+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: العلم في العهد النبوي: معالم وضوابط...

  1. #1

    العلم في العهد النبوي: معالم وضوابط...

    [ALIGN=center]العلم في العهد النبوي: معالم وضوابط [/ALIGN]

    عبد العظيم صغيري

    إن تصنيف ورصف المعالم والضوابط التي أطرت العلم في العهد النبوي تلقيا وأداء أمر من الصعوبة بمكان، وهو مال لا تسعفني فيه مساحة هذا المقال الذي يحاول الاقتراب من هذا الموضوع الذي لم يوف حقه بعد من الدراسة والاهتمام.
    تحقيقا لذلك سأقدم الموضوع عبر المحاور التالية:
    1- استهلال لغوي
    2- معالم وضوابط تتعلق بمضمون العلم في العهد النبوي
    3- معالم وضوابط تتعلق بتلقي العلم وتعلمه في العهد النبوي
    4- معالم تتعلق بتلقين العلم


    1- استهلال لغوي

    عندما نستفتي المعاجم عن دلالة كلمتي معلم وضابط فإن إجاباتها تختلف حسب السياقات والمجالات، لكننا نأخذ منها ما يفي بالغرض في هذه المقالة بحول الله وقوته.
    فالمَعْلم كما قال ابن الأثير(1): "ما جعل علامة للطرق والحدود، مثل أعلام الحرم ومعالمع المضروبه عليه، وقيل المعلم الأثر" وفي مختار الصحاح(2): "المعلم الأثر يستدل به على الطريق، وفي المعجم الوسيط(3) المعلم من كل شيء مظنته. والضابط الذي يجمع على ضوابط مأخوذ من الضبط الذي هو لزوم الشيء وحبسه، قال الليث: الضبط لزوم شيء لا يفارقه في كل شيء، ضبط الشيء حفظه بالحزم، والرجل ضابط أي حازم ورجل ضابط قوي شديد(4) والضبط إحكام الشيء وإتقانه.
    وللضبط معان أخر لا تعد والحصر والحبس والقوة(5)، والضبط عند النجاة هو القاعدة(6)، وعند العلماء حكم كلي ينطبق على جزئياته، قال "التاج السبكي" في "المواهب السنية" والغالب فيما اختص بباب، وقصد به نظم صور متشابهة أن يسمى ضابطا(7).
    من هنا فالقصد الأسمى لهذه المقالة أن نتلمس الآثار والمعالم التي كانت توجه طالب العلم في العهد النبوي، والصُّوى التي أطرت اكتسابه للعلم وعصمته من الزلل عن الجادة مع التنصيص على أن هاته المعالم وهاتيك الضوابط هي مظِنَة العلم الحقيقي، إذ باحترامها يسهل الطريق وينال المراد وبواسطتها يضبط العلم عن خدمة قصد لا يرجى، ويعصم من زيغان لا يراد، وبها يحفظ العلم ويتقن، ويكون حامله قويا شديدا في صحبته، شديدا في صيانته لمعارفه، متمنعا عن جعلها باعة رخيصة في أيدي الحكام ومن في حكمهم وتجار العلم اللئام.
    وأنوه في بداية كلمتي هاته، إلى أن قصدي هو إثارة الانتباه إلى أهمية هذا الموضوع، لجزالة مادته ووفرة مظانه مع العلم أننا في مسيس الحاجة إلى معرفة هاته المعالم والضوابط فقد قضى الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله ما يربو على ثلاثين سنة في البحث عن أساليب الرسول صلى الله عليه وسلم في التعليم، فجاء إسهامه كالعادة وازنا جديرا بالاطلاع.
    من جهتي سأتناول الموضوع في محاور ثلاثة أخصص الأول لبسط المعالم الخاصة بمضمون العلم ثم أثني بتلك المتعلقة بكيفية تلقيه وتعلمه لأعرج على الضوابط الخاصة بكيفية تلقينه وتعليمه.

    2- معالم وضوابط تتعلق بمضمون العلم في العهد النبوي:

    وقد جمعتها في ثلاثة ضوابط رأيت أنها مضطردة وشاملة لكل أنواع العلوم:

    أ. الضابط الأول: المضمون الحقيقي للعلم هو المستمد من القرآن الكريم:
    فهو الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد ولذلك لا غرابة أن تتوجه إليه همم الأولياء والعلماء عكوفا على فهمه واستكناها لمضامينه ومعانيه. يقول القرطبي في مقدمة الجامع لأحكام القرآن: "رأيت أن أشتغل به مدى عمري وأستخرج فيه منتي"(8) (جهدي) وهذا ابن تيمية رحمه الله يقول في آخر عمره وهو سجين "فتح الله علي في هذه المرة –أي في سجنه الذي سيموت فيه- من معاني القرآن"(9) وهذا الإمام النورسي يتباهى بتأييد الله لزومه القرآن فهما وعملا، يقول: "إن كان خوفكم عن مسلكي وعن قوتي المعنوية الإيمانية وعن كوني دلالا للقرآن، ألا فلكم النبأ في قوة خمسين مليونا باعتبار المسلك، إذ أتحدى بقوة القرآن الحكيم جميع أوربا وفيها الملحدون"(10) ويقول رحمه الله في يقين لا يضعف وثبات لا يلين: "إن كان لأهل الدنيا حكم وشوكة وقوة فإن خادم القرآن يفيضه، علمه الذي لا يخطئ وكلامه الذي لا يسكت وقلبه الذي لا ينخدع ونوره الذي لا ينطفئ"(11).
    هذه المعاني كانت حاضرة بقوة في العهد النبوي، فتسارع الصحابة إلى حفظ كتاب الله وفهمه والعمل به وكانوا يتهيبون نسيان جزء منه بله نسيانه، فقد روى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كيت وكيت هو أُنسيها استذكروا القرآن فإنه أسرع تفلتا من قلوب الرجال من الإبل من عقلها"(12).
    كان الصحابة رضوان الله عليهم لا يجاوزون الآية حتى يعلموا ما فيها، ويعملوا بها لأنهم علموا وذاقوا فضل الانكباب على كتاب الله فهذا ابن عمر يقول: "أبقى الناس عقولا قرأة –وفي رواية- قراء القرآن"(13) وعن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: "بلغني أن حملة القرآن عرفاء أهل الجنة"(14).
    لذلك فإن هم جند الله في مرحلة القومة وما بعدها يجب أن يجعل من حفظ القرآن والعمل به وتعليمه صلب التربية والتعليم. من محضن الصبيان إلى مدارس الفتيان إلى جامعات الرجال(15) كما قال الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله.

    ب. الضابط الثاني: العلم المطلوب هو المثمر إيمانا وتقوى المحقق لمعنى العبودية لله:
    فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء أو لتماروا به السفهاء أو لتصرفوا به وجوه الناس إليكم فمن فعل ذلك فهو في النار، ولكن تعلموه لوجه الله"(16). وقد أفرد الحافظ ابن عبد البر لهذا الموضوع بابا سماه باب الجبر عن العلم، أنه يفرد إلى الله عز وجل على كل حال وأورد صيغا مختلفة لقولة سفيان الثوري رحمه الله: كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخرة(17).
    وذلك أن مقتضى العلم أن يهدي صاحبه لا محالة إلى معرفة الحق، ولا حق أعظم من معرفة الله عز وجل، قال سيدنا عبد الله بن مسعود: ليس العلم كثرة الحديث، إنما العلم خشية الله(18)؛ ومصداق ذلك في قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، وقد أشار أبو طالب المكي في كتابه "قوت القلوب" وهو يفسر قوله تعالى (الذين أوتوا العلم والإيمان)(19) إلى أن اقتران العلم بالإيمان دليل على أن من أوتي إيمانا ويقينا أوتي علما، كما أن من أوتي علما نافعا أوتي إيمانا، وهذا أحد الوجوه في معنى قوله تعالى (كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه)(20) أي قواهم بعلم الإيمان(21)؛ ولذلك كان الصحابة في العهد النبوي يسارعون إلى التعلم ويعتبرون التعليم جهادا، قال أبو الدرداء رضي الله عنه "من رأى الغدو والرواح إلى العلم ليس بجهاد فقد نقص من عقله ورأيه"(22).

    ج. الضابط الثالث: العلم الحق هو المقرون بالعمل:
    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من علم لا ينفع(23)، ونفع العلم متمثل في دفعه لحامله للعمل بمقتضياته، فقد قرن الله عز وجل العلماء العاملين بمقتضى علمهم بالملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يومرون، فقال تعالى (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط) فشهادة الله تعالى وفق علمه ظاهره التوافق، إذا التخالف محال فشهادة الملائكة على وفق ما علموا صحيحة لأنهم محفوظون من المل وأهل العلم أيضا كذلك من حيث حفظوا بالعلم(24).
    ولقد كانت صفة العمل لصيقة بالعلم في العهد النبوي لدرجة التماهي والتطابق، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يعلمون أن "العلم المعتبر شرعا هو الباعث على العمل الذي لا يخلي صاحبه جاريا مع هواه كيفما كان، بل هو المقيد لصاحبه بمقتضاه، الحامل له على قوانينه طوعا أو كرها"(25).
    من هذا التوجيه النبوي الحاني، يصرف السائل عن الاستفهام عما لا يفيد عملا مكلفا به، وقد أبدع الإمام الشاطبي وأفاد في توضيح هذه المسألة في المقدمة من موافقاته تحت عنوان كل مسألة لا ينبني عليها العمل فالجزم فيها خوض فيما يدل على استحسانه دليل شرعي(26) ويكفي أن أحيل على مرجع فريد في بابه، فيه الغنية والغاية لمن أراد المزية، وهو اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي رحمه الله(27).

    3- المبحث الثاني: معالم وضوابط تتعلق بتلقي العلم وتعلمه:

    لأن العلم في العهد النبوي كان منارا للأمة، وزادا تتقوى به على أعباء الطريق، فقد كان تعلمه مسيجا لمعالم وضوابط تجعله عظيما في نفوس طلبته، مهيبا في خواطرهم ويمكن أن نشير إلى هاته الضوابط كالآتي:

    أ. العلم المؤثل هو المؤسس على صحبة وعمل:
    روى الإمام البخاري ومسلم(28)، واللفظ للبخاري عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: "أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رفيقا، فلما ظن أنا قد اشتقنا أهلنا، سألنا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم"(29). قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله بعد نظر فاحص ودال في هذا الحديث الشريف من الأمور التعليمية ارتحال الشباب جماعة إلى العالِم ليتلقوا منه العلم، وليأخذوا عنه الفقه في الدين، وليصطحبوه فترة من الزمن، فيشهدوا منه سلوكه وهديه وعمله، فتستنير بذلك أفهامهم بقربهم منه وملازمتهم له، ويأخذوا العلم مصحوبا بالعمل به فيكون أوضح في نفوسهم وأطيب في سلوكهم كما كان صحابة النبي صلى الله عليه وسلم معه. وقد قرر الإمام الشاطبي في موافقاته أن للعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات منها: أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم وملازمته لهم فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك وهكذا كان شأن السلف الصالح فأول ذلك ملازمة الصحابة رضي الله عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخذهم بأقواله وأفعاله واعتمادهم على ما يرد منه كائنا ما كان وعلى أي وجه صدر ... وصار مثل ذلك لمن بعدهم فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى فقهوا ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية، وحسبك –والكلام دائما للإمام الشاطبي- من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالما اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك وقلما وجدت زائغة ولا أحدا مخالفا للسنة إلا وهو مفارق لهذا الوصف"(30).
    إن فائدة الصحبة عظيمة لا ينكرها إلا من فقد طعمها، فقسا منه القلب، وتصلب منه الوجدان، فكم من مسألة يقرؤها المتعلم في كتاب ويحفظها، ويرددها على قلبه فلا يفهمها، فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة، وحصل له العلم بها بالحضرة، وهذا الفهم يحصل بأمر غير معتاد، ولكن بأمر يهيبه الله المتعلم عند مثوله بين يدي المعلم ظاهر الفقر، بادي الحاجة إلى ما يلقى إليه، ويعلق الإمام الشاطبي مستطردا بقوله: "وهذا ليس بمستنكر"(31).
    لنستمع إلى الإمام الشافعي رحمه الله وهو يقول: "من تفقه من بطون الكتاب (والأظهر أنه الكتب) ضيع الأحكام"(32) وكان اعتماد السلف يقولون: كمن أعظم البلية تشييخ الصحيفة "أي جعلها شيخا يتلقى عنه منها ويكتفي بها"(33).

    ولذلك قال الإمام ابن جماعة رحمه الله ينبغي لطالب العلم أن لا يخالط إلا من يفيده أو يستفيد منه، فإن تعرض لصحبة من يضيع عمره معه ولا يفيده ولا يستفيد منه، فليتلطف في قطع عشرته من أول الأمر قبل تمكنها، فإن الأمور إذا تمكنت عسرت إزالتها، فإن احتاج إلى من يصحبه فليكن صاحبا صالحا ديِّنا تقيا ورعا، ذكيا كثير الخير قليل الشر حسن المداراة قليل المماراة، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإن احتاج واساه وإن ضجر صبره(34).

    ب. هم طالب العلم: الفهم لا الترف العلمي الزائد:
    فقد عنون الإمام البخاري رحمه الله الباب الرابع بعد العشرة من كتاب العلم "باب الفهم في العلم" وعلق الحافظ ابن حجر بقوله "فالفهم فطنة يفهم بها صاحبها من الكلام ما يقترن به من قول أو فعل، وقد بكى أبو بكر رضي الله عنه عندما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وقد أزفت ساعة موته "إن عبدا خيره الله" وقال رضي الله عنه: فديناك بآبائنا، فتعجب الناس وكان أبو بكر أعلمنا به(35)، وقد نص كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري على ضرورة إعمال الفهم في القضايا المستعجلة، إذ كان هذا دأبهم في عهده صلى الله عليه وسلم، فقال: الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك ما لم يبلغك في الكتاب أو السنة، اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس عند ذلك، فاعمد إلى أحبها عند الله وأشبهها بالحق فيما ترى فإن ذلك أجلى للعمى وأبلغ في الفهم".(36)
    وأختم هذا المبحث بالتعريج سريعا على معالم هادية وضوابط حاكمة وسمت تلقي العلم على العهد النبوي الشريف:
    - الإخلاص في طلب العلم: ففي الحديث "بل قرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار".
    - البعد عن المعاصي، قال بشر بن الحارث: "إذا أردت أن تلقن العلم فلا تعص"(37).
    - توقير العلماء ومجالس العلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: "من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب"(38) وقد روى الخطيب البغدادي عن الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله قالا: إن لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي(39) وقال الشافعي كنت أتصفح الورقة بين يدي مالك صفحا رقيقا هيبة لئلا يسمع وقعها(40).
    - الابتعاد عن كثرة الجدل لقوله صلى الله عليه وسلم: "ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل"(41).
    - الصبر على طلب العلم، فقد بلغ إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنه وجود حديث عند عبد الله بن أنيس الأنصاري رضي الله عنه، فارتحل إليه مسيرة شهر حتى قدم الشام ليستمع منه الحديث الذي سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم(42).
    - كثرة السؤال ولو فيما يستحيى منه لقوله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(43) ولقد ورد في الحديث الذي رواه عبد الله بن عباس، أن رجلا شج في سفر ثم احتلم فقيل له ما نجد لك من رخصة، فاغتسل فمات، فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال" والعي قصور الفهم(44)، ولم يكن يمنع الصحابة رضوان الله عليهم عن سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ولو كان مما يستحيى منه قالت عائشة رضي الله عنها "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين"(45).
    - الصدق والأمانة لقوله صلى الله عليه وسلم: "تناصحوا في العلم، فإن خيانة أحدكم في علمه، أشد من خيانته في ماله وإن الله سائلكم يوم القيامة"(46).
    - اغتنام الوقت وفترة الشباب لفراغ العقل عن الشواغل، فقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان "من أبي الدرداء إلى سلمان يا أخي اغتنم صحتك وفراغك من قبل أن ينزل بك من البلاء ما لا يستطيع أحد من الناس رده عنك"(47).
    - مذاكرة العلم خشية نسيانه فعن علي رضي الله عنه قال تزاوروا وتدارسوا الحديث ولا تتركوه يدرس(48).

    4- المبحث الثالث: معالم وضوابط تتعلق بتلقين العلم وتعليمه في العهد النبوي الشريف:

    لمعرفة هذه المعالم، لا مندوحة لنا من الانكباب على كتب الحديث، فمن خلالها نتعلم هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في التلقين والتعليم، فلا ضوابط أرجى عندنا ولا معالم أسمى، إلا ما كان يجري على في رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحت سمعه وبصره من وسائل وطرق نكتفي بذكر أهمها كالآتي:

    1. نشر العلم وعدم احتكاره لقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته)(49) ولقوله عليه السلام: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"(50) قال الحافظ ابن حجر شارحا لا شك أن الجامع بين تعلم القرآن كمثل لنفسه ولغيره بين النفع القاصر والنفع المتعدي، ولهذا كان أفضل(51).

    2. العلم الراسخ هو ما أتى عن قدوة عظيم الخلق، فمن كلام عمرو بن العاص إلى ملك عمان: "لقد دلني على هذا النبي الأمي: أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وإنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يهجر، أي لا يقول الكلام القبيح، وأنه يفي بالعهد، وينجز الوعد، وأشهد أنه نبي"(52).
    فكان أن صار هذا الملك صحابيا جليلا.

    3. التدرج في التعليم فعن ابن مسعود رضي الله عنه: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات ولم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن".

    4. الاعتدال في العلم والبعد عن الإملال فقد كان عليه السلام يتخول صحابته بالموعظة والعلم كي لا ينفروا(53) ومخافة السآمة عليهم في الحديث.

    5. مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين: فقد كان عليه السلام يخاطب كل واحد بقدر فهمه، وبما يلائم منزلته، وكان يحافظ على قلوب المبتدئين، وكان يجيب كل سائل عن سؤاله بما يهمه(54) ويناسب حاله، ويوصي كل مستوص بما يعالج حاله، فمرة يوصي السائل بتقوى الله وأخرى بعدم الغضب، ومرة بذكر الله، أو الاستقامة وكف اللسان عن النميمة، ومثل هذا في السنة كثير.

    6. اعتماد الحوار والمساءلة والموازنة العقلية، كما في حديث المفلس، وحديث جبريل عن مراتب الإسلام وحديث الشاب الذي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الزنى.

    7. التعليم بالتشبيه وضرب الأمثال: كتشبيهه صلى الله عليه وسلم للمؤمن بالأترجة(55) ولنفسه بالغيث(56) والمنافق بالشاة الحائرة بين غنمين، لا تدري أيهما تتبع(57)، إضافة إلى حديث السفينة المعروف(58).

    8. توجيه المتعلمين إلى تعلم اللغات: روى البخاري (59) والترمذي واللفظ له عن "خارجة بن زيد بن ثابت" عن أبيه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم له كلمات من كتاب يهود، وقال إني والله ما آمن يهود على كتابي، قال: فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له قال: تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه الأعمش عن ثابت بن عبيد، عن زيد بن ثابت يقول: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم السريانية".

    إضافة إلى ذلك فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتمد أساليب نعتبرها معالم هادية للمعلم في تدريسه، وللفقيه في فتواه، وهي تندرج في ما يصطلح علماء التربية عليه اليوم بـ"ديداكتيك المواد" أي تقنيات وطرق تدريسها، ومن ذلك:
    - تعليمه صلى الله عليه وسلم بالرسم على الأرض والتراب.
    - جمعه صلى الله عليه وسلم بين القول والإشارة في التعليم.
    - تعليمه صلى الله عليه وسلم برفع المنهي عنه بيده تأكيدا لحرمته.
    - ابتداؤه صلى الله عليه وسلم بالإفادة دون سؤال من الصحابة الكرام.
    - جوابه صلى الله عليه وسلم بأكثر مما سأل عنه رعاية لحاجته.
    - لفته صلى الله عليه وسلم السائل إلى غير ما سأل عنه لحكمة بالغة.
    - استعادته صلى الله عليه وسلم السؤال من السائل لإيفاء بيان الحكم.
    - تفويضه صلى الله عليه وسلم الصحابي بالجواب عما سئل عنه ليدربه.
    - امتحانه صلى الله عليه وسلم بشيء من العلم ليقابله بالثناء عليه إذا أصاب.
    - تعليمه صلى الله عليه وسلم بالسكوت والإقرار على ما حدث أمامه.
    - انتهازه صلى الله عليه وسلم المناسبات العارضة في التعليم.
    - تعليمه صلى الله عليه وسلم بالممازحة والمداعبة.
    - إمساكه صلى الله عليه وسلم بيد المخاطب أو بمنكبه لإثارة انتباهه.
    - إبهامه صلى الله عليه وسلم لحمل السامع الكشف عنه للترغيب فيه أو الزجر عنه، مثلا قوله: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة".
    - إجماله صلى الله عليه وسلم الأمر ثم تفصيله ليكون أوضح وأمكن في الحفظ والفهم.
    - تعليمه صلى الله عليه وسلم بالوعظ والتذكير والترغيب والترهيب والقصص وأخبار الماضين.
    - اكتفاؤه صلى الله عليه وسلم بالتعريض والإشارة في تعليم ما يستحيي منه.
    - غضبه وتعنيفه صلى الله عليه وسلم إذا اقتضى الحال ذلك.


    6- خاتمة:

    0000FF

    عن موقع جماعة العدل والاحسان:www.aljamaa.com

  2. #2
    الهوامش:
    (1) "النهاية في غريب الحديث والأثر" ص 292/ج3.
    (2) "مختار الصحاح" لأبي بكر الرازي ص 452.
    (3) إبراهيم مصطفى وآخرون: ص 630/1.
    (4) الأضبط هو الذي يعمل بيديه جميعا. والضابط القوي على عمله ج3/ص72 ابن الأثير.
    (5) القواعد الفقهية: ص58 الباحسين.
    (6) شرح القواعد الفقهية: ص33 الزرقا.
    (7) نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء: ج5/ص51 الروكي.
    (8) المقدمة.
    (9) ابن تيمية. محمد يوسف موسى ص 140.
    (10) مجموعة المكتوبات من رسائل النورسي ص120.
    (11) نفسه ص121.
    (12) قال ابن رشد الجد: حديث صحيح. أخرجه البخاري ص693/1.
    (13) "مسائل أبي الوليد ابن رشد" ص689 تحقيق الحبيب التجكاني.
    (14) نفس المرجع.
    (15) "المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا" الأستاذ عبد السلام ياسين. بتصرف ص213.
    (16) "كيف تكون فقيها" للخطيب البغدادي ص140.
    (17) ص237.
    (18) ابن عبد البر: "جامع بيان العلم وفضله" ص240.
    (19) الروم الآية 55.
    (20) المجادلة 22.
    (21) السيوطي: الرد على من أخلد إلى الأرض، وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض" ص119.
    (22) "العلم رفعة وخشية" يوسف علي بديوي ص33.
    (23) انظر صيغ الحديث في ص192 ابن عبد البر: "جامع بيان العلم وفضله".
    (24) "الموافقات في أصول الشريعة" الشاطبي ص49/ج1.
    (25) نفسه ص37.
    (26) نفسه ص31.
    (27) انظر خاصة: باب التغليظ من ترك العمل بالعلم، من ص46 إلى ص 63.
    (28) البخاري ج2/ص93 كتاب الآذان للمسافرين. ومسلم ج5/ص74 – كتاب المساجد: من أحق بالإمامة؟
    (29) أبو غدة: "الرسول المعلم وأساليبه في التربية والتعليم" ص22.
    (30) الموافقات للشاطبي ج1/ ص65 و66 و67.
    (31) نفسه ص67.
    (32) آداب طالب العلم / ص84: أنيس أحمد كرزون.
    (33) نفسه.
    (34) نفسه ص 124-125.
    (35) فتح الباري، بتصرف يسير/ص219.
    (36) سنن الدارقطني ج4/ص206.
    (37) "آداب طالب العلم" ص39.
    (38) رواه البخاري في الرقاق، باب التواضع ج7/ص190.
    (39) "آداب طالب العلم" ص52.
    (40) "الآداب الإسلامية" ص57.
    (42) "آداب طالب العلم" ص70.
    (43) النحل الآية 43.
    (44) رواه أبو داود في الطهارة رقم 336 وابن ماجة 572.
    (45) رواه الطبراني في الكبير. قال في مجمع الزوائد: "فيه أحد الرواة مختلف فيه وبقية رجاله ثقات" ج1/ص146.
    (46) نفس المصدر.
    (47) آداب طالب العلم وقد نقله عن الخطيب البغدادي ص108.
    (48) نفس المصدر ص116.
    (49) الآية 67 المائدة. التبليغ بصيغه المختلفة ورد مرة في القرآن الكريم.
    (50) البخاري ج6/ص108.
    (51) فتح الباري ج9/ص76 نقلا عن آداب طالب العلم ص96.
    (52) "الرسول المعلم.." أبو غدة /ص66.
    (53) انظر البخاري ج1/ص162 ومسلم ج17/ص163.
    (54) أبو غدة ص81.
    (55) رواه أبو داود في كتاب الأدب ج4/ص357.
    (56) انظره في البخاري ج1/ص175 كتاب العلم.
    (57) النسائي ج8/124 كتاب الإيمان وشرائعه.
    (58) رواه البخاري باب الشركة ج5/ص132.
    (59) البخاري في كتاب الأحكام باب ترجمة الكلام ج13/185. والترمذي ج4/ص167 في كتاب الاستئذان والآداب، باب في تعليم السريانية.
    (60) انظر تفصيل ذلك في "الرسول المعلم وأساليبه في التعليم" عبد الفتاح أبو غدة.
    (61) رواه ابن عبد البر، وأبو نعيم موقوفا على معاذ، ورفعه بعضهم، ولا يصح قال ابن القيم: وحسبه أن يصل إلى معاذ.

+ الرد على الموضوع

المواضيع المتشابهه

  1. دعاء
    بواسطة الناظورى في المنتدى ركن السلوك والآداب
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 17-03-2010, 08:00 PM
  2. مشاركات: 17
    آخر مشاركة: 23-02-2010, 08:58 AM
  3. جنازة السيد العلامة محمد علوي المالكي في الصحف السعودية
    بواسطة عاشق الأخضر في المنتدى الركن العام
    مشاركات: 23
    آخر مشاركة: 11-09-2009, 03:18 AM
  4. الفوائد المكية للعلامة الكبير السقاف ...يامعشر الشافعية
    بواسطة الهيتمي في المنتدى ركن طلبة العلم الشريف
    مشاركات: 20
    آخر مشاركة: 08-03-2008, 08:39 AM
  5. حلق العلم.. ودورها في تخريج العلماء الذين نبحث عنهم
    بواسطة ابو القاسم في المنتدى ركن طلبة العلم الشريف
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 26-11-2004, 12:08 AM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك