسه الخلوة، ولا تصحّ له التوبة، حتى يلزم نفسه الصمت».

    نظرية الولاية

    الولي عند التستري هو «من توالت أعماله على الموافقة» وكان يقول: «من أسلم قلبه لله تولى الله جوارحه. وأن الخير كله اجتمع في أربعة، فصاروا بها أولياء لله: أخماص البطون، الاعتزال عن الخلق، سهر الليل، الصمت». وقد سئل ذات يوم عن الشروط التي يجب توافرها في رجال الله حتى يصبحوا أبدالا، فقال: «سمي الأبدال أبدالا، لأنهم يبدلون الأحوال، أخرجوا أبدانهم عن الحيل في سرهم، ثم لا يزالون ينتقلون من حال إلى حال، ومن علم إلى علم، فهم أبداً في المزيد من العلم فيما بينهم وبين ربهم».

    وقد سئل ذات مرة: «أيهما أفضل، الأوتاد أم الأبدال؟ فأجاب: الأوتاد. فسئل: كيف ذلك؟ فرد: لأن الأوتاد قد بلغوا، وثبتت أركانهم. أما الأبدال فيتقلبون من حال إلى حال».

    وتقوم الولاية لدى التستري على المعرفة، الحسية والحدسية معاً. وفي هذا الشأن يقول التستري: «إن الله سبحانه وتعالى ما استولى ولياً من أمة محمد صلى الله عليه وسلّم إلا علّمه القرآن، إما ظاهراً، وإما باطناً». قيل له: «إن الظاهر نعرفه، فماذا عن الباطن»؟ فقال: «فهمه، وإن فهمه هو المراد». وأعلى درجات الولاية لدى التستري هو: الصديقية، وكان يقول إن الصديقين هم الذين عدوا أنفاسهم بالتسبيح والتقديس، وحفظوا الجوارح والحواس، فصار قولهم وفعلهم صدقاً، وصار ظاهرهم وباطنهم صدقاً، وصار دخولهم في الأشياء وخروجهم عنها بالصدق. ومرجعهم إلى مقعد صدق، بقدم صدق، عند مليك مقتدر.

    يشهد معاصرو التستري بأنه أحد الأئمة الكبار العظام، وأنه لم يكن ثمة في وقته نظير له في المعاملات والورع، وكان صاحب كرامات مشهودة، ومؤلفات معروفة من أشهرها: «رقائق المحبين» و{مواعظ العارفين» و‏{جوابات أهل اليقين‏» و{قصص الأنبياء»، علاوة على تفسيره الشهير للقرآن الكريم، الذي لا يزال يقرأ، ويقتبس منه إلى هذه اللحظة.

    ظل التستري محافظاً على مواقفه وتصوفه وعلاقاته بأتباعه، وصورته الطيبة لدى الخاصة والعامة، حتى وافته المنية في سنة 283 هـ. وورد في بعض المصادر أنه مات قبل ذلك بسنوات عشر أي في سنة 273 هـ، وترك بموته فراغاً ملموساً في مسيرة التصوف الإسلامي.



    http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=128855[/align]
    [align=center]*********************

    http://www.rifaieonline.com/

    www.geocities.com/alrifaia

    *********************
    [/align]



    [move=right]منكري الكرامات على الأولياء ينظرون للكرامة على أنها من فعل الولي

    ولا ينظرون إليها على أنها فعل الله أجراه على الولي[/move]

    [align=center]
    ***************************[/align]

  16. #33
    [align=center]فرسان العشق الإلهي

    ابن خفيف الشيرازي... جسر بين العرب والفرس والمتصوّفة والسلفيّة


    د. عمار علي حسن



    شيخ إقليم فارس ورأس الصوفية في زمانه، أنجب تلامذة الإمام أبو الحسن الأشعري. عبّدت حياته الطويلة وأفكاره العميقة وإبداعاته، شعراً ونثرا،ً جسراً بين أهل السنة والجماعة والمتصوفة من ناحية، وبين العرب والفرس من ناحية أخرى. فحين يتحدث الإيرانيون عما أضافه الفرس الأقدمون إلى الحضارة الإسلامية يأتي ذكر الشيرازي، وحين يتطرّق بعض الفقهاء إلى الصوفية المعتدلين يذكره أيضاً، وهو في النهاية إحدى ثمار الحضارة الإسلامية الرحبة الواسعة المتسامحة، التي رفعت شعار «الحكمة ضالة المؤمن، فأني وجدها فهو أولى بها».

    ولد أبو عبد الله محمد بن خفيف بن إسفكشاذ الضبي الفارسي الشيرازي سنة 261 هـ من أم نيسابورية، في مدينة شيراز. كان أبوه رجلاً ثرياً، لكنه ترك الحياة المنعمة واختار الزهد، وهذا ما يصفه التاج السبكي في قوله: «كان ابن خفيف أحد أولاد الأمراء، فتزهد حتى قال: «كنت أذهب وأجمع الخرق من المزابل وأغسله وأصلح منه ما ألبسه». واتخذ الشيرازي الجريري وابن عطاء صديقين له، فكانا بالغي التأثير على فكره ومسلكه.

    شهادات

    شهد للشيرازي علماء كثر، إذ وصفه الذهبي في «سير أعلام النبلاء» بأنه الشيخ الذي «جمع بين العلم والعمل وعلو السند والتمسك بالسنن، ومُتّع بطول العمر في الطاعة».

    ونقل ابن عساكر في «تبيين كذب المفتري» وصف حسين السلمي للشيرازي بأنه كان في زمنه «شيخ المشايخ وتاريخ الزمان، لم يبقَ للقوم أقدم منه سنًا ولا أتم حالاً ووقتًا، صحب رويماً والجريري وابن العباس ابن عطاء ولقي الحسين بن منصور وهو أحد أعلم المشايخ بعلوم الظاهر متمسكًا بعلوم الشريعة من الكتاب والسنة وهو فقيه على مذهب الشافعي».

    أما التاج السبكي فوصفه في طبقاتـه بأنه «شيخ المشايخ، وذو القدم الراسخ في العلم والدين، كان سيداً جليلاً وإماماً حفيلاً، يستمطر الغيث بدعائه، ويؤدب المصر بكلامه، أحد أعلم المشايخ بعلوم الظاهر وممن اتفقوا على عظيم تمسكه بالكتاب والسنة، وكانت له أسفار وبدايات، وأحوال عاليات ورياضات، وصحب من أرباب الأحوال أحباراً وأخياراً، وشرب من منهل الطريق كاسات كباراً، وسافر مشرقاً ومغرباً، وصابر النفس حتى انقادت له فأصبح مبنى الثناء عليها معرباً، صبر على الطاعة لا يعصيه فيه قلبه، واستمر على المراقبة  شهيد عليه ربه، وجنب لا يدري القرار، ونفس لا تعرف المأوى إلا البيداء ولا المسكن إلا القفار... بلغ ما لم يبلغه أحد من الخلق في العلم والجاه عند الخاص والعام، وصار أوحد زمانه مقصوداً من الآفاق مفيداً في كل نوع من العلوم مباركاً على من يقصده، رفيقاً بمريديه يبلغ كلامه مراده». وقال عنه أيضاً: «صنف من الكتب ما لم يصنفه أحد، وعُمِّرَ حتى عمَّ نفعه».

    كذلك روى ابن باكويه أن ابن خفيف نظر يوماً إلى ابن مكتوم وجماعة يكتبون شيئاً فقال: «ما هذا؟ قالوا: نكتب كذا وكذا، قال: اشتغلوا بتعلم شيء ولا يغرنكم كلام  الصوفية، فإني كنت  أخبئ محبرتي في جيب مرقعي والورق في حجر سراويلي وأذهب في الخفية إلى أهل العلم، فإذا علموا بي خاصموني وقالوا لا يفلح، ثم احتاجوا إليَ».

    لكن ابن الجوزي، هجاه وذكر عنه في كتابه الموسوم بـ «تلبيس إبليس» حكايات تدل على أنه كان يذهب مذهب الإباحية.

    علمه ومؤلفاته

    إضافة إلى أبي الحسن الأشعري، تفقَّه الشيرازي على يد علماء كثيرين من بينهم أبي العباس بن سريج، وروى الحديث النبوي عن حماد بن مدرك ومحمد بن جعفر التمار والحسين المحاملي وجماعة. وثمة من تحدث عنه مثل: أبو الفضل الخزاعي، الحسن بن حفص الأندلسي، إبراهيم بن الخضر الشياح، القاضي أبو بكر الباقلاني، ومحمد بن عبد الله بن باكويه، وغيرهم.

    وأثمرت رحلة التعلم هذه عن عدد من مؤلفات ومصنفات كثيرة، من بينها: «آداب المريدين، اختلاف الناس في الروح، جامع الإرشاد، الجمع والتفرقة، الفصول في الأصول، فضل التصوف، الاستدراج والاندراج، الاستذكار، الإعانة، الاقتصاد، السماع، المعتقد الكبير، شرح الفضائل، اللوامع، المنقطعين، المفردات، بلوى الأنبياء، الرد والألفة».

    وثمة مصنفات أخرى مثل: «مسائل علي بن سهل، الرد على ابن رزمان، الرد على ابن سالم، الجوع وترك الشهوات، معرفة الزوال، أسامي المشايخ، المعراج، المنهج في الفقه».

    كان الشيرازي يرعى السنة، ويكره شطحات المتصوفة. بداية كان يدافع عن الحلاج، كلما ذكر أمره أمامه، فلما أنشد الأخير «عقد الخلائق في الإله عقائدا... وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه»، قال ممتعضاً: «لعن الله من قال هذا».

    وروى الشيرازي أحاديث كثيرة وتفاسير منسوبة إلى الرعيل الأول من الإسلام. ومن الأمثلة على ذلك:

    أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي أخبرنا أبو بكر الجرجرائي، حدثنا أبو أحمد البصري قال حدثني الحسين بن معاذ حدثني سليمان بن داود حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي: عن أبي مالك الغفاري غزوان الكوفي في قوله سلام على آل ياسين، قال هو محمد، و آله أهل بيته.

    - أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي أخبرنا أبو بكر الجرجرائي حدثنا أبو أحمد البصري حدثنا محمد بن زكريا حدثنا أيوب بن سليمان حدثنا محمد بن مروان، عن الكلبي عن أبي صالح: عن ابن عباس قال وأما قوله تعالى» «أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ» قال: نزلت هذه الآية في ثلاثة من المسلمين وهم المتقون الذين عملوا الصالحات، وفي ثلاثة من المشركين وهم المفسدون الفجار، فأما الثلاثة من المسلمين فعلي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وهم الذين بارزوا يوم بدر، فقتل علي الوليد، وقتل حمزة عتبة، وقتل عبيدة شيبة.

    ـ أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي أخبرنا أبو بكر الجرجرائي حدثنا أبو أحمد البصري قال حدثني عمرو بن محمد بن تركي حدثنا محمد بن الفضل، حدثنا محمد بن شعيب، عن قيس بن الربيع، عن منذر الثوري: عن محمد بن الحنفية عن علي كرم الله وجهه في قوله تعالى: وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُل قال أنا ذلك الرجل السليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ـ أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي، أخبرنا أبو بكر الجرجرائي حدثنا أبو أحمد البصري قال: حدثني أحمد بن محمد بن عمر بن يونس قال: حدثني بشر بن المفضل النيسابوري قال: حدثني عيسى بن يوسف الهمداني عن أبي الحسن علي بن يحيى، عن أبان بن أبي عياش: عن أبي الطفيل عن علي قال: والذي جاء بالصدق رسول الله، وصدق به أنا. والناس كلهم مكذبون كافرون غيري وغيره .

    - حدثنا أبو عبد الله الشيرازي قال: حدثنا أبو بكر الجرجاني، قال: حدثنا أبو أحمد البصري، قال: حدثنا محمد بن سهل، قال: حدثنا زيد بن إسماعيل مولى الأنصار قال: حدثنا محمد بن أيوب الواسطي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد الصادق عن آبائه عليهم السلام: لما نصب رسول الله عليا يوم غدير خم وقال: من كنت مولاه، طار ذلك في البلاد فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم النعمان بن الحرث الفهري فقال: أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله وأمرتنا بالجهاد والحج والصوم والصلاة والزكاة فقبلناها ثم لم ترض حتى نصبت هذا الغلام فقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه . فهذا شيء منك؟ أو أمر من عند الله؟ فقال: والله الذي لا إله إلا هو أن هذا من الله.

    أبو الحسن الأشعري

    كان أبو الحسن الأشعري نقطة التحول الرئيسة في حياة الشيرازي. وقد رواها كل من ضياء الدين الرازي أبو الإمام الفخر الرازي في كتابه «غاية المرام في علم الكلام»، والتاج السبكي في طبقاته، وحكاها الشيرازي بأسلوب غارق في البلاغة، يعتمد على السجع المصفى: «دعاني أرب، ولوع ألب، وشوق غلب، وطلب يا له من طلب، أن أحرك نحو البصرة ركابي، في عنفوان شبابي، لكثرة ما بلغني، على لسان البدوي والحضري، من فضائل شيخنا أبي الحسن الأشعري، لأستسعد بلقاء ذلك الوحيد، وأستفيد مما فتح الله تعالى عليه من ينابيع التوحيد... وصلت إلى البصرة التي وجدتها على ما وصفت لي من الجمال والنظافة ورحابة صدور أهلها، وفيما أنا أدور وأبحث عمن يرشدني إلى الشيخ أبي الحسن، التقيت رجلاً بهي المنظر بين جماعة من أصحابه، فارتحت إليه وعزمت على أن أكلمه فسلمت عليه ورد عليَّ السلام وكلَّمني بأجزل الكلام وألطفه، فسألته عن الإمام الأشعري فقال لي: وماذا تريد منه؟ قلت: قد بلغني ذكره وعلمه فتقت لأن ألقاه وأستفيد من علمه. قال: عد إليَّ غداً باكراً إلى هذا الموضع فأدلك عليه، فأتيت في اليوم التالي فلقيته في المكان عينه ينتظرني فسلم عليَّ ورددت عليه، ثم مضى وأنا أتبعه حتى دخل داراً قد حضر فيها جماعة من الناس قد تسارعوا إلى الباب يستقبلونه بالترحاب والتعظيم، وقدموه إلى صدر المجلس ينتظرون حتى بدأ الشيخ يتكلم بلسان يفتق الشعور ويفلق الصخور، وألفاظ أرق من أديم الهواء وأعذب من زلال الماء، ومعانٍ ذات بيان، فكان إذا أوجز أعجز، وإذا أسهب أذهب، فلم يدع مشكلة إلا أزالها ولا فساداً إلا أصلحه،  وسط حيرة الحاضرين وتعجبهم من كلامه، عندها سألت بعض الحاضرين: من هذا الذي كان يتكلم بكلام لم أسمع مثله. قال: هو الباز الأشهب ناصر الحق وقامع البدعة، إمام الأمة وقوام الملة أبو الحسن الأشعري، فسرحت وأمعنت النظر في توسمه وتوقد جذوته، فإذا به يخرج من المجلس فتبعته فنظر إليَّ وقال: يا فتى كيف وجدت أبا الحسن، فقلت:

    ومسْجل مثل حد السيف منصلتٍ   

    تَزِلُّ عن غربه الألباب والفكرُ

    طعنت بالحجة الغراء جيلهُمُ 

    ورمح غيرك منه العي والحضرُ

    لا قام ضدك ولا قعد جدك، ولا فض فوك ولا لحقك من يقفوك، فوالذي سمك السماء وعلم آدم الأسماء، لقد أبديت اليد البيضاء، وسكنت الضوضاء وكشفت الغماء، ولحنت الدهماء وقطعت الأحشاء وقمعت البدع والأهواء، بيد أنه قد بقي لي سؤال، فقال: اذكره، قلت: رأيت الأمر لم يجر على النظام، لأنك لم تفتتح كلامك بالدليل، فقال: إني في الابتداء لا أذكر الدليل ولا أشتغل بالتعليل، حتى إذا ذكر الخصم ضلالته وأفرد شبهته، أنص حينها على الجواب بالدليل والبرهان... فتعلقت بأهدابه لخصائص آدابه، ونافست في مصافاته لنفائس صفاته، ولبثت معه برهة أستفيد منه في كل يوم نزهة، وأدرأ عن نفسي للمعتزلة شبهة. ثم ألفيت مع علو درجته وتفاقم مرتبته، يقوم بتثقيف أوده مِن كَسْب يده، من اتخاذ تجارة العقاقير معيشة، والاكتفاء بها عيشة، اتقاء للشبهات وإبقاء على الشهوات، رضي بالكفاف وإيثارًا للعفاف».

    زهده وكراماته

    روى ابن عساكر في كتابه «تبيين كذب المفتري» عن ابن خفيف الشيرازي قوله: «كنت في ابتدائي بقيت أربعين شهرًا أفطر كل ليلة بكف باقلاء، فمضيت يوماً وافتصدت فخرج من عرقي شبيه ماء اللحم وغشي علي فتحير الفصاد وقال: ما رأيت  جسدًا بلا دم إلا هذا».

    وفي كتاب السير للذهبي قول ابن باكويه في ابن خفيف: «سمعت ابن خفيف يقول: كنت في بدايتي ربما أقرأ في ركعة واحدة عشرة آلاف ﴿ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ﴾ وربما كنت أقرأ في ركعة القرآن كله». كذلك ذكر: «ما وجبت علي زكاة الفطر أربعين سنة مع ما لي من القبول العظيم بين الخاص والعام». وسئل عن القرب فأجاب: «قربك منه تعالى بملازمة الموافقات». ودخل عليه فقير ذات يوم وقال له: «بي وسوسة»، فردّ الشيخ: «عهدي بالصوفية يسخرون من الشيطان».

    تنسب إلى ابن خفيف الشيرازي كرامات عدة، من بينها ما أورده التاج السبكي في الطبقات، وهي أنه ناظر يوماً بعض البراهمة، فقال له البرهمي: «إن كان دينك حقًا فتعال اصبر أنا وأنت عن الطعام أربعين يوماً»، فأجابه ابن خفيف فعجز البرهمي عن إكمال المدة المذكورة وأكملها ابن خفيف وهو طيب مسرور.

    ورد في «الطبقات» أيضاً أن برهميًا آخر ناظره ثم دعاه إلى المكوث معه تحت الماء مدة، فمات البرهمي قبل انتهاء المدة وصبر الشيخ إلى أن انتهت وخرج سالـماً لم يظهر عليه تغير.

    رحيله

    أوضح الذهبي في «سير أعلام النبلاء» أن ابن خفيف كان يعاني من وجع في الخاصرة، إذا أصابه أقعده عن الحركة، فكان إذا نودي بالصلاة يُحمل على ظهر رجل، فقيل له: «لو خففت على نفسك»، أجاب: «إذا سمعتم: حيِّ على الصلاة ولم تروني في الصف فاطلبوني في المقبرة».

    وذكر الصفدي في «الوافي» والذهبي أيضاً، إضافة إلى صاحب «كشف الظنون» أن الشيرازي تُوفي سنة ثلاثمائة وإحدى وسبعين للهجرة. وعلى رغم اختلاف المؤرخين على تاريخ ميلاده، فإن ثمة تحديداً لموعد وفاته. وهنا أشار الذهبي: «يقال إنه عاش مائة سنة وأربع سنين، وانتقل إلى رحمة الله تعالى في ليلة الثالث من شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. والأصح أنه عاش خمساً وتسعين سنة».

    وفور انتشار نبأ احتضاره تداعى الناس إلى بيته، والتفوا حول سريره، والأسى يكسو ملامحهم، وظلوا على حالهم هذه حتى فارقت روحه جسده، فقاموا وحملوه إلى مثواه الأخير، وقبل أن يوارى الثرى صلوا عليه مرات عدة، يحصيها البعض بأنها وصلت إلى مائة مرة.



    http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=129015[/align]
    [align=center]*********************

    http://www.rifaieonline.com/

    www.geocities.com/alrifaia

    *********************
    [/align]



    [move=right]منكري الكرامات على الأولياء ينظرون للكرامة على أنها من فعل الولي

    ولا ينظرون إليها على أنها فعل الله أجراه على الولي[/move]

    [align=center]
    ***************************[/align]

  17. #34
    [align=center]فرسان العشق الإلهي

    إبراهيم الخواص...شاعر الصوفيّة الزاهد المتوكّل


    د. عمار علي حسن



    أحد كبار شعراء الصوفية، ممن أبدعوا قصائد تتهادى إلى الجميع من دون عنت ولا عناء. فيها ما يخاطب الوجدان، بقدر ما تنطوي على أفكار يقبلها العقل، وإن كانت غالبيتها تدور حول الزهد. وقد بلغ في التصوّف شأناً إلى درجة أن كثيرين كانوا يعدّونه أحد أقران الجنيد والنوري، نظراً الى ما كان له في التوكّل والرياضة الروحية حظ كبير، وهو ما يدل عليه قوله الأثير: «دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن الكريم بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرّع عند السّحَر، ومجالسة الصالحين».

    هو أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الخواص، أخذ عن أحمد المرواني أبي القاسم وصحب أبا عبد الله المغربي، ومن مريديه أبو المواهب عبد الوهاب بن أحمد بن علي الحنفي الشعراني وزين الدين القزويني. وقد سمي الخواص نسبة إلى الأخوص، وربما إحالة إلى عمله بصناعة الخوص. ولد في مدينة سامراء العراقية، وعرف بكثرة الحج إلى مكة، إذ قال: «سلكت البادية إلى مكة سبعة عشر طريقاً، منها: طريقٌ من ذهب! وطريقٌ من فضّة».

    شهد للخواص كثيرون، منهم ممشاذ الدينوري، الذي قال: كنت يوماً في مسجدي بين النائم واليقظان، فسمعت هاتفاً يهتف: إن أردت أن تلقى وليًّا من الأولياء فامضي إلى تلّ التوبة. فقمت وخرجت، فإذا أنا بثلج عظيم، فذهبت إلى تلّ التوبة، فإذا إنسان قاعد مربع على رأس التلّ وحوله خالٍ من الثلج قدر موضع خيمةٍ، فتقدمت إليه، فإذا هو إبراهيم الخوّاص، فسلّمت عليه وجلست إليه، فقلت: بماذا نلت هذه المنزلة؟ فقال: بخدمة الفقراء.

    وقال منصور بن الحربي: سمعت عمر بن سنان يقول: {اجتاز بنا إبراهيم الخواص، فقلنا له: حدثنا بأعجب ما رأيته من أسفار فقال: لقيني الخضر عليه السلام فسألني الصحبة فخفت أن يفسد عليَّ توكلي بسكوني إليه ففارقته}.

    وقيل إن الخواص كان يحمل دوماً إبرة وخيوطاً وركوة ومقراضاً، فقيل له: يا أبا إسحاق لم تحمل هذا وأنت تمنع من كل شيء؟ فقال: مثل هذا لا ينقض التوكل لأن الله سبحانه و تعالى فرض علينا فرائض والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد فربما يتخرق ثوبه فإذا لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلاته، وإذا لم يكن معه ركوة تفسد عليه طهارته، وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته.

    ويروى أنه سمع ذات يوم صوت لهو ومجون وعبث ينبعث من أحد البيوت فهمّ بنصح أهله فتوجه إليه وإذا بكلب شرس يعترضه فعاد من حيث أتى وهو مطأطئ الرأس ودخل المسجد وصلى ثم خرج وعاود المحاولة فلم يجد للكلب أثراً. فلما اقترب من باب البيت خرج إليه شاب مشرق الوجه مبتسماً وهو يرحب به معتذراً: لو أرسلت في طلبي لأتيتك ولك عليّ عهد الله إلا أعود لما يزعجك أبداً ووفى الشاب بعهده. ولما سئل إبراهيم: ما منعك من الدخول المرّة الأولى؟ قال: لو كانت نيتي في المرة الأولى خالصة لما اعترضني شيء فكان عليّ أن أصححها ففعلت واستغفرت ربي فوفّقت لما أريد.

    وقال همّام بن الحارث: سمعت إبراهيم الخوّاص، يقول: ركبت البحر، وكان معي في المركب رجلٌ يهوديٌّ فتأمّلته أيّامًا كثيرةً لا أراه يذوق شيئًا ولا يتحرّك ولا ينزعج من مكانه ولا يتطهّر ولا يشتغل بشيءٍ وهو ملتفٌّ بعباءٍ مطروحٌ في زاويةٍ ولا يفاتح أحدًا ولا ينطق فسألته وكلّمته فوجدته مجرّدًا متوكّلاً يتكلّم فيه بأحسن كلامٍ ويأتي بأكمل بيانٍ، فلمّا أنس بي وسكن إليّ قال لي: يا أبا إسحاق، إن كنت صادقًا ًفي ما تدّعيه فالبحر بيننا حتّى نعبر إلى السّاحل وكنّا في اللّجج فقلت في نفسي: وأذلاه إن تأخّرت عن هذا الكافر فقلت له: قم بنا فما كان بأسرع بأن زجّ بنفسه في البحر ورميت بنفسي خلفه فعبرنا جميعًا إلى السّاحل فلمّا خرجنا قال: يا إبراهيم، نصطحب على شريطة ألا نأوي المساجد ولا البيع ولا الكنائس ولا العمران فنعرف فقلت: لك ذلك حتّى أتينا مدينةً فأقمنا على مزبلةٍ ثلاثة أيّامٍ فلمّا كان يوم الثّالث أتاه كلبٌ في فمه رغيفان فطرحهما بين يديه وانصرف فأكل ولم يقل لي شيئًا ثمّ أتاني شابٌّ ظريفٌ نظيفٌ حسن الوجه والبزّة طيّب الرّائحة ومعه طعامٌ نظيفٌ في منديلٍ فوضعه بين يديّ وقال لي: كل وغاب عنّي فلم أر له أثرًا فقلت لليهوديّ: هلمّ، فلم يفعل ثمّ أسلم وقال لي: يا إبراهيم، أصلنا صحيحٌ إلا أنّ الّذي لكم أحسن وأصلح وأظرف، وحسن إسلامه وصار أحد أصحابنا المتحقّقين بالتّصوّف.

    وكان العلم والمعرفة من القضايا الرئيسة التي شغلت الخواص، وكانت له فيها أقوال مأثورة. وقد عرف العلم تعريفاً مختلفاً ولافتاً في آن، إذ لخّصه كله في كلمتين: «لا تتكلف ما كفيت، ولا تضيع ما استكفيت». واعتبر أن «العالم ليس بكثرة الروايات، إنما العالم من اتبع العلم واستعمله، واقتدى بالسنن وإن كان قليل العلم». وكان يقول: «علم العبد بقرب قيام اللّه على العبد يوحشه من الخلق ويقيم له شاهد الأنس باللّه، وعلم العبد بأنّ الخلق مسلّطون مأمورون يزيل عنه خوفهم ويقيم في قلبه خوف المسلّط لهم». وفي هذا مدح الخواص أربعة هم: عالمٌ مستعملٌ لعلمه، وعارفٌ ينطق عن حقيقة فعله، ورجلٌ قائمٌ للّه بلا سببٍ، ومريدٌ ذاهبٌ عن الطّمع. وكان يقول: «لا يحسن هذا العلم إلا لمن يعبر عن وجده وينطق به فعله».

    وبالطبع كان الخواص يتحدث في الغالب الأعم عن المعرفة الحدسية، وهو مما يدل عليه قوله: «علامة حقيقة المعرفة بالقلب خلع الحول والقوّة وترك التّملّك مع اللّه في شيءٍ من ملكه، ودوام حضور القلب بالحياء من اللّه، وشدّة انكسار القلب من هيبة اللّه، فهذه الأحوال دلائل المعارف والحقيقة فمن لم يكن على هذه الأحوال فإنّما هو على الأسماء والصّفات».

    كان «التوكل» القيمة الرئيسة الكامنة في أقوال الخواص وأفعاله. وقد حصلت له حوادث علمته أن يتوكل على الله، فقد روي عنه أنه قال: لقيت غلاماً في التيه كأنه سبيكة فضة، فقلت: إلى أين يا غلام؟ فقال: إلى مكة حرسها الله، فقلت: هل تسير بلا زاد ولا راحلة ولا نفقة ؟ فقال لي: يا ضعيف اليقين، الذي يقدر على حفظ السموات والأرض، ألا يقدر أن يوصلني إلى مكة المكرمة بلا علاقة؟ قال: فلما دخلت مكة المكرمة حرسها الله فإذا أنا به في الطواف.

    وثمة حكاية أخرى تسند هذا المسار، تروى عن الخواص، إذ قال: طلبت المعاش لأكل الحلال، فاصطدت السمك، وذات يوم وقعت في الشبكة سمكة فأخرجتها وطرحت الشبكة في الماء فوقعت فيها سمكة أخرى فرميت بها ثم عدت، فهتف بي هاتف: لم تجد معاشاً إلا أن تأتي من يذكرنا فتقتلهم ، قال: فكسرت القصبة وتركت الصيد.

    وفي التوكل كان الخواص يقول: «العارف باللّه يحمله اللّه بمعرفته، وسائر النّاس تحملهم بطونهم ومن نظر الأشياء بعين الفناء كانت راحته في مفارقتها، ولم يأخذ منها إلا لوقته». وكان يقول أيضاً: «الرّزق ليس فيه توكّلٌ إنّما فيه صبرٌ حتّى يأتي اللّه به في وقته الّذي وعد وإنّما يقوى صبر العبد على قدر معرفته بما صبر له أو لمن صبر عليه، والصّبر ينال بالمعرفة وعلى الصّابر حمل مؤونة الصّبر حتّى يستحقّ ثواب الصّابرين؛ لأنّ اللّه تعالى جعل الجزاء بعد الصّبر قال اللّه تعالى: «وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلماتٍ فأتمّهنّ قال إنّي جاعلك للنّاس إمامًا». فالجزاء إنّما وقع له عليه السّلام بعد ما أتمّ حمل البلوى. وقال كذلك: «من صح توكله في نفسه صح توكله في غيره».

    كان الخواص ينظر إلى «التّوكّل» بوصفه قيمة مركبة، تقوم على ثلاث درجاتٍ هي: الصّبر والرّضا والمحبّة، لأنّه إذا توكّل وجب عليه أن يصبر على توكّله بتوكّله لمن توكّل عليه وإذا صبر وجب عليه أن يرضى بجميع ما حكم عليه وإذا رضي وجب عليه أن يكون محبًّا لكلّ ما فعل به موافقةً له.

    سئل الخواص ذات يوم عن التوكل فأطرق ساعة ثم قال: إذا كان المعطي هو المانع فمن يعطي، وراح يتلو الآية الكريمة التي يقول فيها رب العزة سبحانه وتعالى: «وتوكّل على العزيز الرّحيم. الّذي يراك حين تقوم. وتقلّبك في السّاجدين» ثم قال: ما ينبغي للعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله ومن تعلق بغير الله أو سكن إلى علمه وعقله ودوائه وتمائمه واعتمد على حوله وقوته وكله الله إلى ذلك وخذله.

    وقال الحسين بن منصور لإبراهيم الخواص: ماذا صنعت في هذه الأصفار وقطع هذه القفار؟ قال: بقيت في التوكل أصحح نفسي عليه. فقال الحسين: أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد.

    عني الخواص بتربية المريدين، وكانت لديه تقوم على الإخلاص وصفاء القلب. وكان من عادته أن يخوض مع المريد في كل رياضة كان يأمره بها كيلا يخطر بباله أن الشيخ يأمره بما لم يفعل فينفره ذلك من رياضته.

    اعتبر الخواص أن الحركة للمريدين طهارةٌ ولسائر النّاس إباحةٌ وللمخصوصين عقوبةٌ لهم إذا مالوا إلى ما فيه الحظّ لأنفسهم لأنّ الأسباب إنّما تبطئ على العارفين وتمتنع عن الحركة إليهم لما فيهم من الحركة إليها فإذا فنيت آثارها تحرّكت إليهم وأقبل الملك بكلّيّته عليهم، وكفى بالثّقة باللّه مع صدق الانقطاع إليه حياطةً من العبد لنفسه وأهله وولده، وكلّ مريدٍ يتوجّه إلى اللّه وهموم الأرزاق قائمةٌ في قلبه فإنّه لا يفلح ولا ينفذ في توجّهه.

    ركز الخواص أكثر على أهمية الفقر في هذه التربية. وكان يعرف الفقر بأنه «ترك الشكوى، وإظهار أثر البلوى». وكان الفقر لديه يقي النفس من كثرة الوساوس. والفقير لديه هو من ضعّف بدنه لكن قويت معرفته وصح توكله، والفقير «يعمل على إدراك حقيقة الإيمان وبلوغ ذروته، أما الغنيّ فيعمل على نقصانٍ في إيمانه وضعفٍ من معرفته، والفقير يفتخر باللّه عزّ وجلّ ويصول به. والغنيّ يفتخر بالمال ويصول بالدّنيا. والفقير يذهب حيث شاء، والغنيّ مقيّدٌ مع ماله، والفقير يكره إقبال الدّنيا، والغنيّ يحبّ إقبالها، والفقير فوق ما يقول والغنيّ دون ما يقول، والنّاس رجلان رجلٌ وعبدٌ، فالرّجل مهمومٌ بتدبير نفسه متعوبٌ بالسّعي في مصلحته والعبد طرح نفسه في ظلّ الرّبوبيّة وكان من حيث العبوديّة وعلى قدر حسن قبول العبد عن اللّه تكون معونة اللّه له، والمتوكّلون الواثقون بضمانه غابوا عن الأوهام وعيون النّاظرين، فعظم خطر ما أوصلهم إليه وجلّ قدر ما حملهم عليه وعظمت منزلتهم لديه، فيا طيب عيشٍ لو عقل، ويا لذّة وصلٍ لو كشف، ويا رفعة قدرٍ لو وصف».

    عدد الخواص في تبيان صفات الفقراء، وهي أنّهم كانوا بوعد اللّه مطمئنّين، من الخلق آيسين، عداوتهم للشّياطين، كانوا من حيث الحقّ في الأشياء خارجين، وكانوا على الخلق مشفقين، وكانوا لأذى النّاس محتملين، وكانوا لمواضع العداوة لا يدعون النّصيحة لجميع المسلمين، وكانوا في مواطن الحقّ متواضعين، وكانوا بمعرفة اللّه مشتغلين، وكانوا الدّهر على طهارةٍ، كان الفقر رأس مالهم ، وكانوا في الرّضا في ما قلّ أو كثر وأحبّوا أو كرهوا عن اللّه واحدًا.

    والفقير لدى الخواص، هو من كانت أوقاته مستويةً في الانبساط لفقره، صائنًا له محتاطًا لا تظهر عليه فاقةٌ، ولا تبدو منه حاجةٌ، أقلّ أخلاقه الصّبر والقناعة راحته في القلّة، وتعذيبه في الكثرة، مستوحشٌ من الرّفاهات متنعّمٌ بالخشونات، فهو بضدّ ما فيه الخليقة يرى ما هو عليه معتمده، وإليه مستراحه ليس له وقتٌ معلومٌ، ولا سببٌ معروفٌ فلا تراه إلا مسرورًا بفقره فرحًا بضرّه مؤنته على نفسه ثقيلةٌ وعلى غيره خفيفةٌ، يعزّ الفقر ويعظّمه ويخفيه بجهده ويكتمه حتّى عن أشكاله يستره، قد عظمت من اللّه تعالى عليه فيه المنّة وجلّ قدرها في قلبه من نعمةٍ فليس يريد بما اختار اللّه له بدلا ولا يبغي عنه حولا.

    قال الخواص: «لا يصحّ الفقر للفقير حتّى تكون فيه خصلتان هما: الثّقة باللّه، والشّكر للّه فيما زوي عنه ممّا ابتلى به غيره من الدّنيا . ولا يكمل الفقير حتّى يكون نظر اللّه له في المنع أفضل من نظره له في العطاء، وعلامة صدقه في ذلك أن يجد للمنع من الحلاوة ما لا يجد للعطاء، لا يعرفه غير بارئه الّذي خصّه بمعرفته وأياديه فهو لا يرى سوى مليكه ولا يملك إلا ما كان من تمليكه فكلّ شيءٍ له تابعٌ وكلّ شيءٍ له خاضعٌ».

    حضّ الخواص على الصبر، ورآه الثبات مع الله سبحانه وتعالى وتلقي بلائه بالرحب والدعة. وفي هذا قال: «من لم يصبر لم يظفر وإنّ لإبليس وثاقين ما أوثق بنو آدم بأوثق منهما: خوف الفقر والطّمع». وكان ينشد في هذا: صبرت على بعض الأذى خوف كله

    ودافعت عن نفسي لنفسي فعزت
    وجرعتها المكروه حتى تدربت

    ولو جرعته جملة  لاشمأزت
    ألا رب ذل  ساق  للنفس عزة  ويارب 

    نفس بالتذلل عزت
    إذا ما مددت الكف
    ألتمس الغنى

    إلى غير من قال: «اسألوني» فشُلَّت سأصبر جهدي إن في  الصبر عزة

    وأرضى  بدنيائي،  وإن هي قلت

    وكان الخواص يردف الصبر بالشكر، فها هو ينشد قائلاً:

    أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر

    أنا جائع أنا ضائع أنا عاري
    هي ستة أنا الضمين لنصفها

    فكن الضمين لنصفها يا باري
    مدحي لغيرك لهب نار خضتها

    فأجر عبيدك من لهب النار.

    وإلى جانب التوكل والصبر عاش الخواص أحوال المتصوفة الأخرى، ومنها الزهد، والمراقبة، والمحبة، والصمت والجوع، وله في هذا أقوال معروفة. ففي الزهد قال: «من لم تبكِ الدنيا عليه لم تضحك الآخرة إليه، والإنسان في خلقه أحسن منه في جديد غيره، والهالك حقاً من ضل في آخر سفره وقد قارب المنزل».

    أما المراقبة فهي لديه: {خلوص السرّ والعلانية لله عزّ وجل من الداخل ومن الخارج. والمحبة هي محو الإرادات وإحراق جميع الصفات والحاجات وإغراق نفسه في بحر الإشارات}. وكان يقول: {إن الله يحب ثلاثاً ويبغض ثلاثاً، فأما ما يحب: فقلة الكلام وقلة النوم وقلة الأكل، وأما ما يبغض: فكثرة الكلام وكثرة الأكل وكثرة النوم}.

    كذلك أوضح: {من أراد اللّه للّه بدّل له نفسه، وأدناه من قربه. ومن أراده لنفسه أشبعه من جنانه، وأرواه من رضوانه». وكان ينشد:

    عليلٌ ليس يبرئه الدّواء طويل

    الضر يفنيه الشفاء

    سرائره بوادٍ ليس تبدو

    خفيّاتٌ إذا برح الخفاء

    وقيل إن الخواص كان في أيامه الأخيرة يرفع أكفه بالضراعة لله تعالى، ويقول باكياً: «يا رب كبرت وقد ضعف جسمي وقلت عبادتي فأعتقني بفضلك من النار فإني لا أقدر على أن أمكث فيها لحظة».

    مرض الخواص، وذات مرة كان يقوم إلى الماء ليتوضأ ويعود إلى المسجد ليصلي ركعتين، وكرر هذا مرات، وفي إحداها فاضت روحه، سنة 291 هـ، ودفن في بغداد، داخل ضريح الجنيد، كما تقول بعض الروايات.



    http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=129174[/align]
    [align=center]*********************

    http://www.rifaieonline.com/

    www.geocities.com/alrifaia

    *********************
    [/align]



    [move=right]منكري الكرامات على الأولياء ينظرون للكرامة على أنها من فعل الولي

    ولا ينظرون إليها على أنها فعل الله أجراه على الولي[/move]

    [align=center]
    ***************************[/align]

+ الرد على الموضوع

المواضيع المتشابهه

  1. كتاب : الأنــوار الـقــدســـيـة (مقـدمة الطريقـة السـنوسـية)
    بواسطة خادم الاسلام في المنتدى ركن السيرة والتراجم
    مشاركات: 30
    آخر مشاركة: 20-01-2010, 12:06 PM
  2. •:*¨`*:• مودة والبردة وعشاق الشعر الإلهي والمحمدي •:*¨`*:•
    بواسطة البردة في المنتدى الركن الأدبي
    مشاركات: 744
    آخر مشاركة: 10-04-2009, 11:36 PM
  3. ** الحـــــ عند ذوي العشق الإلهي ـــــب **
    بواسطة مودة ميرى في المنتدى الركن الأدبي
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 20-12-2008, 11:19 PM
  4. هدية إلى(محب ) أخشى على مهجتي في العشق أن تتلـف
    بواسطة الاقبال في المنتدى الركن العام
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 28-08-2008, 11:34 AM
  5. مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 24-02-2008, 09:28 AM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك