بسم الله الرحمن الرحيم

( سيرة ) نبي الله هود عليه السلام

الحمد لله ربِّ العالمين واشرف الصلاة واتم التسليم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله واصحابه

اجمعين

قال الله تبارك وتعالى: {والى عادٍ أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره أفلا

تتقون (65)} [سورة الأعراف] .

( مقدمة ) :

بعد أن نجّا الله تبارك وتعالى نبيه نوحاً ومن معه في السفينة وأغرق الذين كذبوه من قومه بالطوفان

العظيم الذي عمَّ جميع الأرض، نزل الذين ءامنوا من السفينة يعبدون الله تعالى وحده ويَعْمُرون

الأرض، وكثرت الذرية من أولاد نوح الثلاث سام وحام ويافث الذين كانوا على دين ءابائهم الاسلام،

وكانوا يعبدون الله تعالى وحده ولا يشركون به شيئاً.

ثم بعد أن طال الزمن عاد الفساد والجهل وانتشر في الأرض ورجع بعض الناس الى الاشراك بالله

وعبادة غير الله، فبعث الله تبارك وتعالى هوداً قال تعالى: {كذبت عادٌ المرسلين (123) اذ قال لهم

أخوهم هودٌ ألا تتقون (124) اني لكم رسولٌ أمين (125)} [سورة الشعراء]. وقد سماه الله أخاً لهم

لكونه من قبيلتهم لا من جهة أخوة الدين، لأن أخوة الدين لا تكون الا بين المؤمنين كما قال تعالى:

{انَّما المؤمنون اخوة (10)} [سورة الحجرات].

عدد المرات التي ذكر فيها هود عليه السلام في القرءان :

ذكر هود عليه الصلاة والسلام في القرءان الكريم سبع مرات، وقد ذكر الله تبارك وتعالى قصته عليه

السلام مع قومه مع شىء من التفصيل في سورة الأعراف وسورة هود وسورة المؤمنين وسورة

الشعراء وسورة الأحقاف وسورة فصلت.


أصله ونسبه عليه السلام :

سيدنا هود عليه السلام عربي في أصله، وقيل انه هود بن عبد الله بن رباح بن الجلود بن عاد بن

عَوْص بن ارم بن سام بن نوح، وقيل غير ذلك.وقد جاء في صحيح ابن حبان عن أبي ذر في حديث

طويل في ذكر الأنبياء والمرسلين قال: "وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك محمد".

مساكن قوم عاد :

قال الله تبارك وتعالى في سورة الأحقاف: {واذكر أخا عادٍ اذْ أنذرَ قومهُ بالأحقافِ وقد خلتِ النّذُرُ من

بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا الا الله اني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21)} [سورة الأحقاف].

قبيلة عاد قبيلة عربية كانت باليمن، وكانت منازلهم ومساكنهم وجماعتهم أرض الأحقاف، والأحقاف

هي الرمل فيما بين عمان وحضرموت من أرض اليمن بأرض يقال لها الشِّحر، وقيل كانوا ثلاث عشر

قبيلة وظلموا وقهروا العباد بسبب قوتهم التي ءاتاهم الله اياها، فقد زادهم الله في الخلقة والقوة،

وبسط لهم في أجسادهم وعظامهم فكانوا طوالا في أجسادهم وقوامهم، قيل كان أطولهم مائة

ذراع وأقصرهم ستين ذراعاً، قال تعالى: {واذكروا اذ جعلكم خُلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخَلْقِ

بصطةً (69)} [سورة الأعراف]. وكانوا أصحاب أوثان وأصنام يعبدونها من دون الله، صنم يقال له صداؤ،

وصنم يقال له صمود، وصنم يقال له الهباء، قال الله تعالى: {ألم ترَ كيف فعل ربك بعاد (6) ارَمَ ذاتِ

العماد (7) التي لم يُخلق مثلها في البلاد (8)} [سورة الفجر].

دعوة هود عليه السلام قومه الى عبادة الله وحده وما جرى بينه

وبين قومه من جدال وحسن دعوته الى الله تعالى :

أعطى الله تبارك وتعالى قبيلة عاد نعماً كثيرة وافرة وخيرات جليلة، فقد كانت بلادهم ذات مياه وفيرة

فزرعوا الأراضي وأنشأوا البساتين وأشادوا القصور الشامخة العالية، اضافة لما منحهم الله تعالى

فوق ذلك من بسطة في أجسامهم وقوة في أبدانهم لكنهم كانوا غير شاكرين لله على نعمه،

فاتخذوا من دونه ءالهةً ةعبدوا الأصنام وصاروا يخضعون لها ويتذللون ويقصدونها عند الشدة، فكانوا

أول الأمم الذين عبدوا الأصنام بعد الطوفان العظيم الذي عم الأرض وأهلك الكافرين الذين كانوا

عليها، فبعث الله تبارك وتعالى اليهم نبيه هوداً وكان أحسنهم خلقاً وأفضلهم موضعاً وأوسطهم

نسباً، فدعاهم الى دين الاسلام وعبادة الله تعالى وحده وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع،

وأن يوحدوا الله الذي خلقهم ولا يجعلوا معه الهاً غيره، وأن ينتهوا ويكفوا عن الظلم والبغي والفساد

بين الناس، ولكنهم عاندوا وتكبروا وكذبوا نبي الله هوداً عليه الصلاة والسلام وقالوا: {من أشدّ منّا

قوة (15)} [سورة فصلت]، وءامن به واتبعه أناس قليلون كانوا يكتمون ايمانهم خوفاً من بطش وظلم

قومهم الكافرين المشركين، قال الله تبارك وتعالى: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا

من أشد منا قوةً أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (15)}

[سورة فصلت]، وقال الله تبارك وتعالى: {والى عادٍ أخاهم هوداً قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من الهٍ

غيرهُ أفلا تتقون (65)} [سورة الأعراف] المعنى أن هوداً قال لقومه: يا قوم اعبدوا الله وحده ولا

تجعلوا معه الهاً غيره فانه ليس لكم اله غيره أفلا تتقون الله ربكم فتحذرونه وتخافون عقابه بعبادتكم

غيره وهو خالقكم ورازقكم دون كل ما سواه، فأجابه قومه ما أخبر الله تبارك وتعالى به: {قال الملأ

الذين كفروا من قومه انّا لنراك في سفاهة وانّا لنظنك من الكاذبين (66) قال يا قوم ليس بي

سفاهةٌ ولكني رسولٌ من رب العالمين (67)} [سورة الأعراف].

المعنى أن الملأ الذين كفروا وجحدوا توحيد الله وعبدوا الأصنام وأنكروا رسالة هود وكذبوا ما جاء به

قالوا له: انا لنراك يا هود في سفاهة ويريدون بذلك أنك في ضلالة عن الحق والصواب بتركك ديننا

وعبادة ءالهتنا وانا لنظنك من الكاذبين في قولك اني رني رسول من رب العالمين: {قال ياقوم ليس

بي سفاهةٌ ولكني رسول من رب العالمين (67) أبلغكم رسالات ربي وأناْ لكم ناصح أمين (68)}

[سورة الأعراف]، أي يا قوم ليس بي سفاهة عن الحق والصواب بل اني على الحق المبين

والطريق الصواب، رسول من رب العالمين أرسلني اليكم فأنا أبلغكم رسالات ربي وأؤديها اليكم، وأنا

لكم ناصحٌ فيما دعوتكم اليه من عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، فأقبلوا

نصيحتي فاني أمين على وحي الله وعلى ما ائتمنني عليه من الرسالة لا أكذب فيه ولا أزيد ولا

أبدل، بل أبلغ ما أمرت به كما أمرت.


قال تعالى: {أوَ عجبتم أن جاءكم ذكرٌ من ربكم على رجل منكم لينذركم (63)} [سورة الأعراف]، أي

عجبتم أن أنزل الله وحيه بتذكيركم وأرسل نبيه اليكم يدعوكم الى عبادة الله وحده وترك عبادة

الأصنام، ولينذركم عذابه ان لم تقبلوا دعوته ولم تدخلوا في دينه الاسلام، وقد قال لهم هود هذا

منكراً عليهم بعد أن استعبدوا أن يبعث الله رسولاً بشراً ياكل ويشرب كما يأكلون ويشربون، واعتبروا

أن تصديقه في دعواه خسارة وبطلان {واذكروا اذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق

بصطة فاذكروا ءالاء الله لعلكم تُفلحون (69)} [سورة الأعراف]، المعنى اتقوا الله في أنفسكم واذكروا

ما حلّ بقوم نوح من العذاب اذ عصوا رسولهم وكذبوه وكفروا بربهم واستمروا على بغيهم وتكبرهم،

فانكم انما جعلكم ربكم خلفاء في الأرض بعدهم لما أهلكهم، فاتقوا الله أن يحل بكم نظير ما حل

بهم من العقوبة فتهلككم كما أهلكهم ويبدل منكم غيركم سنته في قوم نوح قبلكم على كفرهم

وتجبرهم. ثم بَيَّنَ لهم نعم الله الجليلة عليهم اذ زادهم في الخلق بسطة فزاد في أجسادهم

وقوامهم فأمرهم أن يذكروا نعم الله عليهم وفضله عليهم في أجسادهم وقوامهم، فيشكروا الله

تعالى على ذلك بأن يعبدوا الله وحده ويخلصوا له العبادة ويتركوا الاشراك وعبادة الأصنام كي يفلحوا.

لكنّ قوم هود رغم هذا البيان المقنع والكلام الناصح من نبيهم هود عليه السلام لم يقبلوا الحق

الذي جاء به، وأعلنوا له أنهم لن يتركوا عبادة الأصنام وأنهم يعتقدون أن بعض ءالهتهم غضب عليه

فأصابه في عقله فاعتراه جنون بسبب ذلك، كما أنهم استبعدوا اعادتهم يوم القيامة وأنكروا قيام

الأجساد بعد أن تصير تراباً وعظاماً، فقال لهم نبيهم هود عليه السلام ما أخبرنا الله به في القرءان

الكريم {وما أسألكم عليه من أجر ان أجريَ الا على رب العالمين (127) أتبنون بكل ريع ءاية تعبثون

(128) وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (129) واذا بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا الله وأطيعون

(131) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعام وبنين (133) وجنات وعيون (134) اني

أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135)} [سورة الشعراء]، وقال تعالى مخبراً عن قول هود عليه

السلام في موضع ءاخر من القرءان الكريم {ياقوم لا أسألكم عليه أجراً ان أجري الا على الذي

فطرني أفلا تعقلون (51) ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا اليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم

قوة الى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52)} [سورة هود].

فبين لهم سيدنا هود عليه السلام أنه لا يطلب على نصيحته لهم أجرا يأخذه منهم أو رئاسة يتزعم

بها عليهم، وأنه لا يطلب الأجر في دعوته لهم الى الايمان والاسلام الا من الله تبارك وتعالى، ثم

قال لهم واعظاً ما معناه أتبنون بكل مكان مرتفع بناءً عظيماً هائلاً تعبثون ببنائه ولا حاجة منكم أن

تعمروا فيه وأنتم تسكنون الخيام العظيمة، ثم تتخذون القصور رجاء منكم أن تعمروا في هذه الدار

أعماراً طويلة، ثم ذكر لهم أنهم يتجبّرون ويظلمون الناس فأمرهم أن يتقوا الله بأن يدخلوا في دينه

ويعبدوا الله وحده ويطيعوه، وذكّرهم بما أنعم الله به عليهم وبما أمدهم به من أنعام وبنين وما رزقهم

من مياه وافرة وبساتين خضراء يانعة يتنعمون بها، وحذرهم من عذاب الله العظيم يوم القيامة الذي

لا ينفع فيه مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم من الكفر والشرك، ولكن قوم هود أصرّوا على

كفرهم وعنادهم وقالوا له فيما قالوا: أجئتنا لنعبد الله وحده ونترك عبادة الأوثان والأصنام ونخالف

ءاباءنا وأسلافنا وما كانوا عليه، وقالوا له على وجه التهكم والعناد والاستكبار ان كنت صادقاً فائتنا

بما تعدنا من العذاب فانا لا نصدقك ولا نؤمن بك وقد أخبرنا الله في القرءان بذلك {وقالَ الملأ من قومِهِ

الذينَ كفروا وكذَّبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا الا بشرٌ مثلكم يأكلُ مما تأكلون

منه ويشرب مما تشربون (33) ولئن أطعتم بشراً مثلكم انَّكم اذاً لخاسرون (34) أيعِدُكم أنكم اذا

متّم وكنتم تراباً وعظاماً أنَّكم مخرجون (35) هيهاتَ هيهاتَ لما توعدون (36) ان هي الا حياتنا الدنيا

نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) ان هو الا رجلٌ افترى على الله كذباً وما نحن له بمؤمنين (38)}

[سورة المؤمنين]، وقال: {قالوا يا هودُ ما جئتنا ببَيِّنةٍ وما نحن بتاركي ءالهتنا عن قولك وما نحن لك

بمؤمنين (53) ان نقول الا اعتراك بعضُ ءالهتنا بسوءٍ (54)} [سورة هود]، وقال تعالى: {قالوا سواءٌ

علينا أوَعَظْتَ أم لم تكن من الواعظين (136) ان هذا الا خلقُ الأولين (137) وما نحن بمعذبين

(138)} [سورة الشعراء] أي أن هذا الدين الذي نحن عليه ان هو الا دينُ الآباء والأجداد ولن نتحول

عنه، فأعلمهم هود عليه السلام أنهم استحقوا الرّجس والغضب من الله لاصرارهم على كفرهم

وعبادة الأصنام، ولينتظروا عذاب الله الشديد الواقع عليهم لا محالة.

قال الله تعالى: {قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد ءاباؤنا فأتنا بما تعدنا ان كنت من

الصادقين (70) قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتُجادلونني في أسماء سميتموها أنتم

وءاباؤكم ما نزّل الله بها من سلطانٍ فانتظروا اني معكم من المنتظرين (71)} [سورة الأعراف].


اهلاك عاد وانزال العذاب بهم لتكذيبهم نبي الله هوداً عليه السلام :

لما تجبر قوم هود عليه السلام ولم يستجيبوا لدعوة نبيهم هود عليه السلام بل عصوا رسول الله

هوداً وكذبوه وجحدوا بآيات الله التي أقامها هود عليه السلام دلالة على صدقه في أنه مرسل من

ربه واتبعوا أمر كل جبار عنيد من ملاء قومهم وأصروا على عبادة الأصنام أحلَّ الله تبارك وتعالى بهم

نقمته وعذابه في الذنيا بعد أن أنذرهم سيدنا هود عليه السلام بالعذاب القريب الذي ينتظرهم،

قال تعالى: {قالَ ربِّ انصرني بما كذبون (39) قال عمَّا قليلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادمين (40)} [سورة المؤمنين]

، وقال تعالى اخباراً عن هود: {فانتظروا اني معكم من المنتظرين (71)} [سورة الأعراف]، فأمسك

الله عنهم المطر حتى جهدوا، وكان كلما نزل بهم الجهد ذكّرهم هود بدعوة الله وأنه لا ينجيهم من

البلاء والعذاب الا الايمان والاستماع لنصائحه بالقبول، فكان ذلك يزيدهم عتوّاً وعناداً فازداد العذاب

عليهم وصاروا في قحط وجفاف شديدين فطلبوا السقيا والمطر وأوفدوا وفدهم الى مكة يستسقون

لهم، فأنشأ الله سحاباً أسود وساقه الى عاد فخرجت عليها من واد فلما رأوها استبشروا أنه

سحاب مطر وسُقيا ورحمة فاذا هو سحاب عذاب ونقمة قال تعالى: {فلمّا رأوه عارضاً مستقبلَ

أوديتهم قالوا هذا عارضٌ ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريحٌ فيها عذابٌ أليمٌ (24) تدمر كل شيء

بأمر ربها فأصبحوا لا يُرى الا مساكنهم كذلك نَجزي القوم المجرمين (25)} [سورة الأحقاف]، أي أن

الله أرسل عليهم ريحاً شديدة عاتية حملت رحالهم ودوابهم التي في الصحراء وقذفت بها الى مكان

بعيد، فدخل قلوبهم الفزع وهرعوا مسرعين الى بيوتهم يظنون أنهم ينجون، ولكن هيهات اذ

حملتهم هذه الرياح الشديدة وأهلكتهم. وكان بعد ذلك العرب اذا بعثوا وفداً لهم قالوا: لا تكن كوافد

عاد، روى الامام أحمد في مسنده أن الحارث بن حسان البكري قال لرسول الله صلى الله عليه

وسلم: "أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد" الحديث.

قال الله تعالى: {وأمّا عادٌ فأهلكوا بريحٍ صرصرٍ عاتية (6) سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام

حسوماً فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية (7) فهل ترى لهم من باقية (8)} [سورة

الحاقة].

لقد أرسل الله على قوم هود ريحاً باردة شديدة الهبوب سخرها الله على القوم الكافرين سبع ليال

وثمانية أيام كوامل متتابعات حتى أهلكتهم وصاروا صرعى، وقد شبههم الله بأعجاز النخل التي لا

رءوس لها، وذلك لأن هذه الريح كانت تجيء الى أحدهم فتحمله فترفعه في الهواء ثم تنكسه على

أم رأسه فتشدخه فيبقى جثة هامدة بلا رأس، قال الله تبارك وتعالى: {وفي عادٍ اذ أرسلنا عليهم

الريح العقيم (41)} [سورة الذاريات] أي التي لا تنتج خيراً، وقال تعالى: {ما تذر من شيء أتت عليه

الا جعلته كالرميم (42)] [سورة الذاريات] أي كالشيء البالي الفاني الذي لا ينتفع منه بالمرة،

وقال تعالى: {انا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يومٍ نحسٍ مستمر (19) تنزع الناس كأنهم أعجاز

نخلٍ منقعر (20) فكيف كان عذابي ونُذُر (21)} [سورة القمر].

تأمل :

ومن قال ان يوم النحس المستمر يوم الأربعاء وتشاءم به لهذا الفهم فقد أخطأ وخالف القرءان فان

الله تعالى قال: {فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحساتٍ لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة

الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16)} [سورة فصلت]، وروى البخاري عن ابن عباس

رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نُصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور". وريح

الصبا تساعد على اضعاف الكفار عند القتال، وأما قوم عاد الكفار سلّط الله عليهم الدبور.

ولقد نجى الله هوداً عليه السلام ومن معه من المؤمنين قال تعالى: {فأنجيناه والذين معه برحمةٍ

منّا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين (72)} [سورة الأعراف]، وقال تعالى: {ولما جاء

أمرنا نجينا هوداً والذين ءامنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ (58)} [سورة هود].

وقد حج بعد ذلك سيدنا هود عليه السلام كما روى أبو يعلى في مسنده، وأما موضع قبره ففيه

خلاف، قيل بحضرموت في بلاد اليمن، وقيل بالحجر من مكة، وذكر ءاخرون أنه بدمشق، وبجامعها

مكان في حائطه القبلي يزعم بعض الناس أنه قبر هود عليه السلام والله أعلم. وبلاد عاد اليوم

رمال قاحلة لا أنيس فيها ولا ديار، فسبحان الملك العزيز الجبار.

منق/////////ول من أحد المواقع ( بتصرف )