+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 17 من 29

الموضوع: الشيخ محيي الدين بن عربي ومذهبه في الحب ( محاورة )

  1. #1

    الشيخ محيي الدين بن عربي ومذهبه في الحب ( محاورة )

    بسم الله الرحمن الرحيم

    شـاعر دينـه …الحـبّ
    بقلم : نصر الدين البحرة



    عرفت اسمه منذ الطفولة، ذاك أن أحد خطوط الحافلات الكهربائية في دمشق، كان ينتهي على بعد أمتار من المسجد الذي يحمل اسمه. وسمعت بعض الكبار يتحدثون عنه ويلهجون بالثناء عليه. ثم كان أن قرأت لمعا من أخباره.. ولكن هذا كله لم يكن شيئاً إذا وضع في كفة ميزان، يعادل الرحلة الطويلة البعيدة التي أخذتنا فيها الدراسة الأكاديمية نحو شواطئه.

    ذاكم هو محمد بن علي أبو بكر الحاتمي الطائي الأندلسي. المعروف بمحيي الدين بن عربي والملقب بالشيخ الأكبر. وهو في الحقيقة ذلك الفيلسوف العربي العظيم الذي ولد في "مرسية". وليس في مورسيا كما ذكر خطأ- في الأندلس في أواسط القرن الميلادي الثاني عشر 1165، ثم انتقل إلى أشبيلية، حيث كان أجداد ابن خلدون- ولم يلبث أن قام برحلة طويلة انتهت به إلى دمشق فأحبها وأحبته وأقام فيها بقية أيام حياته. وكان حب الناس له فيها، وتعلقهم بذكره وذكراه حتى الآن، خير شاهد على أنها تظل عاصمة لعرب، في كل زمان.

    لم تكن حياة محيي الدين بن عربي قصيرة ذاك أنه عاش خمساً وسبعين سنة حافلة. وفي مثل تلك الأيام التي تكلم وتصرف وكتب فيها، لم يكن هيّناً اتخاذ المواقف، كما نقول الآن.. كانت حادثة بسيطة يسيء فهمها عامة الناس، ويستغلها الأوباش المرتزقة، تكفي.. لا، لتعكير حياة رجل كبير مثل ابن عربي فحسب، بل.. لإراقة دمه وقتله، على هذا النحو أو ذاك، مثلما حدث مع الحلاج، ومثلما كان يمكن أن يحدث للشيخ الأكبر في القاهرة لولا أن سعى أحد الكرام فأنقذه من محنته فنجا، ثم غادر…

    ابن عربي في الزمن الصعب :

    المذهل أن الشيخ محيي الدين، في ذلك الزمن الصعب الذي كان، والصليبيون ما يزالون في أجزاء من بلادنا، وإن كانوا قد تلقوا تلك الضربة القاصمة على يدي الناصر صلاح الدين في حطين.. في تلك الأيام التي وصلت فيها الثقافة العربية إلى أسوأ أيامها، والجهل شيء مخيف مرعب في الشارع، كان عليه أن يقرأ وأن يتكلم وأن يكتب.. فماذا كتب..

    يقول خير الدين الزركلي في الأعلام إنه كتب نحو أربعمئة كتاب ورسالة، فإذا استعرضنا ما يمكن الوقوف عنده منها، كان لنا أن نتساءل من جهة، هل كان هذا الرجل موسوعة؟ وكان لنظرنا أن يلتفت من جهة ثانية إلى هذه السمة الخاصة التي ميزت فكره وزانت حياته وتجلت في مؤلفاته. فكأنه كان مقيداً ذلك التقيّد –الحر الجميل الذي ينبع من داخل، بما يسميه المفكرون الآن مذهباً، إن كانت هذه ترجمة مقبولة للكلمة.

    ماذا قالت قطرة المطر:

    وحدة الوجود.. حسناً. إنها هذه النظرة الشاملة إلى الله ومخلوقاته، الإنسان والكون، كل ما فيه يسبّح باسمه ويشهد بجماله. وهل جمال الموجودات إلا صورة من جمال الموجد؟ لقد كان الشيخ أكثر من قانع مؤمن بهذه النظرة الشاملة، ذاك أنه كان يذهب في أحيان كثيرة إلى حدود الانفعال الصادق. ومن هذا القبيل ما يروى عنه. حين مر يوماً بميزاب تتقطر منه نقاط بعد مطر في إيقاع التقطه الشيخ، فرأى فيه القصة كاملة، ذاك أن القطرة الواحدة حين تصطدم بالماء المتجمع تحت الميزاب كانت تقول: الله.. الله..

    هكذا سمع ابن عربي.

    وانظر إلى هذه الأسماء التي تغلفها النزعة الشاعرية الصوفية معاً، وهل يمكن أن يكون تصوف دون شعر، وهل يمكن فصل الشعر عن روح التصوف، مهما يبعد به المزار عن شاطئ المتصوفة: الوعاء المختوم.. درر السرّ الخفي، الأنوار، شجرة الكون، اللمعة النورانية، فتح الذخائر والأغلاق، شرح ترجمان الأشواق، عنقاء مغرب. فصوص الحكم.. شقّ الجيب.. الخ...

    أراد الشيخ الأكبر في ذلك العصر التعيس أن يوقظ الناس، على طريقته الحبيبة الرحبة الواسعة كصدره. أحب أن يقول لهم: دعكم من ظواهر الأمور وسطوحها وقشورها. انتبهوا إلى الجواهر، وهناك إذا شئتم تقدرون أن تتوغلوا أو تتغلغلوا.

    مكمن الإيمان الحقيقي :

    كان في وده أن ينبههم إلى أن الإيمان الحقيقي، يمكن أن يكون في ذلك الخافق الصغير، بعيداً عن الشكليات، ولعله كان يصلي صلاة ربما اختلفت عن صلاة المؤمنين في المسجد، حين راح يترنم ويتواجد وهو يسمع اسم الله ، في نقاط الماء المتقطرة.

    وبالدرجة ذاتها كان ينكر على أولئك اللاهثين وراء العَرَض الزائل مساعيهم الخائبة، ومن هنا كان احتقاره المرير لتلك النزعات المادية لدى بعضهم بالمعنى المبتذل لهذه الكلمة: المادية. وفوق هذا وذاك أعلن الشيخ محيي الدين الحب، راية له وغاية. به يصل إلى فهم أسرار الكون ويقدر أن يمسك هذا الخيط الناعم الخفي الذي يشد المخلوقات والكائنات، إلى بعضها بعضاً، ويستطيع أن يتجاوز ما هو آني وظاهري، ويتعالى على السفاسف والصغائر والهنات. وها هو ذا يشرح مبادئه الجميلة أي شرح:



    لقد صار قلبي قابلاً كل صورةٍ=فدير لرهبان ومأوى لغزلانِ
    وترتيل إنجيلٍ وترنيم كعـبةٍ=ومصحف توراة وآيات قرآنِ
    أدين بدين الحب آنّى توجهت=ركائبهُ فالحب ديني وإيماني

    1
    2
    3 لقد صار قلبي قابلاً كل صورةٍ فدير لرهبان ومأوى iiلغـزلانِ
    وترتيل إنجيلٍ وترنيـم iiكعبـةٍ ومصحف توراة وآيات iiقرآنِ
    أدين بدين الحب آنّى iiتوجهت ركائبهُ فالحب ديني iiوإيمانـي



    بلى، إن المستشرق الإسباني خوسيه لويس كاميرى، قد تلقى جيداً رسالة ابن عربي، ولولا ذلك فما الذي كان يمكن أن يحمله على إرسال تلك الحفنة من تراب "مرسية" مسقط رأسه إلى دمشق.. حيث كانت خفقة قلبه الأخيرة؟ أليس هذا هو المبدأ الأول في ديانة الحب؟

    ابن عربي.. شاعراً :

    لم يكن بدعاً أن تتفتح سليقة الشيخ محيي الدين بن عربي الشعرية، وهو يعيش بين أكناف تلك الطبيعة الأندلسية الساحرة "فقد أحاطت بها المياه من أعظم جوانبها، وتمتعت بتربة خصبة صالحة، لما نما فيها من أشجار باسقة وأزهار متفتحة وثمار يانعة. وتعددت فيها الأنهار التي من أهمها النهر الكبير، ونهر تاجة. وذلك إلى جانب ما يوجد فيها من جبال متدرجة، تثمر على سطوحها مختلف الزروع وشتى الثمار(1)."

    فإذا أضفنا إلى ذلك صدق انتمائه العربي وصفاء نجاره فهو "الحاتمي الطائي" بإجماع كتّاب سيرته، سهل علينا معرفة تهيؤ الفرصة لظهور موهبته الشعرية. ولا يغيب عن البال أن ما زودته به فطرته النقية من إحساس مرهف وانفعال صادق، ونظرات ذكية فاحصة متأملة إلى كل ما يقع تحت بصره، وسمعه أيضاً، كان خير زاد لتغذية الموهبة عنده، مرفودة بمَنْ تتلمذ على أيديهم، من علماء وأدباء، ومَنْ عاشرهم من شعراء وقراء "فأستاذه في القراءات" أبو القاسم الشراط" كان بصيراً باللغة وآدابها، وله حظ من قرض الشعر. وأستاذه "أبو محمد عبد الحق الإشبيلي" كان أديباً وشاعراً. من شعره:




    إن في الموت والمعاد لشغلا= لأولي الدين والنهى وبلاغا
    فاغتنم خطتين قبل المنايا=صحة الجسم ياأخي والفراغا

    1
    2 إن في الموت والمعاد iiلشغلا لأولي الدين والنهى وبلاغـا
    فاغتنم خطتين قبل iiالمنايـا صحة الجسم ياأخي والفراغا



    وشيوخه في التصوف كان أغلبهم أدباء فنانين، لهم الباع الطويل في فنون النظم والنثر، ومن بينهم "المارتلي" و"أبو مدين" وكلاهما له أدب جيد رفيع"(2) .

    كتب قرأها ابن عربي:

    وكان الشيخ الجليل قارئاً نهماً، ذكر في مقدمة كتابه "محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار.." كثيراً من الكتب التي قرأها، وبينها في فنون الأدب الكتب التالية: "الأماني".. لأبي المعالي البغدادي نزيل قرطبة. و"ريحانة العاشق" لأبي القاسم المسور و"روضة الأنس" لأبي زيد السهيلي، و"الكامل" للمبرد. و"زهر الآداب".. للحصري و "المحاسن والأضداد" للجاحظ و"معاناة العقل" للحلوي و"الحماسة" لأبي تمام.. وسوى ذلك.

    وكان هذا بين ما رشحه لتولي منصب "كتابة الإنشاء" في ديوان إشبيلية في شبابه.

    وكانت لابن عربي مشاركات طيِّبة في مجالس الأدب. من ذلك مثلاً ما يرويه عبد العزيز سيد الأهل(3)، فقد أنشد بعض المتصوفة ابن عربي بيتاً مفرداً هو:


    كل الذي يرجو نوالك أمطروا=ما كان برقك خُلَّباً إلاّ معي

    فكتب الشيخ محيي الدين أبياتاً ضمَّنها هذا البيت:




    قِف بالطلول الدراسات بلعلعِ=واندب أحبّتنا بذاك البلقعِ
    قِف بالديار وناجها متعجـباً=منها بحُســنِ تلطُّفٍ وتفجــعِ
    عهدي بمثلك عند بانك قاطعاً= ثمرالخدود وورد روضٍ أيـنعِ
    كل الذي يرجو نوالك أُمطروا= ما كان برقك خلباً إلا معـي
    قالت: نعم، قد كان ذاك الملتقى=في ظل أفناني بذاك الموضعِ(4)

    1
    2
    3
    4
    5 قِف بالطلول الدراسات iiبلعلـعِ وانـدب أحبّتنـا بـذاك البلقـعِ
    قِف بالديـار وناجهـا iiمتعجبـاً منها بحُسـنِ تلطُّـفٍ iiوتفجـعِ
    عهدي بمثلك عند بانك iiقاطعـاً ثمرالخدود وورد روضٍ iiأينـعِ
    كل الذي يرجو نوالك iiأُمطـروا ما كان برقك خلبـاً إلا iiمعـي
    قالت: نعم، قد كان ذاك iiالملتقى في ظل أفناني بذاك الموضعِ(4)



    ابن عربي.. وملكة الملاحظة :

    وكان ابن عربي منطوياً على ناقد متمتع بملكة ملاحظة ممتازة. وفي كتابه "محاضرة الأبرار" لمع تشير إلى ذلك، من ذلك مثلاً نقده قول شاعر في الجود:




    فتى عاهد الرحمن في بذل ماله= فلستَ تراه الدهر إلا على العهدِ
    فتى قصَّرت آماله عن فعاله=وليس على الحُرِّ الكريم سوى الجهدِ

    1
    2 فتى عاهد الرحمن في بـذل iiمالـه فلستَ تراه الدهر إلا علـى iiالعهـدِ
    فتى قصَّـرت آمالـه عـن iiفعالـه وليس على الحُرِّ الكريم سوى الجهدِ



    يقول الشيخ محيي الدين معلقاً:



    "هذا المديح أقرب للديانة من الكرم، فإنما عطاؤه من أجل الوفاء بعهده مع الله، حتى لا يكون من الذين ينقضون عهد الله. والكريم سجيته الكرم، فلا يحتاج إلى القسم عليه إلا لعلة نفسه. فما وفى هذا الشاعر مدح هذا في الكرم ما تصور له في خاطره، فهذا اللفظ دون ما في القصد."

    ويجيء تعليقه تارة أخرى، شعراً. فهو يختار من "جيد" شعر غيره قول القائل:

    لئن ساءني أن نلتني بإساءة ...لقد سرني أني خطرت ببالكا

    فيقول: وأحسن منه لو قال ما قلنا:

    لئن سرّني أن نلتني بمساءة ...فما كان إلا أن خطرت ببالكا

    لأن الأول قد أقر بأنه أساء، ثم اعتذر.

    ويذكر من "أحسن الشعر" قول آخر في الشكوى

    فالليل إنْ وصلت كالليل إن هجرتْأ...شكو من الطول ما أشكو من القصر

    معلقاً بقوله: أحسن منه ما قلنا:

    شغلي بها بالليل أو هجرت ... فما أبالي أطال الليل أم قصرا

    ثم يستطرد: "فإن الأول شغله بطول الليل وقصره من أجلها، فهو فاقد لها في زمن الاشتغال بغيرها.

    والثاني شغله بها ومن سواها تبع"(5)


    وحدة الوجود والحب الإلهي في مؤلفاته :

    ترك ابن عربي مؤلفات كثيرة، فقد كان غزير الإنتاج في مختلف مجالات الإبداع، من منظوم ومنثور، وإن تكن تصب جميعاً في مذهبه الفلسفي الصوفي في "وحدة الوجود" و"الحب الإلهي" وفيها أعماله الشعرية، وبينها "الديوان الأكبر" وديوان الأشواق، وديوان المرتجلات، والقصيدة التائية وقصيدة في المناسك. وترجمان الأشواق وشرحه عليه المسمّى: ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق.

    أغراضه الشعرية :

    على الرغم من أن شعر ابن عربي يدور في معظمه حول المعاني الصوفية، كما يحب هو أن يؤكد عامة، ولا سيما في مقدمة شرحه "ترجمان الأشواق" إلا أن فيه قصائد يمكن أن توصف بأنها اجتماعية. من ذلك مثلاً هذان البيتان اللذان وردا في إجابة سؤال سأله بعض أصحابه إياه:

    كيف حالك مع أهلك؟ فأجاب:




    إذا رأى أهل بيتي الكيس ممتلئاً= تبسمت ودنت مني تمازحني
    وإن رأته خلياً من دراهمه=تكرهت وانثنت عني تقابحني (6)

    1
    2 إذا رأى أهل بيتي الكيس iiممتلئـاً تبسمت ودنـت منـي تمازحنـي
    وإن رأته خليـاً مـن iiدراهمـه تكرهت وانثنت عني تقابحني (6)



    ولم يقتصر موقفه من مسألة "المال" على أهل بيته فحسب، بل كان أشمل من ذلك. وعلى الرغم من كرمه وزهده المعروفين، فإنه رأى أن المال هو عصب الحياة، وإن يكن ينصح "أن يكون الإنسان غنياً بالله لا بالمال":



    بالمال ينقاد كل صعب ... من عالم الأرض والسـماءِ
    يحســـبه عالم حجـاباً... لم يعرفوا لذة العـطاء
    لولا الذي في النفوس ... منهلم يُجب الله في الدعاء
    لا تحسب المال ما تراه... من عسجد مشـرق الضــياء
    بل هو ما كنت يا بيّ ... يبه غنــياً عن الســـواء
    فـكن برب العلا غنيـاً... وعامل الخلق بالـوفــاء (7)



    ويتصل بهذا الموقف نظرته في الزهد:

    لا تندمنَّ على خير تجود به... وإن أغاظك من تعطيه واقترفا
    فالله يرزق من يعطيه نعمته ... سواء أنكرها كفراً أو اعترفا

    ويدخل في هذا الباب "الاجتماعي" رأيه في الإخلاص في العمل والبعد عن الرياء:

    إن كنتَ لي أكون لكْ ... ماأنت لي ماأنا لكْ
    فاصغ إلى قولي تجد... صحة ما قد قلتُ لــك
    ولتلتزم طريقــتي ... واجهد وخلص عمـــلك
    تنـل بـما جئت به ... من كل خير أملــــك (8)


    وكتب ابن عربي في وصف الطبيعة. وقد أورد في "محاضرة الأبرار" أبياتاً لأبي علي بن شبل في وصف الربيع عارضها بقوله:

    أما ترى الروضة الغناء تضحك ...إذ جادت على الأرض بالأزهار أنواءُ
    تبسم الأرض إذ تبكي السماء فهل... بين السماء وبين الأرض شحناءُ
    والأرض تأبى الذي قالته والماءُ ... لا والذي بضروب الزهر أضحكها

    وعلى الرغم من أنه شغل في كثير من شعره بالتصوف، إلا أن بين شعره أبياتاً نكاد نرى أنها انصرفت إلى المعاني الحسية. ولو أنها كانت بالفعل كذلك، لرأينا أنها "صورت كل ما يمكن تصويره من ألم البعد والفراق إلى جانب التحسر على جمال المحبوب الذي اصطبغت وجنته بحمرة الخجل"9-

    وللحديث بقية وسنكمل بمشيئة الله تعالي

  2. #2

    تابع - الشيخ محيي الدين بن عربي ومذهبه في الحب ( محاورة )

    9-

    يقول الشيخ محيي الدين في "ترجمان الأشواق":




    غادروني بالأثيل والنقا= أسكب الدمع وأشكوالحُرَقا
    بأبي مَنْ ذبتُ فيه كمدا = بأبي مَنْ مـتُّ فيه فــرقا
    حمرة الخجلة في وجنته = وَضَح الصبح يناغي الشفقا
    قوّض الصبرُ فطنّب الأسـى = وأنا ما بين هذين لــقى
    مَنْ لبَثّي مَنْ لوجدي؟ دلّني!= مَنْ لحزني مَنْ لصبٍ عشقا
    كلما ضنت تباريح الهوى =فضح الدمع الهوى والأرقا

    1
    2
    3
    4
    5
    6 غادروني بالأثيـل iiوالنقـا أسكب الدمع iiوأشكوالحُرَقـا
    بأبي مَنْ ذبتُ فيـه iiكمـدا بأبي مَنْ مـتُّ فيـه فرقـا
    حمرة الخجلة في iiوجنتـه وَضَح الصبح يناغي iiالشفقا
    قوّض الصبرُ فطنّب iiالأسى وأنا ما بيـن هذيـن iiلقـى
    مَنْ لبَثّي مَنْ لوجدي؟ دلّني! مَنْ لحزني مَنْ لصبٍ iiعشقا
    كلما ضنت تباريح iiالهـوى فضح الدمع الهوى iiوالأرقا


    (10)


    وعلى الرغم من إشاعته جواً من "وحدة الوجود" الصوفية وأطيافها في بعض شعره، فإن معاني "الحب الحقيقي" تنم عن نفسها فيه. وهذا ما يتجلى، على نحو خاص في ما كتبه في "محاضرة الأبرار" بل إنه يصرّح هنا أخيراً باسم حبيبته النظام:




    إن الهوى ما أنا للحب حامله = والحلم للحب في الأشخاص ليس لنا
    مثل الصفات لدى قوم أشاعـرة =فلا الهوى هو غيري لا ولا هو أنا
    إن الهوى وأنا بالعـين متـحد = فإن أمت فيه وجداً، أوْ أعش، نحبنا
    لولا الجمال الذي بالحب كلفنا = لم يُهلك الوجدُ قلب الصب والبدنا
    إن النظام لتدري ما أفـوه به =وقد أشرت إليه مرة "بمنى"(11)

    1
    2
    3
    4
    5 إن الهوى ما أنـا للحـب iiحاملـه والحلم للحب في الأشخاص ليس لنا
    مثل الصفات لدى قـوم iiأشاعـرة فلا الهوى هو غيري لا ولا هو iiأنا
    إن الهـوى وأنـا بالعيـن متحـد فإن أمت فيه وجداً، أوْ أعش، iiنحبنا
    لولا الجمال الـذي بالحـب iiكلفنـا لم يُهلك الوجدُ قلب الصب iiوالبدنـا
    إن النظام لتـدري مـا أفـوه iiبـه وقد أشرت إليه مرة ii"بمنـى"(11)




    وفي شرح ابن عربي "ترجمان الأشواق" كتب مقدمة ضافية تحدث فيها عن نزوله "مكة" المكرمة سنة 598هـ، حيث عرف "الشيخ العالم الإمام بمقام إبراهيم عليه السلام، نزيل مكة البلد الأمين مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم ابن أبي الرجا الأصفهاني، رحمه الله تعالى وأخته المسنة العالمة شيخة الحجاز فخر النساء بنت رستم" (12)

    ثم يصف ابنة الشيخ (النظام) :

    ويطنب في الحديث عن هذا العالم الفاضل وأخته فخر النساء التي اعتذرت عن لقائه، كما يذكر، وكان يريد "أن يسمع عليها وذلك لعلوّ رايتها"، لكنها "أذنت لأخيها أن يكتب لنا نيابة عنها، إجازة عنها في جميع روايتها فكتب.."(13)

    وينتهي بعد ذلك إلى بيت القصيد، أي "النظام" ابنة الشيخ زاهر بن رستم فيصفها قائلاً:

    "بنت عذراء، طفيلة هيفاء، تقيّد النظر، وتزين المُحاضر والمَحاضر، وتحيرّ الناظر، تسمى بالنظام، وتلقب بعين الشمس والبها، من العالمات العابدات السايحات الزاهدات شيخة الحرمين، وتربية البلد الأمين الأعظم بلا مَيْن، ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبتْ أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت. إن نطقت خرس قس بن ساعدة، وإن كرمت خنس معن بن زائدة، وإن وفت قصر السموأل خطاه" (14).

    ثم ينتهي إلى أنه راعى "في صحبتها كريم ذاتها مع ما انضاف إلى ذلك من صحبة العمة والوالد" "فقلدناها من نظمنا في هذا الكتاب أحسن القلائد بلسان النسيب الرائق وعبارات الغزل اللائق، ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس ويثيره الأنس" ويوضح أنه أعرب "عن نفس تواقة" و"كل اسم أذكره في هذا الجزء، فعَنها أُكنّي، وكل دار أندبها فدارها أعني".. ثم لا يلبث بعد أن أخذه اتجاه الحب والغزل هذا المأخذ أن يعود فيستدرك قائلاً: "ولم أزل في ما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية، والتنزلات الروحانية، والمناسبات العلوية، جرياً على طريقتنا المثلى، فإن الآخرة خير لنا من الأولى". ومع أنه جمع في درج كلامه هذا بين "النسيب" وبين "التصوف" لكنه آثر أخيراً أن يؤكد أهمية انتباه قارئه إلى المعاني الصوفية لئلا "يسبق خاطرة إلى ما لا يليق بالنفوس الأبية، والهمم العلية، المتعلقة بالأمور السماوية" 15-

    ابن عربي يتحدث عن سبب شرحه الديوان :

    لا بد من أن نضيف هذا التأكيد من الشيخ محيي الدين على المعاني الصوفية، ليتضح لنا ما دعاه إلى شرح "ترجمان الأشواق" ذاك أنه أثار فقهاء ذلك الزمن الذين رأوا فيه غزلاً صريحاً أخذوه عليه.

    يقول ابن عربي في مقدمته:

    "وكان سبب شرحي لهذه الأبيات أن الولد بدراً الحبشي والولد إسماعيل بن سودكير سألاني في ذلك: وهو أنهما سمعا بعض الفقهاء بمدينة حلب ينكران هذا من الأسرار الإلهية، وأن الشيخ "يعني نفسه" يتستر لكونه منسوباً إلى الصلاح والدين، فشرعتُ في شرح ذلك، وقرأ علي بعضَه القاضي ابن العديم بحضرة جماعة من الفقهاء، فلما سمعه ذلك المنكر الذي أنكره تاب إلى الله سبحانه وتعالى ورجع عن الإنكار على الفقراء، وما يأتون به في أقاويلهم من الغزل والتشبيب يقصدون في ذلك الأسرار الإلهية"(16).

    ويقول إن ما نظمه بمكة المشَّرفة من "الأبيات الغزلية"، إنما يشير بها إلى معارف ربانية وأنوار إلهية وأسرار روحانية وعلوم عقلية وتنبيهات شرعية، ولم تكن العبارة التي جعلها "بلسان الغزل والتشبيب"، سوى ذريعة وواسطة "للإيصال" ـ بلغة هذا الزمن ـ لماذا؟

    "لتعشُّق النفوس بهذه العبارات، فتتوفر الدواعي على الإصغاء إليها، وهو لسان كل أديب ظريف وروحاني لطيف"(17).

    بين الباطن وبين الظاهر :

    وعلى الرغم من أنه أعلن قبل سطور قليلة أن كل اسم يذكره فعَنْها يكنّي، وكل دار يندبها فدارها يعني، فهاهو ذا يتراجع عن ذلك مكرساً قصيدة يوضح فيها أن المعاني التي يرمي إليها في قصائد هذا الديوان، إنما هي الباطنة المتضَّمنة، وليس المعنى الظاهر. إنه ينفي في هذه القصيدة أن يكون قد عنى أي مظهر حسي في ذاته، من أطلال أو ربوع أو سماء أو سحب أو بروق أو رعود، أو سهول أو جبال، أو بشر: "هو ـ هي ـ هم ـ هن":


    كلّما أذكره من طلل ...أو ربوع أو مغانٍ كلما
    وكذا إنْ قلتُ"ها"أو قلتُ "يا"... وألا إنْ جاء فيه أو.. أَمَا
    وكذا إنْ قلتُ"هي"أو قلت "هو"...أو "همو" أو "هنَّ" جمعاً أو "هما"
    وكذا إنْ قلتْ قد أنجــــدلي ... قدر في شعرنا.. أو أتهـما
    وكذا السحب إذا قلت : بكـت ... وكذا الزهر إذا ما ابتسما
    أو أنادي بحداة يمّــمـــوا ... بانةَه الحاجر أو ورق الحمى
    أو بدورٌ في خدور أفلـــــت ... أو شموس أو نبات أَنْجَمَا
    أو بروق أو رعود أو صـــبا ... أو رياح أو جنوب أو سما
    أو طريق أو عقيق أو نـــقا ..أو جبال أو تلال أو رمـــا
    أو خليل أو رحيل أو ربـــى ... أو رياض أو غياض أو حمى
    أو نساء كاعبات نُهَّـــــــدٌ ... طالعات كشموس أو دمـــى
    كلما أذكره مما جـــــــرى ... ذكره أومثله أن تفهـــما
    منه أسرار وأنوار جـــــلت ... أو علت جاء بها رب السما
    لفؤادي أو فؤادِ مَنْ لـــــه ... مثل مالي من شروط العلما
    صفة قدسية عــــــــــلوية ... أعلمتْ أن لصدقــــي قدما
    فاصرف الخاطر عن ظاهـــرها .,.. واطلب الباطن حتى تعلما(18)


    ودعماً لمذهبه في تغليب الباطن على الظاهر يروي حكاية جرت في الطواف. يقول الشيخ محيي الدين:

    "كنت أطوف ذات ليلة بالبيت فطاب وقتي وهزني حال كنت أعرفه، فخرجت من البلاط من أجل الناس، وطفت على الرمل، فحضرتني أبيات فأنشدتها أُسمع بها نفسي ومَنْ يليني لو كان هناك أحد، وهي قوله:


    ليت شعري هل دروا... أيَّ قلب ملكــــوا
    وفؤادي لــــودرى...أيَّ شِعب سلكـــــوا
    أتراهم سلمــــوا...أم تراهم هلكـــوا
    حار أرباب الهوى ...في الهوى وارتبكوا


    ويستطرد قائلاً: "فلم أشعر إلا بضربة بين كتفيَّ بكفٍ ألين من الخز، فإذا بجارية من بنات الروم لم أر أحسن منها وجهاً، ولا أعذب منطقاً، ولا أرق حاشية، ولا ألطف معنى، ولا أدق إشارة، ولا أظرف محاورة منها، قد فاقت أهل زمانها ظرفاً وأدباً وجمالاً ومعرفة". ثم يروي مادار بينهما من حوار، حول أبياته الأربعة، ووصول معانيها الباطنة إليها.(19).


    ابن عربي يقبل تحدي الحب :

    مهما يكن من أمر، فإن الدكتور عبد الكريم اليافي يرى أن علاقة الشيخ الأكبر "بالنظام" كانت تحدياً قوياً جابهه، بثقة بالغة في النفس، دون أن يخشى أي ريبة يمكن أن تعلق به. يقول:

    "إذا شاء القدر، فألقى فتاة في ريق الشباب ومقتبل الحسن، "ساحرة الطرف عراقية الظرف"، تسمى بالنظام في طريق إمام من أئمة العارفين مثل ابن عربي فماذا يحصل؟ لوكان الرجل من رعيل الصوفية القدامى لخشي الفتنة وحذر، أو لم يلقَ إليها بالاً.. ولكن شيخنا الأكبر، أمام هذه الفتاة الرائعة المثيرة، كان في مقام من المعرفة والحب الإلهيين يستطيع فيه كالشعاع أن يغازلها ويتغزل بها ثم يرتد عنها كما يرتد الشعاع صافياً نقياً دون أن تعلق به ريبة"(20).

    بل إن الدكتور اليافي يرى ضرباً من العلاقة الجدلية بين الأمور الروحية وبين الأمور الحسية في شعر ابن عربي ذاك أن "الأمور الروحية ثاوية في الأشياء والأشكال والأمور الحسية، ثواءَ المعاني في الألفاظ والحروف".

    وهذه الأمور الحسية والأشياء والأشكال على اختلافها عماد تلك وسندها وظروفها الخارجية، وهذه بالنسبة إلى تلك كاللغز بالنسبة إلى المعنى الملغز فيه. بل إن الجمع بين الحس والفكر في الإنسان أكمل وأعلن من انفراد الروح وحده. يقول على لسان نبينا إبراهيم: "يابني إذا سريت بفكرك في عالم المعاني انحجب حسك عن التلذذ بالمغاني.وإذا سرى حسك في عالم المغنى، لم ينحجب سرك عن مشاهدة المعنى، فالبقاء مع الحس أَوْلى في الآخرة والأُولى"(21).


    من نظرية الشيخ إلى مذهبه الفلسفي :

    على أن للدكتور أبو علا عفيفي رأياً آخر، فقد دعا هذا "الحب" كما يؤثر ابن عربي أن يسميه "الحب الإلهي"، ورأى أن نظرية الشيخ في الحب الإلهي متفرعة عن مذهبه الفلسفي الصوفي العام الذي هو مذهب وحدة الوجود. بل هي لازم من لوازم هذا المذهب ونتيجة من نتائجه. والقضية الكبرى التي يُخضع لها ابن عربي كل فلسفته والتي يؤيدها بشتى أساليب التأييد هي أن الوجود في حقيقته وجوهره شيء واحد، متعدد متكثر في النظر والاعتبار.. عندما يقع عليه الحس الذي لا يدرك إلا الجزئيات المتعينة المتشخصة، أو يتناوله العقل الإنساني القاصر عن إدراك وحدته الشاملة، فإن العقل خاضع في تفكيره لمقولاته، ومقولاته مستمدة من العالم الخارجي المتعدد المتكثر، الواقع في الزمان والمكان، أما الحقيقة الوجودية الكلية فخارجة عن كل هذا.(22).


    ولاشك أن هذه الفكرة هي مارمى إليه الشيخ الأكبر في قصيدته التي أوردها في مقدمة شرحه: "ترجمان الأشواق"، ومطلعها:

    أو ربوع أو مغان كلما*
    كلما أذكره من طلل
    من مجالي الجمال الإلهي

    وعلى هذا النحو، وانطلاقاً من نظرية ابن عربي في الحب الإلهي يتابع الدكتور عفيفي تفسيره حب الشيخ تلك الحسناء "النظام"، فلاشك أنه "قد وجد في تلك الصورة الإنسانية الحسناء، مجلى من مجالي الجمال الإلهي المطلق الذي تعشَّقه وقدسه، وألفى لها مكاناً من قلبه، لا من حيث هي امرأة يعشق جمالها الحسي الفاني، ولا من حيث هي موضع لشهوة أو هوى، بل من حيث هي رمز لذلك الجمال الشامل المتجلي فيها في صورة كاملة.

    فإذا بثها حبه وأشواقه، فإنما يتجه بحبه وأشواقه إلى الذات الإلهية التي هي صورة من صورها. وإذا وصفها بما يصف به الغزلون من الشعراء محبوباتهم، فإنما يصف ذلك الرمز مكِّنياً به عن الحقيقة الكلية التي هي وراءه. ولذا كانت لغة "ترجمان الأشواق" لغة رمزية اصطلاحية يجب تأويلها وصرفها عن مظاهرها.(23).

    ويستطرد الدكتور عفيفي إلى القول: لم تكن تلك الحسناء إذاً سوى واحدة من صور الجمال اللانهائي التي وسعها قلب ابن عربي وأحبها، لا من حيث ذاتها، بل من حيث هي رموز ومجال للذات الإلهية الواحدة المحبوبة على الإطلاق والمعبودة على الإطلاق، لأن المحبوب عنده واحد مهما تعددت مجاليه، والجميل واحد مهما تعددت صوره. والمعبود واحد مهما تعددت أشكاله.(24)

    من الجمال المحسوس إلى الجمال المعقول :

    لقد قال ابن عربي ماقال في الحب الإلهي وعينه مستقرة على الصورة المحسوسة، ولكن قلبه مشغول بصاحب الصورة. تغنى بالجمال المحسوس وقلبه متعلق بالجمال المعقول. وماذا يضير الصوفي لو انتقل من عالم الأرض إلى عالم السماء، واتخذ من المحسوس سلماً يصعد به إلى المعقول؟!(25).

    ويذهب الدكتور عفيفي بعيداً باتجاه منبع الحب الإلهي، فالحب عند ابن عربي هو أصل العبادة وسرها وجوهرها، إذ لا معبود إلا وهو محبوب، ولولا الحب ما عُبد شيء من إنسان أو شجر أو كوكب أو صنم، لأن الشيء لا يعبد إلا بعد أن يخلع عليه العابد لباس التقديس، وهو لا يقدسه إلا بعد أن يحبه ويتفانى في حبه، فالمعبود والمحبوب إذاً عين واحدة وإن اختلفت عليها الأوصاف(26).
    بل إن الهوى، في نظر ابن عربي، هو اسم من أسماء الله. هو الحب عينه، بل هو أعظم أسماء الله على الإطلاق.(27).

    عودة إلى شرح الترجمان :

    في العودة إلى شرح ترجمان الأشواق نقول: لم تدرج العادة أن يشرح الشاعر شعره، لكن ابن عربي إذ فعل ذلك ـ للأسباب الآنف ذكرها ـ فإنه جعل لكلماته ومفرداته نكهة خاصة، وأضفى أبعاداً شعرية وإنسانية وصوفية تتصل كما تقدم بنظريته في وحدة الوجود. وفي الواقع فإن إرادته إضفاء البعد الصوفي الإلهي على معانيه وألفاظه، جعل أشعاره مسربلة بثوب ضيق من الغموض، وزادها صعوبة في الفهم، لأنه أحب أن ينتقل من "الظاهر" إلى "الباطن"، من العَرَضْ الدنيوي الزائل إلى الجوهر الأزلي.

    ويشعر القارئ أن كل تفسير إنما هو إضفاء وإضافة ليست من روح النص، وليس ثمة ما يوصل إلى المعاني التي رمى إليها سوى تلك الرموز التي ركَّز عليها في الشرح. وهو يستفيد من هذه المسألة: "الرموز والظاهر والباطن". ليفسر النصوص على هواه. يذكِّرنا هذا بما فعله الدكتور عاطف جودت نصر إذ قسم قصائد "ترجمان الأشواق" إلى ثلاثة أنواع: قصائد تبدو أكثر انسياقاً مع المعنى الغزلي المباشر، وهي قصائد اقتضى تأويلها قدراً من الاعتساف الذي يخرج المعنى عن طبيعته. وقصائد أخرى أكثر انسياقاً مع التأويل الصوفي منها مع الغزل المباشر. وطائفة ثالثة يكاد يتوازن فيها الاتجاهان فهي متسقة مع الغزل المباشر اتسـاقها مع التأويـلات الصوفية على حد ســــواء (28).

    مع "أسقفة من بلاد الروم":

    في ضوء النوع الأول لننظر، في بعض أبيات قصيدة الشيخ الأكبر التي تحمل عنوان "أسقفة من بلاد الروم" لنرى كيف أوَّلها الشاعر، ومافي هذا التأويل من "الاعتساف الذي يخرج المعنى عن طبيعته". يقول ابن عربي:


    ما رحَّلوا يوم بانوا، البزَّل العيسا...إلا وقد حملوا فيها الطواويسا


    وهو يشرح البيت كلمة كلمة كما يلي:

    فيها: بمعنى عليها. البزَّل: الإبل المسمنة. رحَّلوها: جعلوا رحالها عليها. الطواويس: كناية عن أحبته. شبَّههم بهن لحسنهن.

    البزل: يريد الأعمال الباطنة والظاهرة، فإنها التي ترفع الكلم الطيب إلى المستوى الأعلى، كما قال تعالى: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه"، والطواويس: المحمولة فيه أرواحها، فإنه لا يكون العمل مقبولاً ولا صالحاً ولا حسناً، إلا حتى يكون له روح مزيِّنة عاملة أو همة.وشبهها بالطيور لأنها روحانية. وكنى عنها أيضاً بالطواويس لتنوع اختلافها في الحسن والجمال(29)(!)..


    غزل خالص مباشر :

    ما علاقة هذه المعاني التي فسرها الشيخ محيي الدين بذلك البيت من الشعر الذي لا يدع أي مجال، كي تلعب فيه الخرقة الصوفية، فهو كله غزل خالص مباشر. ومثله البيت التالي:


    من كل فاتكة الألحاظ مالكة ... تخالها فوق عرش الدر بلقيسا


    في الشرح يقول ابن عربي:

    الفتك: القتل في صورة. مالكة: حاكمة. تخالها: تحسبها. العرش: السرير. بلقيس: المذكورة في القرآن في قصة سليمان عليه السلام.

    المقصد يقول: من كل حكمة إلهية حصلت للعبد في خلوته فقتلته عن مشاهدة ذاته وحكمت عليه. فإذا رأيتها حسبتها فوق سرير الدر، يشير إلى ما تجلى لجبريل والنبي عليهما الصلاة والسلام، في رفرف الدر والياقوت عند سماء الدنيا فغشي على جبريل وحده لعلمه بمن تجلى له في ذلك الرفرف الدري(!) وسماها بلقيساً لتولدها بين العلم والعمل، فالعمل كثيف والعلم لطيف، كما كانت بلقيس متولدة بين الإنس والجن، فإن أمها من الإنس وأباها من الجن، ولو كان أبوها من الإنس وأمها من الجن لكانت ولادتها عندهم، وكانت تغلب عليها الروحانية، ولهذا ظهرت بلقيس عندنا(30)(!!).

    ترى ما علاقة هذا التأويل كلّه أيضاً ببيت الشعر الغَزِل اللطيف!


    بين بلقيس وبين سليمان :

    إن بلقيس هذه التي ذكرها في آخر البيت، وبها يضرب المثل بالسلطان والجمال واللباقة وحسن التصرف، حين قررت الذهاب إلى "سليمان"، وأخبرته بذلك، شيّد لها صرحاً عظيماً، ومرد أرضه بالزجاج، فلما جاءت وأرادت دخول الصرح والوصول إلى العرش ظنت الزجاج ماء، فكشفت عن ساقيها لئلا تبتل ثيابها بالماء. وأُخْبرت أن ما ظنته ماء إنما هو زجاج(31).

    وهذا ما ذكره الشيخ محيي الدين في البيت التالي، وأضاف إليه أطيافاً من بهاء بلقيس ـ وهو يعني النظام بالطبع ـ "شمساً على فلك"، وما عرف عن إدريس من علم وحكمة ـ وهما من صفات النظام أيضاً ـ حتى ذُكر أنه "أول من خط بالقلم"32- وذكر أيضاً أنه جمع العلم والعمل معاً:


    إذا تمشت على صرح الزجاج ترى... شمساً على فلك في حِجْر إدريسا


    إن ابن عربي يقول كلاماً كثيراً في تأويل هذا البيت. وإذ يشير إلى الأحوال الإلهية والصوفية بقوله: "فكأنه ـ وهو يعني نفسه ـ يقول: قوة سلطان هذه الحكمة إذا وردت على قلب متعشق. بما حصل فيه من المعارف أحرقتها وأذهبتها"، فإنه لا يتمكن من متابعة هذا الاتجاه في التأويل، إزاء تلك العبارة:

    "إذا تمشت على صرح الزجاج"، فيقول: "وذكر المشي دون السعي".وغيره لنخوتها وعجبها وانتقالها في حالات هذا القلب من حال إلىحال بضرب من التمكن"(33)…

    ولو أننا تابعنا قراءة الأبيات في هذه القصيدة ـ على سبيل المثال ـ لوقعنا على ما وقعنا عليه، من تأويل متعسف يخرج المعنى عن طبيعته. ولكان علينا أن نصغي إلى ماكتبه الأستاذ يوسف سامي اليوسف عندما أشار إلى مافعله ابن عربي إزاء المتزمتين الذين نعوا عليه أن له شعراً غزلياً حسياً، لا يليق البتة بشيخ يزعم أنه خاتم الأولياء "فماكان من ابن عربي إلا أن أحسن التخلص بأن أقدم على شرح ديوانه شرحاً تأويلياً"، و"مع أن الديوان لا يكتبه إلا عاشق ملتاع، وإلا رجل يعرف التمتع بجمال الجسد الأنثوي، فقد استطاع الشيخ أن يجيء بتأويل (مقنع أو غير مقنع)، من شأنه أن يحشر الديوان في المناخ الصوفي، وأن يجعل منه شكلاً من أشكال التعبير عن التصورات والمفاهيم الصوفية."(34).


    الهوامش :

    1 ـ الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ـ تأليف: عبد الحفيظ فرغلي علي القرني ـ دار الكاتب العربي للطباعة والنشر ـ القاهرة ـ سبتمبر 1968 ـ ص 76.
    2 ـ المصدر السابق ص 77.
    3 ـ مجلة منبر الإسلام ـ عدد ربيع الأول 1386.
    4 ـ الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ـ القرني ـ ص 68.
    5 ـ المصدر السابق ص 79-80.
    6 ـ المصدر السابق ص 81.
    7 ـ المصدر نفسه ص88.
    8 ـ المصدر نفسه ص84.
    9 ـ المصدر السابق ـ ص 84.
    10 ـ ترجمان الأشواق ـ وعليه شرحه ـ دار صادر ـ بيروت 1966. ص57-58-59.
    11 ـ محاضرات الأبرار ـ ج2 ـ ص 150.
    12 ـ شرح ترجمان الأشواق ـ دار صادر ـ ص 7.
    13 ـ المصدر السابق ص 8.
    14 ـ المصدر نفسه ص8
    15 ـ المصدر نفسه ص9
    16 ـ المصدر السابق ـ ص 9-10.
    _________________
    السيد عبد الرازق

  3. #3
    عضو فضي الصورة الرمزية ليندة
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الدولة
    سوريا/حلب الشهباء
    المشاركات
    1,972
    [align=center]أخي الكريم الغيث جاء:

    كم وكم استمتعت وأنا اقرأ هذا الموضوع عن

    الشيخ الأكبر ابن العربي

    وودّتُ لو طال البحث أكثر وأكثر

    كأنني كنت في بحر مليء بالجواهر وخرجت منه سريعاً ولما أملئ بعدُ شِباكي من كنوزه

    رايتُني بعد قرآءة الموضوع أخرج من مكتبتي كتاب يتكلم عنه،كنت قد نسيته لتعاقب المشاغل

    اسمه
    (وحدة الوجود من الغزالي إلى ابن العربي)

    [grade="32CD32 FF1493 FF1493 32CD32 32CD32"]
    وأحمد الله أنني في جامعتي قد درست شيئا من الفلسفة ، ساعدني على فهم المزج بينها وبين التصوف الموجود في هذا الكتاب

    ابن العربي بحر نقف على شواطئه متلهفين لخوض عُباب بحره

    اللهم قد عرّفتنا بهم ، فعرّفنا بما عرّفتهم به [/grade][/align]
    التعديل الأخير تم بواسطة ليندة ; 19-07-2006 الساعة 01:21 AM

  4. #4
    عاشقة الحب الإلهي الصورة الرمزية مودة ميرى
    تاريخ التسجيل
    May 2003
    الدولة
    قلب العروبة النآبض سوريآ..
    المشاركات
    3,756

    Wink من روائع كلام سيدي محي الدين بن العربي رضي الله عنه ...

    [align=center][blink]جزاك الله خيرا.. على النقل المبارك ...
    من قصائد سيدي محي الدين بن العربي رضي الله عنه ...[/blink]
    [/align]
    [align=center]كان لي قلب فلما أن رحل ... بقي الجسم محلا للعلل
    كان بدراً طالعاً إذا أتى ... مغرب التوحيد في تم أفل
    زاده شوقاً إلى محبوبه ... صاحب الصعقة يوم الجبل
    لم يزل يشكو الجوى مع النوى ... ليلة الإسراء حتى اتصل
    فدنا من حضرة لم يزل ... يهب الأرواح أسرار الأزل
    قرع الباب فلما أن دنا ... قيل من أنت تكن قال الخجل
    قيل أهلا سعة ومرحبا ... فتح الباب فلما أن دخل
    خر في حضرته له ساجداً ... وانمحى رسم البقا وانسحل
    وشكا العهد فجاءه الندا ... ياحبيبي زال ذا وقت العمل
    رأسك ارفع ثم سل ماتبتغي ... قلت مولاي حلول الأجل
    طال سجني قال مت بي واعلمن ... إن في السجن لتبليغ الأمل
    يافؤادي إن توصلت له ... قل له قول حبيب قد أدل
    لولا عرشي لم يصح الأستوا ... وبنوري صح لي ضرب المثل

    [/align]

  5. #5
    شكرا لينده ومودة ميرى وسلام الله عليكما ورحمته وبركاته -
    ورضي الله تعالي عن سيدى الشيخ محيي الدين بن عربي .
    وياليت يا أخت لينده تكتبين موضوعا من الكتاب الذى لديكم وحدة الوجود من الغزالي لأبن عربي .
    تحياتي وتقديرى .

  6. #6
    بارك الله فيك اخي الحبيب الغيث جاء ..

    فعلا الغيث جاء ..

    ورضي الله عن سيدي محي الدين ابن عربي ..


    قال ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب في أخبار من ذهب ( 5 / 193 – 194 ) مانصه : ( قال - يعني الحافظ المناوي - وممن كان يعتقده سلطان العلماء ابن عبد السلام فإنه سئل عنه أولا فقال شيخ سوء كذاب لا يحرم فرجا .
    ثم وصفه بعد ذلك بالولاية بل بالقطبانية وتكرر ذلك منه وحكى عن اليافعي أنه كان يطعن فيه ويقول هو زنديق فقال له بعض أصحابه يوما أريد أن تريني القطب فقيل هو هذا فقيل له فأنت تطعن فيه فقال : أصون ظاهر الشرع .
    ووصفه في إرشاده بالمعرفة والتحقيق فقال اجتمع الشيخان الإمامان العارفان المحققان الربانيان السهروردي وابن عربي فأطرق كل منهما ساعة ثم افترقا من غير كلام فقيل لابن عربي ما تقول في السهروردي فقال مملوء سنة من فرقه إلى قدمه ، وقيل للسهروردي ما تقول فيه قال بحر الحقائق ثم قال المناوي وأقوى ما احتج به المنكرون أنه لا يأول إلا كلام المعصوم ويرده قول النووي في بستان العارفين بعد نقله عن أبي الخير التبياني واقعة ظاهرها الإنكار قد يتوهم من يتشبه بالفقهاء ولا فقه عنده أن ينكر هذا وهذا جهالة وغباوة ومن يتوهم ذلك فهو جسارة منه على إرسال الظنون في أولياء الرحمن فليحذر العاقل من التعرض لشيء من ذلك بل حقه إذا لم يفهم حكمهم المستفادة ولطائفهم المستجادة أن يتفهمها ممن يعرفها وربما رأيت من هذا النوع مما يتوهم فيه من لا تحقيق عنده أنه مخالف ليس مخالفا بل يجب تأويل أفعاله أولياء الله )

  7. #7
    عضو فضي الصورة الرمزية ليندة
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الدولة
    سوريا/حلب الشهباء
    المشاركات
    1,972
    [align=center]كلام جميل جداً [/align]
    [align=center]
    فلا يعرف الفضل لأهلهِ إلا أهل الفضل

    اللهم أكرمنا بما أكرمت به عبادك الصّالحين بكرمك وجودك يا أرحم الرّاحمين
    [/align]

  8. #8
    شكرا الأخ محمد اليافعي وأختنا لينده - ونفعنا الله بعلم ومدد مولانا الشيخ مخيي الدين بن عربي . لكما كل التحية والود والتقدير .

  9. #9

  10. #10
    المعرفة وحدودها عند محيي الدين بن عربي

    صدر مؤخراً عن دار التكوين في دمشق كتاب في الدراسات بعنوان (المعرفة وحدودها عند محيي الدين بن عربي). والكتاب من تأليف السيدة هيفرو محمد علي ديركي، وتقديم الأستاذ الدكتور عبد الكريم اليافي. ويقع الكتاب في 230 صفحة من القطع الكبير.
    ويتوزع الكتاب على أربعة فصول رئيسية، فالفصل الأول عصر ابن عربي وحياته وثقافته.
    يعرف هذا الفصل بشخصية ابن عربي والمناخ الثقافي والسياسي والظروف الحياتية التي عاشها. إضافة إلى نسبه وشيوخه، فيورد فيه:
    ولد محيي الدين بن عربي في بلدة (مُرْسيه) في 28 تموز 1165م. وقد لقبه المشرقيون بـ (ابن عربي)، وبمحيي الدين، وبالشيخ الأكبر، وبالحاتم الطائي، تمييزاً له عن القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي الإشبيلي المالكي. وتجمع كتب التراث والدراسات للباحثين المعاصرين من عرب ومستشرقين على أن اسم الشيخ الأكبر هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن علي، من ولد عبد الله بن حاتم أخي عدي بن حاتم الطائي).
    عاش ابن عربي في فترة اتسمت بكثرة أحداثها وسرعة تتابعها وغرابة مفاجآتها وشدة تعقيداتها. لذلك وجدنا الشيخ الكبير كثير الترحال في المكان بحثاً عن الحقيقة عند شيوخ زمانه. وفي سن العشرين يتحول إلى الصوفية التي أقبل عليها بكامل همته لخدمة شيوخه، وأعرض عن الدنيا وشواغلها، فسمت روحه إلى مرتبة الإشراق، ولاح له علم الحق واطمأنت نفسه.
    وفي نهاية الفصل الأول تورد السيدة هيفرو مجموعة من الأسئلة: (كيف سيجد الحقيقة؟ هل العقل سبيلها؟ أم أنه قاصر وله حدود يقف عندها؟ عند من مذاهب الإسلاميين سيجدها؟ أعند أهل الظاهر أم الباطن أم أهل العقائد الأخرى؟ أم هي عند الكل سواء؟ أم الطريق إليها مضيعة، أو الأبواب موصدة؟
    وهذه الأسئلة تمثل المدخل الرئيس إلى الفصول اللاحقة.
    قدمت السيدة هيفرو مقدمة في معنى العقل في الثقافة العربية، وعند الفلاسفة اليونانيين مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو، ثم عند الفلاسفة العرب مثل الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد.
    ثم تنتقل إلى مكانة العقل عند ابن عربي ودوره في المعرفة، فتقول: (تبدو هناك صعوبة في تحديد العقل عند ابن عربي، تنبع من أنه بنى هذا المفهوم على أساس تصوره أن المشكلة الكبرى للإنسان هي مشكلة المعرفة، وليست مشكلة الوجود، ففي مشكلة المعرفة (وهي عنده المعرفة الصوفية) يرى أن العقل عاجز عن الوصول إلى الحقيقة المطلقة، وأقصى ما يتوصل إليه هو إثبات الوجود الإلهي.
    بعد ذلك تقدم المؤلفة عرضاً لمواقف ابن عربي من العلم والفلسفة فتقول: نجد في تراث ابن عربي في الفتوحات والفصوص والرسائل وغيرها ما يشير إلى اطلاعه الواسع على آراء الفلاسفة، وأن الذين يرفضون كل إنتاج الفلاسفة ويحكمون على جميع تآليفهم بالخطأ سطحيون، ولهذا لا يجوز إنكار مسألة فيلسوف إلا بعد تأكيد خطئها، ولذلك تضيف: نذهب مع أبي العلا عفيفي لأننا نجد ابن عربي في كثير من المواضيع يحاول أن يعقلن عالم الغيب، عالم الألوهية على طريقة الفلاسفة وعلماء الكلام والرياضيات، كما يحاول أن يفسر الخيال والرؤيا والوجد تفسيراً عقلياً يقترب كثيراً من تفسير علم النفس المعاصر.
    بعدها ننتقل إلى مكان آخر حيث تقول إن نقد ابن عربي للعقل وأساليبه دعاه إلى أن يلجأ إلى طريق أخرى في تحصيل المعرفة بالله، هي طريق الكشف الصوفي التي هي موضوع الفصل الثالث (المعرفة عند ابن عربي: موضوعها ـ مصدرها ـ طرائقها).
    يرى ابن عربي أن المعرفة الصوفية هي المعرفة الحقة. وأن الكشف هو الطريق الوحيدة التي يجب الركون إليها للوصول إلى الحقيقة التي لا يمكن التعبير عنها بعبارات دقيقة بل بالرمز (الله الموجود المطلق، والعالم بوصفه تجلياً له).
    وتذهب الكاتبة إلى أن القلب والنفس عند ابن عربي، كما هما عند المتصوفة الآخرين، أداتا المعرفة، أو لنقل هما أداة واحدة للمعرفة، لأن المتصوفة بعامة وابن عربي بخاصة يستخدمان القلب والنفس بمعنى واحد لمعرفة الحقيقة المطلقة (الله تعالى).
    وتأتي المعرفة الصوفية بطرق (الكشف ـ التجلي ـ المشاهدة)، وكذلك عند ابن عربي لتتفوق على المعرفة العقلية بيقينها الثابت وبوضوحها، فهي تشبه إبصار العيون وشهادة الحواس التي لا تنكر. كما تتميز هذه المعرفة بانعدام الوسائط والمقدمات لأنها تسري من الله إلى العبد، وهي موهبة قدّرتها العناية الإلهية. ولذلك يمكن القول إن طرق المعرفة الصوفية عند ابن عربي (المكاشفة ـ التجلي ـ المشاهدة) تبقى مرتبطة بوضع النفوس الكاملة التي تتوجه إلى الحقيقة المطلقة إلى حضرة (الله تعالى).
    ولهذا وجب أن تكون غاية العارف إدراك تجليات الذات بأسمائها وصفاتها في مظاهر الوجود اللامتناهية.
    إن ابن عربي يذهب إلى آفاق المعرفة المفتوحة، وإن معرفة الله ممكنة وسهلة. ولذلك نجد أن الإنسان الكامل عند ابن عربي يتضمن معنيين، معنى الكمال الوجودي الذي يعني أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي سوّاه الله وعدله على مثاله، وأودع فيه كل حقائق العالم. فالكمال الوجودي للإنسان الكامل يأتي من أنه الحد الفاصل الجامع بين الحق والعالم، والكمال المعرفي هو في الواقع وعي الكمال الوجودي.

    الكتاب: المعرفة وحدودها عند محيي الدين بن عربي
    تأليف: هيفرو محمد علي ديركي
    تقديم: الأستاذ الدكتور عبد الكريم اليافي


  11. #11
    فى مَقَـامِ الشَّيْخِ الأَكْبـر




    لطالما اشتقتُ لزيارة عاصمة الشام ، ولطالما منعتنى عنها الموانعُ .. مع أنَّنى درتُ عدَّةَ مرَّاتٍ فى فلكها الجغرافى ، وكنت أرنو لدمشق من البلدان المحيطة بسوريا: الأردن، لبنان، تركيا . وغايتى من دمشق ، زيارةُ مقام شيخ الصوفيَّةِ الأكبر : محيى الدين بن عربى.

    كان الشيخ قد وُلد بالأندلس سنة 560 هجريَّة وارتحل عنها فى شبابه فنـزل مصر وزار الحجازَ ثم قرَّ مقامُه ببلاد الشام . حتى وفاته بدمشق سنة 638 هجريَّة . تقول المصادر التاريخيَّةُ : ودُفن بسفح جبل قاسيون ، وقبره ظاهرٌ يُزار !

    الإذن بالزيارة
    لم يسمح الزمانُ – أو لم يأذنْ لىَ الشيخُ – بهذه الزيارة المشوِّقة ، إلا آخر يومٍ من شهر مايو الماضى .. فقد كنت فى بيروت لحضور مؤتمرين دوليين ، أتاحا يومين بين الأول منهما والأخير ، فاتجهت ليلاً من لبنان إلى الشام .. وعجبتُ من أمر الناس هناك ، إذْ لايقولون (دمشقُ) أبداً ، وإنما يسمونها (الشام) ولم أجد عندهم إجابة عن السبب فى إطلاق اسم البلد على المدينة . تذكَّرتُ أننَّا نفعل الشئَ نفسه . فنقول (مصرُ) لمدينة القاهرة، ونسمِّى محطة القطار المتَّجه من الإسكندريَّة إلى القاهرة (محطةَ مصرَ) وكأنَّ الإسكندريَّة خارج نطاق مصر .. تأملتُ الأمر ، فرجح عندى أنَّ العواصمَ كانت دوماً تختصر البلاد ، ويسكنها الحاكمُ الذى يختصر العباد ! وكأن لاشئَ خارج المختصرين.

    وصلتُ دمشق بعد ساعتين ، منها ساعةٌ راحت فى بوابتىْ الحدود بين البلدين (هل سيسقط يوماً سور برلين الفاصلُ بين بلاد العرب) كان ليل المدينة رائقاً من بعيد ، وبدت أنوارُها المستحية المتماوجة مع الجبال المحيطة بها .. أفهمنى الجمالُ المحيط بالمدينة ، سبب تعلُّق القدماء ببلاد الشام وشكواهم من طبيعة مصر ، تذكرت مخطوطة البقاعىِّ المحفوظة بدار الكتب المصريَّة (هل لاتزال محفوظةً ؟) وهى كتابٌ كبيرٌ غير منشور، جعله البقاعى بعنوان : الإعلام بسَنِّ الهجرة إلى الشام .

    الصخب الدمشقى
    فوجئتُ بصخب المدينة ، وإيقاعِها القاهرىِّ ، سألتُ السائق عن عدد سكان دمشق، فقال : كثير .. كان كثيرٌ من النَّاس فى الشوارع والميادين المليئة بصورتىِ الرئيس الحالى ووالده الرئيس السابق ، مليئة على نحوٍ لافتٍ داع للتأمُّلِ . تأمَّلْتُ الأمرَ ، فوجدتُها فى الواقع ليست صوراً لأشخاصٍ ، وإنِّما هى تمائمُ تحمى الواحدَ من غيره ، وتحتمى بها الجماعةُ من الآخرِ المتربِّص .. كثير الحوْل والحيل .. ارتجفتُ من هاجسٍ جاثمٍ على الرُّوح: هل ستلقى دمشق يوماً مصير بغداد الأخير ؟ .. سيحرسُها الشيخ الأكبر .. هذا الخاطر مَرَّ ببالى فهدأتُ قليلاً ، وسرعان ما انزعجتُ ثانيةً مع خاطرٍ قاصفٍ مضاد : ولماذا لم يحرس الإمام عبد القادر الجيلانى بغداد مما عصفَ بها هذه الأيامَ ، وممَّا عصفَ بها من قبلُ مرَّاتٍ بيد الصفويين ، ومَرَّةً مُرَّةً بيد هولاكو ؟ فمن الذى يحمى البلاد إذن ، هل ربُّها أم أربابها أم أقدارها .. أم دم أولادها .. أم دعواتُ الأمهاتِ . قلبى عليك يا بغدادُ ملتاع.

    ذاتَ مرَّةٍ كنتُ مَحُوطاً بأهوال أهل الزمان ، وبلغ بى السيلُ الزُّبى .. وفى لحظة وَجْدٍ وفَقْدٍ واعتصارٍ ، وقعت عينى على (رسائل محيى الدين بن عربى) فقمت إليها استفتح ، لأرى ما يقولُ الشيخ لى .. فتحتُ الكتاب من منتصفه ، فوقعت عينى على قوله : لاراحةَ لك من الخلق ، فارجع إلى الحق ، فهو أولى بك !

    فى ليلتى الدمشقيَّةِ الأولى سألت نفسى ، هل النـزوع لزيارة مقام الشيخ نابعٌ من شوقٍ أم اشتياقٍ ، وتذكرت كلام الشيخ فى الباب التاسع والخمسين بعد الخمسمائة من كتابه الزاخر (الفتوحات المكيَّة) حيث يقول : الشوقُ يسكن باللقاء ، والاشتياقُ يهيج بالالتقاء .. ما عرف الاشتياق إلا العشَّاق .. للنار التهابٌ وَمَلَكَه ، فلابد من الحركة ، والحركة قلق ، فمن سكن ، ما عشق .. كيف يصحُّ السكون ، وهل فى العشق كُمون؟ هو كلُّه ظهور ، ومقامُه نشور .

    الحـضـرة
    سكنتُ فندقاً بوسط دمشق ، وأمضيتُ ليلةً ملؤها القلقُ والترقُّب لنور النهار المؤذن بزيارة الشيخ .. فى الصباح الباكر قلت للسائق أريد مدفن الشيخ محيى الدين ، قال ذلك فى (حىِّ الشيخ محيى الدين) وانطلق دقائق ، ثم أوقفنى بمدخل سوقٍ دهليزىٍّ للخضار والفاكهة ، نظرتُ متسائلاً ، فقال السائق ما مفادهٌ إنَّ مقامَ الشيخ بقلب هذا السوق الصاخب .. كنتُ أتخيَّلُ الأمرَ دوماً بعكس ذلك : جبل اسمه قاسيون يمتد من تحته وادٍ فسيح ، وعند سفح الجبل ساحةٌ فيحاءُ ممتدةُ الأطرافِ ، فى وسطها مقامٌ متسامٍ للشيخ ، تحيط به مراقد للأولياء ، تجلُّله رهبةٌ ويلفُّه خشوع ..

    صياح البائعين شَوَّشنى ، وبعثرنى فى الممرات الضيِّقة ، فى منتصف السوق سألت بائع فواكه عن الشيخ ، فابتسم بسمةً عذبة ، وقال : الباب أمامَك .. كان البائع يفرش فواكَهَهُ فى مدخل مسجدٍ منخفضٍ بضعةَ درجاتٍ ، مكتوبٍ على بابه : جامع الشيخ محيى الدين بن عربى ، أنشأه السلطان سليم سنة 924 هجريَّة !

    ما الذى دعا الفاتح العثمانى لبناء مسجد فوق مرقد الشيخ الأكبر ، هل كان يتبرَّك به .. أم أراد للناس أن يتبركوا ليتفرغ هو للفتوحات ؟ هل استبشر السلطانُ بالشيخ لأنَّه صاحبُ (الفتوحات) وهو يتوق أيضاً للفتوحات ؟ وهل ثمة صلةٌ بين فتوحات الشيخ الأكبر (المكيَّة) وفتوحات السلطان للبلاد الأوروبيَّة والعربيَّة .. وهل علم السلطان أنَّ الشيخ كانت له مواقفُ فريدةٌ من حكَّام عصره ، حتى إِنَّه كتب للملك الكامل يدعوه لجهاد الصليبيين بلغة حادَّةٍ لم يسبق لحاكمٍ عربى أن خوطب بها (قال الشيخ للملك: إنَّك دنئ الهمة .. وإما أن تقاتلهم أو نقاتلك نحن ) .

    كيف للصوفىِّ ، وهو المتعلِّقُ بالجانب الإلهى المتعالى ، أن يُقَاتِلَ لأمرٍ دنيوىٍّ مهما بلغ شأوه .. أم تراها إشارةٌ إلهية وردت للشيخ تدعوه لدعوة الملك للجهاد بهذه اللغة الحادَّة التى لم نعرفها فى أسلوب ابن عربى . ولماذا ينزعج محيى الدين بن عربى من غزو الصليبيين للشام فى زمنه ، وهو الذى يقول فى أبياتٍ شعريَّةٍ شهيرة ، إنه يؤمن بدين (الحبِّ) المتجاوز كلَّ الديانات :

    لقدْ كنتُ قبلَ اليـومِ أُنكر صاحبى إذا لم يكن دينى إلى دينِهِ دانى

    وقـد صـار قلبى قابلاً كلَّ صورةٍ فمرعىً لغزلانٍ وديرٌ لرهبانِ

    وبيـتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائـــفٍ وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ
    أدينُ بدينِ الحبِّ أنـىَّ توجَّـهـتْ ركائبه فالحبُّ دينى وإيمانـى

    .. ههنا لطيفةٌ دقيقةٌ ، ومسألة عصية على الفهم . فالبيت الأول من هذه الأبيات المذكورة ، كنت دوماً استحضره من ذاكرتى فى مطلع هذه القطعة الشعريَّة .. وأوردتُه من ذاكرتى يوماً فى بحثٍ انتهيت منه –كعادتى- ثم عدت إلى المصادر لأضعَ الهوامشَ والتوثيقَ اللازمَ للنصوص . لم أتذكر موضع ورود الأبيات فى كتب ابن عربى، فرحتُ أراجعها جميعها : الديوان ، الفتوحات المكيَّةَ ، فصوص الحِكَمِ ، الرسائل الصُّغْرَى .

    العاشق الربَّانى
    استغرق الأمرُ ليالىَ ، حتى انقدحَ خاطرى بأنَّها فى كتاب (ذخائر الأعلاق) الذى شرح فيه الشيخ كتابه (ترجمان الأشواق) الذى أورد فيه أشعاراً قال معاصروه إنَّه تغزَّل فيها بفتاةٍ أحبَّها ، اسمها (النظام) ابنة شيخه المقيم بمكة آنذاك (ابن رستم الكيلانى) يقول الشيخ فى ديباجة (ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق) ما نصُّه :

    الحمد لله الحسن الفعال الذى يحب الجمال .. أما بعد فإنِّى لما نزلت مكة سنة 598 هجريَّة ألفيت بها جماعةً من الفضلاء .. ولم أر فيهم مع فضلهم .. مثلَ الشيخ أبى شجاع زاهر بن رستم الكيلانى .. وكان لهذا الشيخ رضى الله عنه ، بنت عذراء ، طفيلةٌ هيفاءُ ، تقيِّد النظر وتزيِّن المحاضِر والمحاضر و وتحير المناظر ، تسمى بالنظام وتلقب بعين الشمس .. ساحرةُ الطرفِ ، عراقيَّة الظرف ، إن أسهبت أتعبت ، وإن أوجزت أعجزت ، وإن أفصحت أوضحت ، إن نطقت خَرِسَ قسُّ بنُ ساعدةَ ، وإن كَرُمت خَنَسَ معنُ بنُ زائدة، وإن وفَّت قصَّر السمؤال خطاه ... ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض السيئة الأغراض ، لأخذتُ فى شرح ما أودع الله تعالى فى خلقها من الحسن ، وفى خُلُقها الذى هو روضةُ المزنِ ، شمسٌ بين العلماء ، بستان بين الأدباء ، حُقَّةٌ مختومة ، واسطة عقدٍ منظومة ، يتيمة دهرها ، كريمة عصرها .. مسكنُها جيادٌ وبيتها من العينِ السوادُ ومن الصدر الفؤاد ، أشرقت بها تهامه ، وفتح الروض لمجاورتها أكمامه .. عليها مسحة مَلَكٍ وهمَّة مَلِكٍ .. فقلدناها من نظمنا فى هذا الكتاب (ترجمان الأشواق) أحسن القلائد بلسانِ النسيبِ الرائق وعبارات الغزل اللائق ، ولم أبلغ فى ذلك بعض ما تجده النفس من كريم ودِّها وقديم عهدِها .. إذ هى السُّؤْلُ والمأمول ، والعذراءُ البتول ، ولكن نظمنا فيها بعضَ خاطر الاشتياق ، من تلك الذخائرِ والأعلاق .. فكلُّ اسمٍ أذكرُه فى هذا الجزء فعنها أكنىِّ، وكل دارٍ أندبها فدارها أعنى . ولم أزل فيما نظمته فى هذا الجزء على الإِيماء إلى الواردات الإلهية والتنـزلات الروحانية والمناسبات العلوية ، ولعلمها رضى الله عنها بما أشير إليه .. وكان سبب شرحى لهذه الأبيات ، أنَّ الولد بدراً الحبشىَّ والولد إسماعيلَ بن سودكين (من تلامذة الشيخ المقربين) سألانى فى ذلك ، لأنَّهما سمعا بعض الفقهاء بمدينة حلب ينكران هذا من الأسرار الإلهية .. فشرعتُ فى شرح ذلك .

    البيت الأول : راجعت (ذخائر الأعلاق) فوجدت الأبيات هناك ، وليس معها البيت الأول الذى أوردته منذ قليل ، فظننت أن البيت سقط من هذه الطبعة ، فرجعت لمخطوطات الكتاب ، فلم أجد البيت .. سألت الزملاء المتخصِّصين والدراويش الهائمين بابن عربى ، فلم يعرفه واحدٌ منهم !

    من أين أتيتُ بهذا البيت الذى هو على وزن وقافية بقيَّةِ الأبيات ، ولاينتظم معنى الأبيات إلا به ، خاصَّةً أنَّ البيت (الثانى) يبدأ بواو عطفٍ تصلُه بما سبقه .. لا إجابة حتى الآن عندى .

    مقام الشيخ
    دخلتُ من بهو المسجد ، فألفيتُ شارةً تدلُّ على مرقد الشيخ ، نزلت بضعةَ درجاتٍ أُخر (هذا هو مستوى سطح الأرض قبل ثمانمائة سنة) وفى غرفةٍ مستطيلة ، داخل سياجٍ من الفضَّةِ الخالصةِ ، كان مقام الشيخ الأكبر محيى الدين بن عربى .. أِشهر صوفىٍّ فى تاريخ الإسلام .

    بجوار المرقد ثلاثةُ مشاهدَ لأولياءَ أرادوا أن يدفنوا تحت أقدام الشيخ ، وإلى جوارهم قبر الأمير عبد القادر الجزائرى الذى وَلِعَ بالشيخ ، ونشر لأولِ مرَّة كتاب (الفتوحات المكيَّة) وكان إلى جانب تاريخه الجهادى المعروف ، ذا نزوع صوفىٍّ أصيلٍ .. بل كان مؤلِّفاً صوفياً ، نشرتُ له قبل أعوام شرحاً صوفياً بديعاً لأبياتٍ صوفيَّةٍ مجهولة المؤلف – شرحها أيضاً صوفية آخرون – تقول :

    رأتْ قمرَ السماءِ فأذكرتنـى ليالىَ وَصْلِهـا بالرقمتيـنِ

    كلانا ناظرٌ قمـراً ولكــن رأيْتُ بعينهـا ورأتْ بعينى

    يحيط بمرقد الشيخ مساحةٌ تكفى لجلوس بضعةِ رجالٍ ، وفى الجانب المقابل مساحة أقل مخصَّصة للنساء ، وقد أُسدلت بين الجانبين ستارةٌ خضراء مشدودةٌ بخيط .. وجدتُ لى بين الجالسين بالمقام موضعاً ، كانوا خمسة أربعةٌ منهم من يقرأون المصاحف همساً ، والخامس مطرقٌ أمام مقامِ الشيخ فى استغراقٍ لا آخر له .. لما دخلتُ ، رفع رأسَهُ فرأيتُ فى وجهه ملامح شيخى – يوم كنتُ متصوفاً- الذى فارق دنيانا قبل سنوات : مصطفى حلمى القادرى .

    جلستُ لأقرأ الفاتحة .. قرأتُ فواتحَ كثيرةً ، فانفتحت أمام بصيرتى كُوَّةٌ سطعتْ منها تجليات الشيخ الأكبر ، رأيته – على بقايا مرايا ذاتى- ساطعاً فى أحواله ومقاماته، منذُ بدو شأنِهِ فى بلاد الأندلس ، حيث نشأ وتلقى العلم وبرقت أعلام ولايته ، وهو بعدُ –بحسب تعبيره – لم يبقل وجهه (يقصد : لم ينبت له شارب أو لحية) .

    فى هذا الوقت المبكِّرِ من حياة محيى الدين ابن عربى ، سمع به الفيلسوف الشهير أبو الوليد بن رشد ، وكان الأخير صديقاً لوالد محيى الدين فطلب ابن رشد من الوالدِ لقاء ولدِهِ .. فكان لقاء الفيلسوف والصوفى . يحكى لنا ابن عربى لقاءه مع ابن رشد ، فيقول ما نصُّه :

    دخلت يوماً بقرطبةَ على قاضيها أبى الوليد بن رشد ، وكان يرغب فى لقائى لما سمع وبلغه ما فتح الله به علىَّ فى خلوتى ، فكان يُظهر التعجُّبَ مما سمع . فبعثنى والدى إليه فى حاجةٍ ، قصداً منه حتى يجتمع بى ، فإنَّه كان من أصدقائه ، وأنا (آنذاك) صبىٌّ ما بقل وجهى ولا طرَّ شاربى . فعندما دخلت عليه ، قام من مكانه إلىَّ محبَّةً وإعظاماً ، فعانقنى وقال لى : نعم ! قلت له : نعم ! فزاد فرحه بى لفهمى عنه ، ثم استشعرتُ بما أفرحه ، فقلت : لا ! فانقبض وتغير لونه وشك فيما عنده . وقال لى : كيف وجدتم الأمرَ فى الكشف والفيض الإلهى ، هل هو ما أعطاه لنا النظر ؟ قلت : نعم ولا ، وبين نعم ولا تطيرُ الأرواحُ من موادِّها والأعناق من أجسادها ! فاصفرَّ لونُه .

    وهكذا ، كان لقاء ابن عربى وابن رشد عند تقاطع طريقين .. طريق الصبىِّ العارج من العلوم الدنيوية إلى المعارف الإلهية ، وطريق الشيخ الذى أفنى عمره فى الاشتغال بالفلسفيَّاتِ الأرسطيَّة وهموم الدنيا . لم يكن الفيلسوف ابن رشد مؤمناً بالطريق الصوفى، لكنَّه كان قلقاً حياله .. كان يعلم أن (الحقيقة) غير محدودة ، وعزيزة المنال .. الحقيقةُ عند ابن رشد تتجلى حيناً فى ثوب فلسفى ، وحيناً فى إهاب الدين ، وحيناً فى إطار الدين .. فأين التجلِّى الأتمُّ للحقائق ، هل هو فى الكشف الصوفى ، وهل يُدرك الصوفيُّة (الحقيقة) بنوعٍ من الإشراق والفيض ، وهل هذا الصبى – ابن عربى- قد عرف فى بداياته، الطريق الذى غاب عنه – ابن رشد- حتى فى نهاياتِهِ .. أسئلةٌ قلقة كانت تعتمل بعقل ابن رشد (الشيخ) الذى كما رأينا ، زاده ابن عربى (الصبى) حَيرةً على حيرته .

    انتبـاهٌ
    رُدِدتُ من غيبتى بالمقام المتوغلِ فى الأرض قدرَ قامتينِ ، وانتبهت ثانية لمن حولى، كان الشيخُ المواجهُ للمقام لايزال جالساً بإطراقته الخاشعة ، وكان الجالسون حولى لايزالون يترنمون بآى القرآن .. وسرت من خلف الستارة الخضراء همهةُ النسوةِ اللواتى أتين مُبكراً لمجاورة الشيخ ، علت أصواتهن . فى الجانب النسوى غير المعزول بالستارة وقف البعضُ منهنَّ ليُقِمْنَ الصلاة . سألت الشيخ المهيب الجالس على باب المقام : هل تجوز صلاةُ النساءِ أمامَ الرجال ؟ نظر إلىَّ هنيهةً ، ولم يُجبْ ! عدتُ لأسألهُ : هل أمضيت وقتاً طويلاً حارساً للمقام ؟ هَزَّ رأسه إيجاباً ، ولم يزد .. أردت لو أسمع صوته ، فسألتُه : هل هذا المقام هو قبر الأمير عبد القادر الجزائرى ؟ قال بهدوء : نعم .

    أعرف أنَّ رفاتَ الأمير عبد القادر انتقلت للجزائر قبل سنواتٍ ، وأقيم له مشهدٌ عند الطريق الممتد من المطار إلى العاصمة .. لماذا حرص الجزائريُّون على نقل رفات الأمير .. هو لإبراز اعتزازهم به .. أما كان من الممكن الاعتزاز به وهو مدفون بالموضع الذى اختاره لنفسه .. أم تراهم رأوا فى (سوريا) بلداً آخر ، قاصياً وإن لم يكن قاسياً ! تألمتُ ماذ لو قام كلُّ بلدٍ عربى وإسلامى بنقل رفات أعلامه المدفونين فى البلاد العربية الأخرى .. فى هذه الحالة سينبش العرب أرضهم بطولها وعرضها .

    الرحيل
    كان النهار قد انتصف ، مرَّتِ السَّاعاتُ سريعةً بمعيَّةِ الشيخ ، وأدهشنى فورَ خروجى من المقامِ المستقرِّ فى بطن الأرض ، ذلك الصخبُ الآتى من السوق المحيطة .. لم يصل شئٌ إلى مسامعى داخل المقام ، فقط كان السكون والسكينة والغوص فى بحار ابن عربى .. تلك البحار الهادرة المغرقة ، الساطعة المشرقة .

    فى طريق خروجى من المقام ، عرجت لزيارة المسجد .. مسجدٍ فسيحٍ ، ذى حضورٍ خاصٍّ . على بابه وضع أحدُهم (لافتةً) للنظر ، عليها صورة تليفون محمول عليه شارة المنع .. وبجوار الصورة كتب :

    اقطع اتصالك بالخلق ، واجعل اتصالك مع الخالق !



  12. #12
    من تجليات الظاهرة الشبقية في أدب محيي الدين بن عربي
    ( النكاح الساري في الأرواح والذراري )

    بقلم : د. محمد جاهين بدوي

    ثمة بيت شعري مفرد للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي يلخّص به قضية محورية من أهم القضايا والموضوعات الفكرية التي يرتكز عليها مشروعه الصوفي والفلسفي القائم على الوحدة التي تنحلّ إلى كثرةٍ، والكثرة التي ليست شيئا سوى الوحدة، وهي الفكرة الصوفية الفلسفية التي جرّت على الشيخ كثيرا من الهجوم في حياته وبعد مماته، وغلّفت مشروعه ذاك بكثير من الريب والتهم، وبخاصة من قبل التقليدين المحافظين من علماء الشريعة وأهل الظاهر.
    أقول: هذا البيت الشعري هو قول الشيخ:
    نَكَحْـتُ نَفْسِي بِنَفْـسِي فَكُنْـتُ بَعْـلِي وعِـرْسِي
    وهذا البيت واردٌ على هذا النحو في الديوان الكبير مفردا لا سابق له ولا لاحق، وهو أشبه بأُحجية أو لغزٍ شعري صوفي، يحتاج فهمه على وجهه الصحيح لأن يكون قارئه على دراية بطبيعة منهج الشيخ وطريقته الصوفية ومذهبه الفلسفي، والبيت ببساطة – قبل أن يظن القارئ الكريم بالشيخ الظنون، ويرميه بالشذوذ أو النرجسية أو الجنسية المثلية – يشير إلى أن الرجل إذا نكح امرأةً ما، فثمّ اثنينية في الظاهر الآنيّ الحاضر، ولكنها واحدية باعتبار النظر إلى الأصل الذي انبثقت عنه هذه الاثنينية وهو الرجل، فالمعلوم المقرر المصطلح عليه أن المرأة خلقت من ضلع الرجل، فهي جزء منه قد انفصل عنه، ولذلك فهو دائم الحنين إليه، والتعلق به، والسعي الدائب نحوه بهدف عودة الفرع إلى أصله، والجزء إلى كله، والرجل عندما ينكح امرأته، جزأه الذي انفصل عنه قِدْمًا إنما ينكح بعضه وجزأه، فهو البَعْلُ والعِرْسُ، وهو الفاعل في الحقيقة والمفعول، لا باعتبار الحالة الآنية المشاهدة، وإنما باعتبار الأصل في النشأة والجبلة.
    وينوّع الشيخ ابن عربي على هذه النغمة في ثنايا شعره وتضاعيفه المختلفة مؤكدا هذه المعاني على ذات النسق من الإلغاز والإلباس، فيقول:
    ولَـدَتْ أُمِّـي أبَـاهَا إنَّ ذا مِـنْ عَجَــبَاتِي
    وهذا العجب العاجب سرعان ما يزول إذا ما عرفت القصد الذي يرمي إليه في سياقاته الفكرية التي يلحّ فيها على تأكيد أن الرجل إنما هو أصل الخليقة البشرية، وأن المرأة فرع عنه، وجزءٌ منه، فإذا ما ولدت امرأة ما ولدًا ذكرا فهي إنما تلد في الحقيقة من كان لها أصلا ومصدرا، وهي بذلك كأنما ولدت أباها، على طريقة الشيخ في الإيهام والإلباس.
    بل يذهب الشيخ في هذا السياق إلى ما هو أبعد من هذا في كتابه الموسوم بفصوص الحكم في معرض تعليقه الصوفي على حديث الرسول الكريم: “حُبّبَ إليَّ من دنياكم ثلاث: النساءُ والطيبُ وقرة عيني في الصلاة” فيقرر أن علة تعلق الرسول بالنساء وحبّه لهنّ إنما لأنهنّ المعرض الأتم والأجلى والأبهى للتجلّي الإلهي في أروع صوره وأقدرها على تأكيد فكرته في الوحدة التي تنحلّ إلى كثرة، والكثرة التي ليست في حقيقتها إلاَّ مجاليَ متنوعة متعددة للوحدة.
    وذلك لأن الرجل عندما يتصل بالمرأة جنسيا يظهر في هذا المعرض صورة من صورة التوحّد وعودة الفرع إلى أصله، والبعض إلى كله، ولا يكون ذلك كذلك فحسب بل تكون هذه الحالة الشبقية العليا مظهرا من مظاهر حلوله بخالقه وتوحّده به، لأن الله – كما ورد في الأثر – قد خلق آدم على صورته، فالصورة الآدمية صورة إلهية، فإذا التحمت الصورة الآدمية بأجزائها التي تفرّعت عنها ذَكَّرها ذلك بمثالها الأعظم الذي خُلقت على هيئته، وهو الصورة الإلهية، وبعبارة أخرى: تمثل صورة اللقاء الجنسي بين الرجل والمرأة عودة الجزء إلى الكل، فيكمل الأصل، فتتماهى الصورة بالمثال المطلق، وهذا مظهر من مظاهر التجلي الكوني الأعظم للوحدة الكلية كما يراها الشيخ الأكبر في الفصوص.
    والمتتبع للمشروع الفكري للشيخ ابن عربي يجد إلحاحه على تتبع مفردات النكاح وتوابعه ولوازمه الدلالية يُغلّف بها مواضع كثيرة في شعره ونثره، ليس بوصفها ظواهر أسلوبية، ووسائل تصويرية، وأدوات تعبيرية فحسب، بل بوصفها محاور فكرية عامة تنطلق منها رؤى الشيخ وتصوّراته الكونية والوجودية.
    فالرجل يفسّر آياتٍ من القرآن تفسيرا جنسيا ينمّ عن نزوع شبقي ظاهر في تناوله لأفكاره وقضاياه وتعبيره عنها، ترى ذلك مثلا في تأويله لقوله تعالى: ” الَّذِي جَعَل لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا والسَّمَاءَ بِنَاءً وأَنْزَلَ منَ السَّمَاءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ منَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ…” ( البقرة: 22) فيرى في وصف الأرض بأنها “فِرَاشٌ” إشارةً كنائيةً إلى الأنثى، ويرى كذلك في وصف السماء بـ”البِنَاء” إشارةً إلى عملية الممارسة الحسية وفعل النكاح، من قولهم: بنى الرجل بالمرأة: إذا دخل بها، ثم يرى في ماء السماء: ماء الحياة والذكورة الذي يترتب عليه الإخصاب والإنبات والتوالد والتكاثر في شتى صوره.
    ولا يقف الشيخ عند هذا الحدّ بل ينظر إلى شتى المظاهر الكونية الحسية والمعنوية نظرة جنسية خاصة، فيرى الكون كله في حالة نكاح دائم دائب لا يتوقف، وهو ما عقد له بابًا مستقلا في الفتوحات المكية أسماه: النكاح الساري في الأرواح والذراري، وهو الفصل الرائع الذي تحدث فيه عن مظاهر التزاوج الحسية والمعنوية على المستوى الكوني عامة.
    والقارئ لشرح الشيخ لديوانه: “تَرجمان الأشواق” الذي سمّاه: “ذخائر الأعلاق شرح تَرجمان الأشواق” ، يرى منهج الرجل ومقدرته الرائعة على التأويل وصرف كل ما هو حسي شبقي في غزله بحبيبته النظام ابنة شيخه مكين الدين عن ظاهره الحسي إلى المعاني والدلالات الرمزية الصوفية، على نحوٍ بدا التكلف فيه واضحا جليا في كثير من المواضع.
    من ذلك مثلا تأويله لقوله:
    بِرِدْفٍ مَهُـولٍ كَدِعْـصِ النَّقَا تَرَجْرَجُ مِثْلَ سَنَـامِ الفَنِيـقِ
    والبيت - كما ترى - يطفح حسيةً وشبقية، فهو يشير إلى ردف رائع هائل ممتلئ حسب مواصفات الذوق العربي القديم، ويشبهه في ارتفاعه وتميزه عن سائر أوصال الجسد وأعضائه بارتفاع كثيب الرمل، ولا يقف به عند هذه الصورة الثابتة الجامدة، وإنما يكسبه حظا من حركة وحيوية عندما يشبهه في رجرجته واهتزازه بسنام الجمل السمين المكرم عند أهله لا يهان أو يبتذل أو يحمل عليه في حلٍّ أو ترحال، فهو ممتلئ السنام شَحْمًا ودُهْنًا فإذا مشى ترجرج وتمايل واهتزّ أيما اهتزاز.
    وعلى الرغم من هذه الحسية والشبقية الواضحة في الصورة، والتي تجعل مهمة المتأول صعبة عسيرة يفاجئنا الشيخ ابن عربي مقررا أن الردف ما هو إلا النعم الكثيرة والفيوضات العلوية التي لا تعدّ ولا تحصى مثل حبات رمل الكثيب، والتي ” يُرْدِفُهَا” الله في قلوب أوليائه، ثم يفسّر الاهتزاز والرجرجة مستدعيا إلى الذهن صورة اهتزاز الأرض ورجرجتها إذا نزل عليها الماء فإذا هي تهتزّ وتربو لما أصابها من الغيث العميم، وكذلك قلوب العارفين إذا تنزلت بها الفيوضات وجادتها الفتوحات.
    والتأوّل – كما ترى – ظاهر التكلف، وإن كان يدل على براعة فائقة في توظيف الموروث في التأويل، والصرف عن الظاهر على طريقة الشيخ ابن عربي.
    وهذا النزوع الشهوي الشبقي عند ابن عربي لا يقف عند آثاره الفكرية الشعرية والنثرية، ومياسمه الأسلوبية، وحقوله الدلالية فحسب، بل يتجاوز ذلك حتى إلى منامات الشيخ وأحلامه، من ذلك ما رَوَى هو نفسه عندما قال: إنه رأى فيما يرى النائم نجوم السماء تُعْرَضُ عليه فينكحها نجمًا نجمًا، يقول: فنكحتها بلذّةٍ روحية عظيمة، ثم عُرِضَتْ عليه حروف اللغة فنكحها حرفا حرفًا بلذّة روحية عظيمة كتلك، يقول: فلمّا عَرَضْتُ رؤياي على من يحسن تعبير الرؤى، فسّرها لي بأني سيفتح عليّ من الملكوت العلوي، وستفيض عليّ من الفتوحات والتنزلات القدسية والروحية، وأني سيُوحَى إليّ من أسرار العلوم والمعارف اللدنية والباطنية.
    يعلّق الدكتور زكي مبارك في كتابه التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق على هذه الرواية بقوله: أين هذه الرؤيا من رؤيا يوسف عليه السلام التي رواها القرآن الكريم: ” إني رأيتُ أحَدَ عَشَرَ كوكبًا والشمسَ والقمرَ رأيتُهُمْ لي ساجدين” ( يوسف: 4 ) وأين السجود في رؤيا “يوسف” عليه السلام، وما يلزم عنه من صور الإجلال والإكبار والمهابة والإعظام من صور النكاح وتوابعه ولوازمه الدلالية في رؤيا ابن عربي الشبقية؟!
    * * *
    وللحديث بقية، حول تجليات الظاهرة الشبقية

  13. #13

    فكر محيي الدين بن عربي علي طاولة حوار في دمشق - تجليات الروح في شفافية العقل - منذر الشوفي
    (ابن عربي) من أبرز اعلام الصوفية، ولا تزال أفكار وآراء هذا المفكر الاسلامي تشغل بال الباحثين والدارسين، لما فيها من فلسفة وحكمة انسانية، تهذب النفس وترقي بالعلاقات الانسانية إلي مراتب عالية، تصل إلي درجة السمو، بهذا تعد أفكار ابن عربي بمثابة مدرسة نظمت شكل العلاقة بين الناس، وبين عـظمة الانسان الروحية.
    قراءة في فكر الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي كانت عنوان الندوة التي اقيمت في المركز الثقافي العربي بدمشق، وشارك فيها الباحث الدكتور عبد الكريم اليافي، والباحث الدكتور ندرة اليازجي، حيث تناول كل منهما هذا المفكر الاسلامي من زوايته الخاصة، وحاولا من خلال قراءتهما أن يكشفا عن رقة وعذوبة الانسان في فكر هذا الشيخ، وعن المكانة التي احتلها في كتبه.
    ولد الشيخ ابن عربي سنة 560 هجرية 1165 ميلادية في مدينة مرسية علي الساحل الشرقي في الاندلس، وتوفي في دمشق عن عمر يناهز الثمانين، واللافت بحق أن ضريحه غدا مزاراً لا بوصفه مفكراً، بل بوصفه ولياً ذا كرامات، يُتوسل به في نقل احتياجات العامة إلي البارئ العظيم، والانسان في فكر ابن عربي غاية بحد ذاته.
    وتحدث الباحث الدكتور عبد الكريم اليافي في بداية كلامه عن صفات ابن عربي التي جعلت منه انسانياً نبيلاً في اخلاقه ونفسه، واشار إلي ولادته في مرسية بالاندلس، والتي تلقي فيها علومه الاولي، ثم رحيله إلي المغرب، وجولته التي قام بها بين المشرق والمغرب، إلي أن طاب له الاقامة في المضاف بدمشق حيث استقر فيها حتي وفاته.
    ورأي الباحث اليافي في طواف ابن عربي/ راحلاً كالمقيم، ومقيماً كالراحل/ ومثله بذلك كالبحر تراه متحركاً وهو ساكن، وتحسبه ساكناً وفيه تيارات دائمة.
    وأشار اليافي إلي أن ابن عربي كتب أكثر من ثلاثمائة كتاب ورسالة منها ما هو صغير لا يتجاوز عشرات الصفحات، ومنها ما هو واسع مستفيض يزيد علي آلاف من الأوراق، ومن أشهر مؤلفاته وأهمها الفتوحات المكية بدأها في مكة وأكمله في دمشق، وهو موسوعة صوفية قل مثيلها في جميع اللغات.
    واعتبر اليافي ابن عربي علماً من أعلام الفكر الانساني قاطبة، بسبب اتساع فلسفته الصوفية، وجرأته في بعض الاعتبارات الفكرية، وتأويله لبعض الآثار الدينية، ولقي بعض رموزه مقاومة ومناوءة كبيرتين من قبل العلماء السلفيين الذين كانوا حراساً علي الشريعة الاسلامية وصفائها.
    وتناول الباحث اليافي بعض آراء ابن عربي معتبراً أن من أبرز آراء ابن عربي اشادته بعظمة الانسان، واعلاؤه مكانه في الكون، وتنويهه بأهمية الدنيا، وتعظيمه لشأن هذه الحياة التي نحياها، وكذلك تأكيده علي أهمية الحواس وقدرة العقل لدي الانسان، وذلك علي خلاف ما يتصوره الناس عن التصوف والمتصوفة، والانسان أكمل المخلوقات وأعلاها في الكون، وهو خليفة الله في الأرض.
    ومن جهته الباحث ندرة اليازجي رأي بأن ابن عربي يشمل الانسانية بأكملها، لأنه يري الانسانية كلها بداخله، فيحبها، لأن دينه أصبح دين الحب، وهذه الشمولية العظيمة موجودة في فكر هذا الشيخ الصوفي.
    واعتبر اليازجي ان الانسان كائن عظيم، ليس كائناً أرضياً فقط، بل هو كائن كوني والهي أيضاً بمفهوم التجلي، وعندما يتحدث ابن عربي عن الحب يقول: الحب بقدر التجلي والتجلي بقدر المعرفة ، وبذلك استطاع ان يقيم توازناً وانسجاماً كبيراً بين العقل بوصفه الاداة الاساسية للمعرفة، وبين الايمان الذي هو القاعدة الاساسية، أو التوق العظيم للفناء أو لفناء الفناء أو ابطال ابطال العقل عندما نبلغ المستوي الأعلي لهذه المعرفة التي تؤدي بنا إلي ما هو أعظم.. وعندما يتحدث ان عربي عن شجرة الكون، فهو يتحدث عن شجرة الحياة، والتي شكلت من حبة كن وهذه الشجرة الممتدة تتأمل الانسان بجذره ممتد في هذه الأرض وبرأسه ممتد إلي ما لا نهاية، وعندما يتحدث عن المادة يري فيها الحياة، فالكون بنظر ابن عربي حي ينبض بالحياة، وهذه الحياة هي التي يؤدي به إلي مزيد من المعرفة.
    واشار اليازجي إلي انه اثناء تعمقه في فكر ابن عربي وجد بأنه بقدر ما يشدد علي الايمان يشدد علي المعرفة، لأن العقل هو سيد الوجود الأرضي، فاذا ما استغرق في غيوبة عمقية وتجلت له الحقائق، عليه اذا ما عاد إلي حالة اليقظة أن يعرف كيف يعبر عن تلك الحقيقة التي استغرقها.
    وفرق اليازجي بين الانسان عند جان بول سارتر، وبين الانسان عند ابن عربي قال: ان الوجوديين يعتقدون بأن الماهية لا تسبق الوجود، الماهية تأتي بعد الوجود، أما ابن عربي، فهو يؤمن بالماهية، وكلمة الماهية تعني الجوهر أو الثقافة الكامنة بالانسان، وابن عربي يشدد كثيراً علي الطاقة الكامنة، الكمون الموجود في الانسان، ووجوده نتاج لهذه الماهية، وفكره نتاج لهذه الماهية، بينما الوجوديون يقلبون الموضوع رأساً علي عقب، الوجود يسبق الماهية.
    وأثارت هذه الندوة عدة تساؤلات من قبل جمهور الصالة، واستطاعت أن تسلط الضوء علي بعض الجوانب الانسانية المهمة في فكر ابن عربي التي هي بحق تدل علي غني المعرفة لدي هذا المفكر الاسلامي.


  14. #14





    محـيي الـديـن بـن عـربـي
    الشيخ الأكبر..



    من تراثنا العلمي العربي

    سليل أسرة عريقة في العلم والتقوى، كان جده الأعلى عبد الله الحاتمي، أحد قادة الفتوحات ومهتم بالفقه الإسلامي، وكان جده الأدنى أحد قضاة الأندلس وعلمائها، وكان أبوه علي بن محمد من أئمة الفقه والحديث، ومن أعلام الزهد والتقوى والتصوف··
    في هذا الوسط المحب للعلم والعلماء نشأ وترعرع·· ومن صباه كان مرهف الحس والذوق، قوي العاطفة، غلاب الوجدان، ورحب الآفاق في الهمة والتطلع·· انطلقت روحه تبغي أفقاً أعظم وأشمل من ألوان العلوم والمعارف التي ألفها·· إنه محيي الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الحاتمي، بن عربي·




    الولادة والنشأة:
    ولد في بلدة "مرسية" على الساحل الشرقي للأندلس سنة (560هـ-1165م) وعاش فيها حتى بلغ الثامنة، ثم انتقل إلى "إشبيلية"؛ العاصمة الفكرية للإمبراطورية التي شملت شمال أفريقيا، وفيها قضى عشرين عاماً، حيث تلقى علوم الفقه والحديث والكلام، واطلع على المذاهب الفلسفية وسائر علوم عصره·· انتقل بعد ذلك إلى المغرب وأقام فيها حتى سنة (1201م)، زار تونس ومصر والحجاز وبغداد والموصل والقدس والخليل·· ثم أقام في دمشق حتى وفاته سنة (688هـ-1241م)·
    عـلومـه ومعـارفـه:
    ألف ابن عربي في التصوف، وفي التفسير، ومال إلى الأدب، وكتب الرسائل إلى بعض الولاة والعلماء ومفكري عصره، وغير ذلك من تواليف لا يأخذها

    الحصر، وله سعة وتصرف في الفنون من العلم، وباع في الكلام والتصوف، وله في ذلك كتب ومصنفات على قدر من الأهمية والتفرد، وكان يشار إليه بالفضل والمعرفة، والغالب عليه طريق أهل الحقيقة، جمع بين مختلف العلوم المكتسبة، وغلب عليه التوحيد: علماً وخلقاً وحالاً، كان شيخاً جامعاً للعلوم، له معرفة تامة بعلم الأسماء والحروف وعلم الفراسة، وله في ذلك أشيـاء غـريبـة واستنبـاطـات مبدعـة·





    وهو فيلسوف صوفي مسلم مؤمن بوحدة الوجود، فاضل في علوم الحقائق، هز مذهبه العالم الإسلامي، وسيطرت أعماله على القيم الأخلاقية الإسلامية من القرن السابع الهجري، ومن أصحاب المذهب القائل "بأن الله والطبيعة شيء واحد وبأن الكون المادي والإنسان ليسا إلاّ مظاهر للذات الإلهية"، وكان ابن عربي محور الفكر الميتافيزيقي في الإسلام، وقد اعترف له رجال التصوف وأئمته بأنه الشيخ الأكبر، حيث وجد له من العلم والمعرفة ما يذهل العقل ويحيره·
    قسم ابن عربي العلوم إلى ثلاثة: علم العقل، علم الحال، وعلم الأسرار، وهذه هي مجموع المعارف، وما سواها من فروع فيندرج تحت لوائها، وعلم العقل، هو كل علم يحصل نتيجة نظر في دليل، وعلامته أنك كلما بسطت عبارته حَسُن واتضح معناه، بينما علم الأحوال فلا سبيل إليه إلا بالذوق أو المشاهدة، وهو علم يتلون بلون ذوقه أو بلون مشاهداته كالعلم بمرارة الصبر وحلاوة العسل، وشرطه سلامة الإدراك والبراءة من الآفات فمن يغلب على طعم فمه المرارة يجد العسل مراً، وهذا العلم يُترك لأصحابه ، فلا يتحدث به إلا من ذاقه ولا يجوز إنكار الذوق على من ذاق·
    في حين أن علم الأسرار فإنه فوق طور العقل وإدراكاته، هو علم المتصوفة، والعالم به يعلم العلوم كلها، وأساسه الحكمة التي يؤتيها الله من يشاء وقد اختص الله بها ـ كما يقول ابن عربي ـ الأخيار، وهو علم المشاهدة والمكاشفة· ويضيف ابن عربي إلى تلك العلوم، علم التجليا، والتجلي يأتي للنفس البشرية وفق حالتها واستعدادها·
    أسلوبه:
    يعد ابن عربي المثل الأعلى للأرستقراطية العقلية، وأسلوبه البياني ـ كما يقول بعض المستشرقين ـ يشبه عمل الفنان المدقق الذي يتخير الدرر الغالية بعناية فائقة وبحساسية مرهفة لفنان قدير، فهو لايشغلك ـ كما يقول النقاد ـ بالألفاظ مع روعتها عن المعاني، ولا بالمعاني على سموها عن الألفاظ، فلكل عنده نصيبه فهو العالم الأديب، والأديب العالم في كل جملة له صورة بيانية، والقوة لديه قوة الفكر والبيان لاقوة زخرف وتهويل·
    ويظهر أسلوبه جلياً بلغة التصوف فقد نقلها من لغة القلوب إلى لغة العقول، ومزج بينهما فكان منهما أسلوبه الذي تميز به وعرف عنه·
    ويشعر قارىء ابن عربي بأنه خلق خلقاً جديداً، وأنه اطلع على آفاق رحبة وعالم فكري لاعهد له به من قبل·· وتشده عاطفة قوية تجاهه إنه عالم امتلك أسلوباً متفرداً في الكتابة والحوار· لقد برىء قلم ابن عربي مما أصيبت به أقلام غيره، وتغلب بمواهبه العقلية والروحية وبإلهاماته الدينية وكشوفه القلبية على جيله وعلى الأجيال التي سبقته، بل لقد احتفظ بتفرده وتفوقه على الأجيال التي تعاقبت بعده، فعاش في التاريخ منارة لاتطاول، وصرحاً شامخاً ممرداً ترتد عنه العيون·
    أهم أعماله:
    الفتوحات المكية: بدأ ابن عربي بتأليف نسخة منه في مكة عام 1203 بعد أن جمع المواد ووضع المخطط، كرّس ثلاثين عاماً لإتمام المشروع، يتألف العمل من 560 مقطع مقسمة إلى ستة أقسام كبيرة· يطرح في بداية عمله الأسس الدينية وبشكل خاص الخفية، التي تعد أشياء مهمة بالنسبة للصوفية· بدأ من علم الآداب وانتهى بعرض أسرار الطقوس الدينية·
    التجليات الإلهية:
    ألــفّ ابـن عـربي هـذا الكـتاب في الموصل في نهايــة عام 1204 طوّر من خلال هذا العمل فكرته الأساسية بخصوص التوحـيد· واختار لطـرح فكـرتـه أسلوب المحادثة الخياليــة مـع كـبار العلماء الروحـانيـين فـي الشــرق الـذيـن سـبقــوه·
    فصوص الحكمة:
    ألفّه في دمشق قبل وفاته بـ 11 عاماً، قصد ابن عربي من خلال هذا العمل عرض حياة وتاريخ الأنبياء المذكورين في القرآن الكريم على ضوء عقيدته في التوحيد· وقد جاء عمله مطابقاً للكتاب المقدس·
    أخيراً··
    يقول طه عبد الباقي السرور في مقدمة كتابه "محيي الدين العربي":
    "ومافكرت يوماً في محيي الدين إلا وترتسم في مخيلتي قمة جبل إفرست والصراع الذي دار حولها للوصول إليها، وتواثبت في خواطري صور هؤلاء الذين جاهدوا للوصول إلى تلك القمة الباذخة المعتصمة بجلالها ورهبتها وكيف توالى عجز الواثبين والطامحين للوصول إلى أعلى قمم الدنيا وأرهب مرتفعاتها· كذلك عندي محيي الدين قمة شامخة في سموه الرائع، شامخة بأسرارها وعلوها وإلهاماتها، قمة هي أعظم ماوصل إليه الخيال المحلق في ميادين العلم والفلسفة والدين، قمة قد أحاطها صاحبها بالصعاب والمشاق والتهاويل حتى غدا الوصول إليها ضرباً من كفاح لاينتهي وغدا المرتقى قاسياً مرهقاً حتى لجبابرة الأجنحة·
    وإذا كان الأصمعي يقول·· إن الكتاب أشبه بساحات الملوك يقع فيها الجوهر والذهب والتراب والنوى، فساحة محيي الدين كالمحراب لاتقع فيها إلا على در مكنون أوسر مصون أو نـور موهوب· لأنها ساحة فوق قمة، قمة مُنْطَلَق إلى السماء وهدى السماء·

    من مؤلفات الشيخ الأكبر ابن عربي:
    ـ الـوصايــا·
    ـ المـوعظـة الحـســنة·
    ـ مشكاة الأنوار فيما روي عن الله سبحــانــه من الأخــبار
    ـ ترجـمان الأشــواق
    ـ تهـذيب الأخــلاق
    ـ الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم
    ـ الحـب والمحبــة الإلهــية
    ـ الحكــم الإلهيـة
    ـ الخيـال عـالم البـرزخ والمثـال
    ـ الديــوان الأكـبر
    ـ ذخائر الأعلاق
    ـ فـلسـفــة الأخــلاق
    ـ مـكــارم الأخـــلاق
    ـ محاسبة النفس الإنسانية
    ـ الحـكــم الصـوفيــة
    ـ الـفتـوحـات المكـيـة
    ـ إيمـان فـرعــون
    ـ تفسير الـقرآن الكـريم
    ـ الخـلــوة المطـلقـة
    ـ شجــرة الكــون
    ـ رســالة في حـل الغـريب·
    ـ فصوص الحكــمة·
    ـ تفسير ألفــاظ الصوفيــة
    ـ لــوازم الحــب الإلــهي
    ـ اصطــلاحات الصــوفية
    ـ روح القــرآن الــكريم
    ـ التدابيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية·








  15. #15
    تبرئة التصوف الإسلامي من اتحاد الوجود و الحلول الموقعان في الشرك الأكبر!!!

    --------------------------------------------------------------------------------

    بسم الله الرحمن الرحيم

    كل سعي مشروع لتزكية النفس وتطهيرها من الأخلاق الذميمة فهو من لب الإسلام وبعض العلماء يسمونه ‏(‏التصوف‏)‏‏.‏

    رغم أن المنهج الأساسي (لمن تسمونهم بالصوفيين) هو القرآن و السنة ، و رغم أننا لا نتخذ إلا كلام الله و رسوله منهاجا لنا في الحياة.

    إلا أنني سأورد أدلة من كلام كبار السادة الصوفية (الذين كفرتموهم و زندقتموهم) و سترون بكل وضوح بأنهم ما كانوا ليؤمنوا بهذا المعتقد التافه القذر. و أنه و إن وجد في كتبهم عقائد زائغة فذلك دس عليهم و الله أعلم.

    الشيخ محيي الدين بن عربي:

    1- قال الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى في عقيدته الصغرى: (تعالى الحق أن تحله الحوادث أو يحلها)[الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].

    2- وقال في عقيدته الوسطى: (اعلم أن الله تعالى واحد بالإِجماع، ومقام الواحد يتعالى أن يحل فيه شيء، أو يحل هو في شيء، أو يتحد في شيء) [الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].

    3- وقال في باب الأسرار: (لا يجوز لعارف أن يقول: أنا الله ، ولو بلغ أقصى درجات القرب، وحاشا العارف من هذا القول حاشاه، إِنما يقول: أنا العبد الذليل في المسير والمقيل) [الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].

    4- وقال في الباب التاسع والستين ومائة: (القديم لا يكون قط محلاً للحوادث، ولا يكون حالاً في المحدَث) [الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].

    5- وقال في باب الأسرار: (من قال بالحلول فهو معلول، فإِن القول بالحلول مرض لا يزول، وما قال بالاتحاد إِلا أهل الإِلحاد، كما أن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول) [الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].

    6- وقال في الباب التاسع والخمسين وخمسمائة بعد كلام طويل: (وهذا يدلك على أن العالم ليس هو عين الحق، ولا حل فيه الحق، إِذ لو كان عينَ الحق، أو حلَّ فيه لما كان تعالى قديماً ولا بديعاً) [الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].

    7- وقال في الباب الرابع عشر وثلاثمائة: (لو صحَّ أن يرقى الإِنسان عن إِنسانيته، والمَلكُ عن ملكيته، ويتحد بخالقه تعالى، لصحَّ انقلاب الحقائق، وخرج الإِله عن كونه إِلهاً، وصار الحق خلقاً، والخلق حقاً، وما وثق أحد بعلم، وصار المحال واجباً، فلا سبيل إِلى قلب الحقائق أبداً) [الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].

    8- وكذلك جاء في شعره ما ينفي الحلول والاتحاد كقوله:

    ودعْ مقالةَ قوم قال عالمُهم بأنَّه بالإِله الواحد اتحَدا

    الاتحادُ مُحُالٌ لا يقول به إِلا جهولٌ به عن عقلهِ شَرَدَا

    وعن حقيقتِه وعن شريعتِه فاعبدْ إِلهَك لا تشركْ به أَحَدا

    9- وقال أيضاً في الباب الثاني والتسعين ومائتين: (من أعظم دليل على نفي الحلول والاتحاد الذي يتوهمه بعضهم، أن تعلم عقلاً أن القمر ليس فيه من نور الشمس شيء، وأن الشمس ما انتقلت إِليه بذاتها، وإِنما كان القمر محلاً لها، فكذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه) [الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].

  16. #16
    عن الدس في مؤلفات الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي

    السيد أحمد القطعاني الحسني المالكي / الحجة المؤتاه

    --------------------------------------------------------------------------------

    للشيخ الأكبر ما يقارب خمسمائة كتاب يعلم منهم الآن مائتي كتاب ، والباقي لم يعثر عليه بعد فيما نعلم ، ومن أشهر كتبه ( فصوص الحكم ) و ( الفتوحات المكية ) وهما من أعظم كتب المكتبة الإسلامية على الإطلاق ، وإن كانا لا يخلوان من الدس بشهادة المحققين .
    وقد سئل الإمام الحصفكي : " من قال عن فصوص الحكم للشيخ محي الدين بن عربي إنه خارج عن الشريعة ، وقد صنفه للإضلال ، ومن طالعه ملحد ، ماذا يلزمه ؟
    أجاب : نعم فيه كلمات تباين الشريعة ، فتكلف بعض المتصلفين إرجاعها إلى الشرع ، ولكن الذي تيقنته أن بعض اليهود افتراها على الشيخ قدس الله سره . وقد صنف الحافظ السيوطي كتابا أسماه ( تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي ) بين فيه حقيقة منهج الشيخ الأكبر الذي ليس إلا الكتاب والسنة ، وقال الشيخ البلقيني : ( كذب والله وافترى من نسبه - يقصد الشيخ الأكبر - إلى القول بالحلول والاتحاد ) ، ولدينا عدة وثائق تثبت أن كتاب الفتوحات تعرض للدس والتزوير ، فيقول الشعراني في اختصاره للفتوحات :
    ( وقد توقفت حال الاختصار في مواضع كثيرة منه لم يظهر لي موافقتها لما عليه أهل السنة والجماعة فحذفتها من هذا المختصر ، وربما سهوت فتتبعت ما في الكتاب كما وقع للبيضاوي مع الزمخشري ، ثم لم أزل كذلك أظن المواضع التي حذفت ثابتة عن الشيخ محي الدين حتى قدم علينا الأخ العالم الشريف شمس الدين أبو الطيب المدني المتوفى سنة 955 هـ فذاكرته في ذلك فأخرج إلي نسخة من الفتوحات التي قابلها على النسخة التي عليها خط الشيخ محي الدين نفسه بقونية ، فلم أر فيها شيئا مما توقفت فيه وحذفته ، فعلمت أن النسخ التي في مصر الآن كلها كتبت من النسخة التي دسوا فيها على الشيخ ) (1)
    ولدينا وثيقة أخرى تثبت أن الشيخ الأكبر لاحظ أن كتابه داخله التحريف والتغيير ، فأعاد كتابته وترك نسخة أصلية عليها خط يده كمرجع ، فقد ذكر المقري وهو المعروف بدقته وتثبته ( أن الشيخ الأكبر أرسل يستأذن الشيخ ابن الفارض في شرح تائيته . فقال ابن الفارض رحمه الله : كتابتك المسمى بالفتوحات المكية شرح لها ) (2)
    وإذا علمت أن ابن الفارض توفي سنة 632 هـ والنسخة التي بخط الشيخ الأكبر كانت في أواخر حياته إذ فرغ منها في 635 هـ دلك هذا على أن الشيخ لاحظ التحريف الذي طرأ على كتابه ، فأراد أن يجعل له حدا بأن يجعل من نسخته مرجعا ، ولا يبعد أن تكون النسخ الموجودة فيما بعد ذلك التاريخ خليط مما كتب الشيخ وغيره ، وقد ذكرنا ذلك ليكون قارئ كتب الشيخ الأكبر على حذر .
    والراجح عندي أن هذه الإضافات هي محاولات من البعض لشرح مغاليق كتب الشيخ وإشكالاتها ، فأضاعوا المعنى من حيث لا يشعرون ، ويظهر هذا واضحا في تغيير الأسلوب فجاة من أسلوب الشيخ المشهود له بالتقدم والروعة ، إذ هو أحد خمسة كتاب شهد لهم علماء الإسلام بالتقدم على سواهم من سابقين ولاحقين (3) إلى أسلوب تقريري عادي خصوصا في الفتوحات .
    ولنرجع إلى العبارة التي ذكرها المنكر وهي ( إن العارف من يرى الحق في كل شيء بل يراه عين كل شيء ) وخوفا من أن يتبادر إلى ذهن سامعها ما تبادر إلى ذهن المنكر ، نجد أن الشيخ كرر في كتبه قوله : ( إن العالم ما هو عين الحق ، ولا حل في الحق ، إذ لو كان عين الحق او حل فيه لما كان تعالى قديما ولا بديعا ) (4) أو قوله : ( أعظم دليل على نفي الحلول والاتحاد الذي يتوهمه البعض أن تعلم عقلا أن القمر ليس فيه من نور الشمس ، وأن الشمس ما انتقلت إليه بذاتها وإنما كان القمر محلا لها ، فكذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه ) (5)
    فالشيخ رحمه الله يبين بوضوح وصراحة أن الحلول والاتحاد لا يصح اعتقادها ، إذ أن ذلك سيؤدي بداهة إلى سلب الصفات الواجبة لله وحده ، مما يؤدي بدوره إلى لزوم فسادها .
    فالعارف من أسقط السوى بالكلية ، فلا يرى في المخلوق إلا قدرة وإرادة الله تعالى ، إذ ذهب المجاز وبقيت الحقيقة ، حقيقة ما ثم إلا الله ظاهرا وباطنا اولا وآخرا .
    وقد قلنا سابقا : إن لكل طائفة اصطلاحات وألفاظا تعارفت عليها لا يقف على مضمونها إلا هم ، وإلى هذا أشاؤ الجلال السيوطي رضي الله عنه بقوله : ( واعلم أنه وقع في عبارة بعض المحققين لفظ الاتحاد إشارة منهم إلى حقيقة التوحيد ، والتوحيد معرفة الواحد الأحد ، فاشتبه ذلك على من لا يفهم إشاراتهم ، فحملوه على غير محله ) (6) وأيضا فإن الاصطلاحات والألفاظ لا تشرح ، بل تفهم ، ومن أراد فهمها وإدراكها فليكن في مستوى قائليها ، قال شيخ الأزهر عبدالحليم محمود : ( فلا بد أن يبلغ الإنسان المستوى أو يقارب المستوى ، وحينئذ سيقول كما قال أسلافنا الذين بلغوا المستوى أو قاربوه : رضي الله عن سيدنا محيي الدين بن عربي ) (7)
    والخلاصة : أن الذي يجب علمه يقينا أن الشيخ الأكبر كان إمام التحقيق حالا ومقالا ، والشارح لعلوم العارفين فعلا واسما ، لا ينطق بغير الله ، ولا يسير على غير كتابه تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان شعاره دائما ( كل من رمى ميزان الشريعة من يده لحظة هلك ) (8)


    --------------------------------------------------------------------------------
    (1) اليواقيت والجواهر للشعراني 1/9
    (2) نفح الطيب للمقري 1/570
    (3) جاء هذا في إذاعة المملكة العربية السعودية في برنامج مسائل ومشكلات بتاريخ 20/2/1985 في حديث لفضيلة الشيخ علي الطنطاوي والخمسة هم : محيي الدين بن عربي وأبوحيان التوحيدي وابن خلدون وحجة الإسلام الغزالي والجاحظ .
    (4) الفتوحات المكية لابن عربي باب 559
    (5) الحاوي للفتاوى للسيوطي 2/134
    (6) الحاوي للفتاوي للسيوطي 2/134
    (7) قضية التصوف المنقذ من الضلال لعبدالحليم محمود 163
    (8) اليواقيت والجواهر للشعراني 1/7


    --------------------------------------------------------------------------------

  17. #17
    إن الله لا يغفر أن يشرك به

    يتساءل الإنسان عند قراءته لهذه الآية : لماذا لا يغفر الله عز وجل أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ؟ هل يصعب على الله غفر الشرك ؟ لماذا آلى على نفسه أن لا يغفر للمشرك .
    يجيب عن هذا السؤال الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي رحمه الله :
    الغفر في اللغة الستر ، أقول غفرت الشيء أي سترته ، وإذا ما أراد الإنسان أن يستر شيئاً فهو إقرار منه بأنه موجود ولا يمكن أن نستر ما ليس موجوداً . وإذا كان الله سيغفر الشرك فهذا يعني اعتراف منه بوجود الشريك ، والحال أنه ليس هناك شريك ، لأن الغفر لا يكون إلا للموجود ، فكيف يغفر الله ما ليس موجوداً ، ومن هنا نفهم قول الله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) ليس على سبيل أن الله لا يريد أن يرحم عباده – وحاشا لله - ولكن على سبيل منطقية الأشياء فالله لا يغفر ما ليس موجوداً ، والمشرك يصر على أن يوجد ما ليس بموجود ، فهل يستجيب له ربه ليثبت هذا الموجود الذي هو ليس بموجود ويستره ، لذلك ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) .



+ الرد على الموضوع

المواضيع المتشابهه

  1. الى رحمة الله الشيخ عبدالرحيم البرعي
    بواسطة اليعقوبابي في المنتدى الركن العام
    مشاركات: 26
    آخر مشاركة: 17-07-2008, 02:28 AM
  2. وقــــفــــاتٌ ... مع النصيحة المنحولة على الحافظ الذهبي
    بواسطة المسلم الآثري في المنتدى ركن طلبة العلم الشريف
    مشاركات: 17
    آخر مشاركة: 22-03-2007, 12:25 AM
  3. من هو محيي الدين ابن عربي ؟؟
    بواسطة masterkey في المنتدى ركن السيرة والتراجم
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 24-09-2006, 06:10 PM
  4. مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 14-12-2004, 02:47 PM

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك