المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أقـوال العلمـاء في التـصــّوف الإسـلامي



العبد الفقير
11-04-2002, 12:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي تفرّد بالقدم والبقاء، وتفضّل بالمنّ والعطاء، والصلاة والسلام على سيدّنا محمد النور الوضـّاء الذي طاف بكل سماء في ليلة المعراج والإسراء والذي أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، وقدوة كاملة للمتقين، وأسوة حسنة للصالحين، داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً فهو النبراس للأئمة المرشدين، والمربّين المزّكين، والعلماء العاملين، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين....

تلبية لرغبة بعض القرّاء الذين إستفسروا عن حقيقة التصوف وعن صحة الحملات المغرضة التي يقوم بها البعض وأسباب الهجوم الشرس الذي يتعرّضه السالكين في الطريق إلى الله، رأيت أن أجمع تحت هذا الموضوع، إن شاء الله تعالى ما كُتب في التصوف والصوفية بأقلام نخبة من أبرز العلماء المنصفين وذلك إظهاراً للحق ودمغاً للباطل، ودفاعاً عن ما ألصق زوراً وبهتاناً بأئمة وسادات الصوفية الكرام من تهم الشرك والكفر والإلحاد والعياذ بالله، أسأله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن يوفق أفقر عباده إليه وجميع المسلمين والمسلمات لما يحبّه ويرضاه...

1- التصوف الإسلامي وروح العصر
للأستاذ الدكتور/محمد مهنا (الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف )

"لم تتلق الأمة الإسلامية عبر تاريخها كله ضربات أشد وطأة مما تتلقاه الآن، ولم تتداع عليها الأمم من قبل كما تتداعى عليها في مثل هذه الأزمان، ولم ينتابها في يوم شعور بالمذلة والهوان والتخبط والهزيمة والاستسلام مثلما ينتابها في مثل هذه الأيام، حتى قدموا لها دعاوى الكفر والإلحاد، على أنها حرية شخصية، والسخرية من الأديان والرسل والعقائد، على أنها حرية تعبير، والتشكيك والتشويه والتخريف والتحريف والتغريب على أنه تنويرًا، والموبقات المدمرة في كافة وسائل الإعلام (المرئي، والمسموع، والمقروء)، ومحلات العري والرقص، وأندية الخمر والقمار، والإيدز والشذوذ، ومخازي عُلب الليل، والمصائب المذاعة في المسارح والسينمات والمصايف والمشاتِ، التي تحطم أقدس مواريث الدين والخلق، والوطنية والإنسانية، قدموها على أنها تمدنًا ورقيا، فتغرب المسلمون عن إسلامهم، وتناقضت معاملاتهــم مع دينهـم، وسـلوكياتهم مـع مبادئهم وقيمه .

ولذلك كان التصوف، أي مطابقة القول للعمل، والدين للمعاملة، والسلوك للمباديء. ولكن التصوف اليوم محاصر بين أعداء وأدعياء ، أعداء راحوا يكيلون له التهم ويرمون أهله بالأباطيل دون أدنى أساس من العلم أو الدين أو الخلق المستقيم ، هؤلاء عرفوا شيئًا وغابت عنهم أشياء ، ثم جلسوا في مجلس الحاكم بأمره ، يوزعون مراسم الزندقة والتبديع والتكفير والشرك والتفسيق والخرافة كأنهم أوصياء على الله ، متخذين من جهلهم حجة على علم الناس، وجعلوا الجنة إقطاعًا خاصا بهم وبمن معهم، لا يدخلها إلا من كان مظهره مظهرهم ومحضره محضرهم ومخبره مخبرهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

وعلى الجانب الآخر راح الأدعياء بما يأتونه من المخازي والمنكرات والمخالفات الشرعية والخلقية يمدون إخوانهم أعداء التصوف في الغي، ويخدعون من تبعهم من العوام، ويقطعون السبيل على المقبلين على الله من المؤمنين .

ألم ير هؤلاء وهؤلاء أن الإسلام اليوم هو الآخر محاصر بين أعداء وأدعياء ؟.
ألم يتساءل أحد عن سر التماثل في الموقفين ؟! حصار التصوف في حصار الإسلام ؟! .

إن معاداة التصوف تعني معادة الإسلام والقضاء على التصوف يعني القضاء على الإسلام ، فالتصوف هو حقيقة الإسلام وروحه وذروة سنامه ، فماذا تبقّى من الإسلام إن لم يكن هناك صدق وإخلاص، وتقوى وورع، ومحبة وشجاعة، وحلم وصبر، وزهد وكرم، وخلق وسلوك مستقيم؟!

إن التصوف من الإسلام كالرائحة من الزهرة أو كالثمرة من الشجرة .

فهل للزهرة قيمة دون رائحتها ؟ أو للشجرة دون ثمارها ؟ أو للدين معنى دون المعاملة ، إن محاربة التصوف ومحاولة إبعاده عن حياة الناس هو الذي أدى إلى ما نحن فيه اليوم من انفصام في الشخصية الإسلامية والشعور بالهزيمة الحضارية ، فبانفصال المفهوم والتصور عن الواقع والسلوك ، أضحى الدين ممسوخًا في حياة الأمة ، لا روح فيه ولا قلب ، لا حقيقة له ولا أصل، لا واقع له ولا حضارة، ولا سيادة له ولا قيادة، ولا رائحة له ولا طعم .

وأضحى المسلم ممسوخـًا في شخصه ، حائرًا في فكره ، زائغًا في بصره ، مهزومًا في حضارته ، ظاهرًا لا باطن له، رسمًا لا حقيقة له ، قولاً لا فعل له، كلامًا لا صدق فيه، بصرًا لا بصيرة له، لذلك كان التصوف الراشـد ، رسـالة الوعي الناهـض التي حمل لواءها ولا زال العالم الجليل الإمام (محمد زكي إبراهيم) رائد العشيرة المحمدية على مدى خمسين عامًا، لم يأل له جهد، ولم تثبط له عزيمة من أجل إنقاذ التصوف ، يعنى إنقاذ الإسلام من الأعداء ،وتخليصه من خلط وتلبس الأدعياء ، رغم ما عانى ولا يزال يعاني (رضي الله عنه) في سبيل ذلك من افتراء الأعداء وتقلبات الأدعياء ، فالتصوف هو المخرج الوحيد للأمة لكي تعود إليها هويتها، وللمسلم لكي يعود إليه وعيه، وإن شئت فاسمع معي ما يقول ذلك السيد الجليل : يا ولدي : ) إن التصوف خدمة تتكيف بحاجة كل عصر، وكل إنسان وكل وطن ، فهي تجسيد شامل لعملية الاستخلاف على الأرض ، إن التصوف (التقوى) والتصوف (التزكية)، وهي مقام يجمع الخوف والرجاء، وينهض بالعقيدة والخلق، وبه تتحقق إنسانية الإنسان، التصوف أدب، فالعقيدة أدب، والعبادة أدب، والمعاملة أدب، من تعلم الأدب بلغ الأرب .

التصوف فرض عين، لأنه : طلب الكمال ، وما من مخلوق إلا وفيه نقص يجب استكماله وبالتالي كان كل علم يمكن الاستغناء عنه إلا التصوف لأن موضوعه: الذات والروح ، وعلاقة الوجود بالموجود ، وارتباط الغيب بالشهادة ، والملك بالملكوت ، وكل علم بعد ذلك فهو نافلة .

التصوف فناء صفة العبد ببقاء صفة المعبود ، التصوف أمر من الله في قوله تعالى : ( وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ)(آل عمران: من الآية79).

التصوف خلق، ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف، فزاد عليك في الإنسانية ، فنفع وانتـفع وأدى رسـالة البشـرية بروح ســماوية علية" اهـ .

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

محبة تريم
12-04-2002, 03:48 PM
شكراً لك أخي العبد الفقير ،

الموضوع جاء في وقته

جزاك الله خيراً

العبد الفقير
12-04-2002, 11:09 PM
2- التصوف الإسلامي والشباب
----------------------------------------------------------------------

خادم الحَقّ الشّيْخ طَارق بْن محمَّد السَّعْدِيّ / الحَسَني


----------------------------------------------------------------------

في تحقيق مُوجزٍ عن ( التصوف الإسلامي، وعلاقة الشباب به )، طرح الطالب الصحفي ضياء عبد العال أسئلة على خادم الحق الشيخ طارق بن محمد السعدي - حفظه الله -، كوَّن منها موضوعه:

1/ السؤال: ما هو التصوف باختصار؟

الجواب: الحمد لله تعالى وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، سيما سيدنا رسول الله محمد المصطفى، وآله وخلفائه وورثته أهل الصفا.

( التصوف ) باختصار: هو ما أسماه الشرع بـ( الإحسان )، وهو: أن تعبد الله تعالى كأنك تراه. ومعلوم أن هذا التحقق لا يتم للمرء حتى يُجاهد نفسه في سبيل الله تعالى، كما قال الله تعالى: { والذين جاهدوا فينا لَنَهدينّهم سُبُلَنا }.

فلما وضع أعلام هذا العلم الأمورَ التي ينبغي التزامها، والضوابط اللازمة لهذا السلوك، سَمُّوا هذا العلم بالـ( تصوف ).

2/ السؤال: ما معنى كلمة ( تصوف ) ..؟

الجواب: من ( المُصافات ) اصطلاحاً لا اشتقاقاً؛ فإن العبد إذا صفى قلبُه لله عز وجل، فإنما هو بتصفية الله تعـالى له، لذلك قالوا: أنه ( صُوفِي )، وليس ( صافَى )، ثم جعلوا هذا الاسـم مصدراً واشتقوا منه كلمة ( تصوف ).

وقيل: أن لفظ الـ( تصوف ): أربعة أحرف: ( تاء ): من التوبة، و( صاد ): من الصفاء، و( واو ): من الولاية، و( فاء ): من الفناء بالله تعالى؛ وتلك هي الأحوال التي تلازم العبدَ في سلوكه إلى مولاه.

3/ السؤال: هل نشأة التصوف إسلامية أم أن لها تاريخاً؟

الجواب: لا شكّ أن التصوف لمَّا كان متعلقاً بعبادة الله تعالى على التحقيق، كانت نشأته مع نشأة التشريع، فهو من لدن سيدنا آدم عليه السلام.

4/ السؤال: إذا كان التصوف متعلقاً بعبادة الله، فهل يعني ذلك أن لكل دين تصوف؟!

لا شك أن لكل دين تصوفاً؛ باعتباره الوسيلة التي يُخلص المرءُ فيها لله تعالى، أو لإلهه بحسب ديانته.

5/ السؤال: ما الفرق بين التصوف الإسلامي وبين غيره؟

الجواب: الفرق يتمثل بكون ( التصوف الإسلامي ) مستمد من شرع الله تعالى، وهذه الميزة تنبه العبدَ على ضوابط الأعمال من خالقه الذي يعلمُ شأنه كله.

6/ السؤال: كيف يصدر عن غير التصوف الإسلامي ما يصدر [ عنه ] من خوارق العادات، كالمشي على الجمر، وضرب الشيش، والطيران في الهواء، وسواها؟!

الجواب: إن ( خوارق العادات ): فيها ما يُوهب أو يُكتَسبُ بعينه، فقد يُعطي اللهُ تعالى للعبدِ هِبةً لصلاحٍ أو نحو ذلك، أو يكتسبه العبدُ بالرّياضةِ والاجتهاد. ولا شك أن ثمة أمور لا قِبَلَ لأهل البدع [ والرياضات ] بها، اختصّ الله تعالى بها عباده الصالحين.

7/ السؤال: ما هو رأيكم في أعمال الصوفية من الأديان الأخرى، وبعض الصوفية المسلمين، الذين يتعاملون بـ" الشيش "، والرقص، ونحو ذلك؟

الجواب: إن الحكم في ذلك لله تعالى، وقد بيَّن في شرعه: أن العمل الصالحَ لا يُقبل من غير المسلمين، فإن كانت الإشارةُ إلى ( صالح أعمال هؤلاء )، وقد خالفوا شرع الله تعالى: فإنها غير مقبولة. وإن كانت الإشارة إلى الأفعال التي يقومون بها، كالمشي على الجمر، وضرب الشيش، ونحو ذلك: فهي بِدعٌ، إن دَعَت الضّرورة الشرعيّةُ أهلَ الإسلام مِمَّن يقدرون عليها إلى فِعلِها جاز لهم ذلك، وإلا: فليست قُربةً لِذاتِها، وتُكرَه مِنْ غيرِ قرائن التحريم.

8/ نرى في الإسلام مذاهب وفِرق، فأين التصوف من ذلك؟

لا شك أن ( التصوف ): ليس فِرقةً أو مذهباً، وإنما هو ركن الدين الثالث؛ فديننا قائم على الإيمان والإسلام و" الإحسان "، وقد افترق الناس [ واختلفوا ] في هذه الأركان الثلاثة، والتي يتألف منها المسلم الصافي الكامل، إلى فِرقٍ ومذاهب.

بمعنى: أن ثمة اجتهادات قد يتعرض لها الباحث في هذه الأركان الثلاثة، تَفرقه عن السبيل الصحيح، أو تجعله شعبة من شعب هذا الدين، والتي فيها الرحمة للعالمين.

9/ السؤال: فما معنى " النقشبندية "، و" الرفاعيّة "، و" القادرية "، [ و" السعديّة " ]، ونحو ذلك؟!

الجواب: ليست هذه فِرَقٌ، ولا هي مذاهب اختلفت على حُكم، وإنما هي: طُرُقٌ ومشارب يستقي منها العبادُ للوصول إلى نفس الهدف، فكلّها تجتمع على ذكر الله تعالى وأعمال الصوفية.

10/ السؤال: ما هو تأثير التصوف على الشباب " المريدين "؟

الجواب: لا شك أن الشباب إنما يُقبِلُ على ما يُخاطبه في فكره وتوجّهه، وإذا تجرّد الشبابُ عما يُدَسّ ويُشاعُ على التصوف، ونظروا في حقيقة التصوف الإسلامي، فإنهم يجدون مبتغاهم: الذي به تُحفظ مروءتهم، ويخرجون بسلامة الدنيا والآخرة، ولا فرق في ذلك بين المثقفين والعوام.

11/ السؤال: كيف يجتمع الشباب المثقفون والعوام في مجلس واحد؟!

الجواب: إن الخِطاب والعملَ الذي يجتمع عليه الشباب في المجلس: لا فرق فيه بين المثقف وغير المثقف، ولكن لا شك أن للمُثقَّفين " خصوصيات " قد يعتني بها الشيخ فيما بينه وبينهم؛ حتى لا يجرح شعور العوامِّ، ولا يُهينَ المثقفين ( بتبسيط الكلام أكثر من اللازم ).

12/ السؤال: أنت كشيخ صوفي، هل ترى فرقاً بين المثقف وغير المثقف في التزام التصوف؟

الجواب: أما بالنسبة إلينا: فنحن نُراعي وجود فِرَقٍ تُنكِرُ على التصوف وتنسب إليه خزعبلات هو بريء منها، فنتوجه بالإرشاد إلى الجانبين على السواء، حتى لا يتأثرا بذلك، ولا ينقطعا عن أعمالهما.

ولكن لا شك أن الشباب المُثقّف، صاحب العقل الراشد، الذي يميّز، ويطلب الدليلَ والبرهان: لا يجد ما يجده العامي من العوائق الدخيلة.

وأما من حيث العمل: فلا عبرة بالثقافة وغيرها، ولكن بالجد والاجتهاد.

13/ السؤال: هل يتعرض ( الشباب الصوفي ) لمضايقات مِن قِبَل الآخرين، في ظل الخزعبلات المنسوبة إليـه؟

إن شباب " أهل الحق " يتعرضون لهذه المضايقات باعتبار أن الخزعبلات تُنسَبُ إلى العلم الذي يتشرفون بالانتساب إليه، ما يدعوهم لحوارات وجدل مع الآخرين.

14/ السؤال: ما الذي استفاد منه الشباب الصوفي اليوم من التطور التنكنولوجي الحاصل؟

لقد تعامل الشباب اليوم مع هذه التطورات بما أمكن، فمثلاً: افتتحوا موقعاً على الإنترنت لبيان حقيقة التصوف وإظهار قضاياه، ولا يزالون يدعون إلى هذا الطريق وإلى الإسلام بالجملة من خلال هذه الشبكة الواسعة. وكذلك انتفعوا ونفعوا بالكثير من الأمور التي لنحو الكمبيوتر علاقة بها.

15/ كيف يرتقي الشباب الصوفي إلى الغاية من التصوف؟

يبلغ الصوفي ذلك مع توفيق الله تعالى بالتزام الأعمال عن طريق شيخ متصّل السّند بالنبي .

ونحن قد منَّ الله تعالى علينا بأخذ العهد والخلافة في الطريقة النقشبندية الخالديَّة والطريقة السعدية عن أشياخ متصلي السَّند، ولا يُجاز المرء إلا بعد التحقُّق من بلوغه وقدرته على الإرشاد والتسليك.

16/ هل يمكن للشباب صغير السن أن يكون شيخاً صوفياً؟

ليس للشـيخ الصوفي عُمُـر ولا وقت، وإنمـا هي منزلة ينزله الله تعالى إياها بفضله منّا واكتساباً، فمن تحقق فيـه ذلك صار شـيخاً [ سواء أكان فتىً حديث السّـنّ أو كهلاً معمّراً ، وسواء أتلقى الإرشـادَ يوماً أو دهراً ].

17/ السؤال: كم دامت صحبتك لشيخك حتى أجازك؟

الجواب: أنا قد تربيت في حجر والدي وجوار جدّي الذي هو شيخي وأستاذي، ثم إني لازمته مدة تزيد على ثلاث سنوات، أجازني بعدها بالشريعة والطريقة، ولله تعالى الحمد.

18/ السؤال: هل رأيت من بعض المريدين طرائف معينة؟

الجواب: الشيخ لا ينظر إلى المريد بعين النقد، ولا يصنّف أعماله من هذا الوجه.

تم التحقيق والحمد لله رب العالمين" اهـ.

_______________________________________________

يتبع إن شاء الله مع مزيد من المقالات والأقوال.....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
15-04-2002, 12:58 AM
3-علم التصوف

مقال منشور في موقع أوقاف الكويت

"علم التصوف علم شريف، أخذ من المسلمين اهتماماً ملحوظاً وجهداً كبيراً، وهو عند أهله علمائهم وعامتهم والقائمين به من أرفع العلوم وأدقها، ومن أخص المعارف وأشرفها.

التصوف في القرون الأولى:

ولئن لم يكن معروفاً بين رجال الصدر الأول من السلف الصالح باسمه الدارج وهو (علم التصوف) فإنه كان معروفاً لهم كمجموعة من المعارف والتوجهات والقواعد والسلوكيات.

يقول الإمام عبد الكريم بن هوازن القشيري رحمه الله في رسالته الشهيرة المعروفة ( بالرسالة القشيرية) راداً على الذين أنكروا كون هذا العلم من الدين لعدم وجود اسمه فيه: اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم، سوى صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لا أفضلية فوقها. فقيل لهم: الصحابة. ولما أدركهم أهل العصر الثاني سمي من صحب الصحابة بالتابعين .

ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين: الزهاد والعباد ، ثم ظهرت البدع، وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهاداً، فانفرد خواص أهل السنة، المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى، المحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة.


أوائل الصوفية:

وقد صدق القشيري في ذلك، فإن أول من سمي بالصوفي أبو هاشم الصوفي المتوفى سنة 150هـ، ثم تتالت التسمية في كثير من العباد والزهاد وأهل الإقبال على الله بالتجرد، وعلى النفس بالإصلاح ، أمثال أبي حازم سلمةَ بن دينار المخزومي، والمعافى بن عمران، والفضيل بن عياض، ومعروف الكوفي، وبشربن الحارث الحافي، والحارث بن أسد المحاسبي، وأبي يزيد البسطامي، وأبي بكر الوراق، وسهيل بن عبد الله التستري، وأبي القاسم الجنيد بن محمد.

تعريف علم التصوف:

وقبل أن نخوض في مبادئ هذا العلم وأركانه، ينبغي أن نقف على تعريفه وحدّه.

وقد كثرت تعاريفه المأثورة المنقولة عن فطاحل العلماء وكبراء الأمة.

فهذا السيوطي يعرفه بأنه تجريد القلب لله تعالى واحتقار ما سواه.

وهذا حاجي خليفة في (كشف الظنون) يعرفه بأنه: علم يعرف به كيفية ترقي أهل الكمال من النوع الإنساني في مدارج سعادتهم، والأمور العارضة لهم في درجاتهم بقدر الطاقة البشرية.

وقريب منها عرفه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري فقال: التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفس، وتصفية الأخلاق، وتعمير الظاهر والباطن، لنيل السعادة الأبدية . وقال غيرهم غير ذلك.

وقد علق الشيخ زروق في كتابه (قواعد التصوف) على تعدد التعاريف فقال: وقد حٌدّ (أي عرف) التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ الألفين، مرجع كلها لصدق التوجه إلى الله. وإنما هي وجوه فيه.

كيف نشأ علم التصوف:

أما عن منشئه ومبدئه فلنقل ما قاله العلامة ابن خلدون في مقدمته:

(وهذا العلم ـ يعني علم التصوف ـ من العلوم الشرعية الحادثة في الملة.

وأصله: أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية ، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والاعراضُ عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهدُ في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفرادُ عن الخلق والخلوةُ للعبادة. وكان ذلك عامّاً في الصحابة والسلف فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم التصوف.

الصوفية ودور مشرف في التاريخ الإسلامي:

وفي مجال الحديث عن دور الصوفية في توجيه مسار كثير من صفحات التاريخ الإسلامي، يقول الدكتور محمد الزحيلي في كتابه (تعريف عام بالعلوم الشرعية): وقد كان للصوفية والتصوف والمتصوفة، أو ما يعرف بالطريقة شأن في التاريخ الإسلامي. كما كان لها دور بارز في الدعوة الإسلامية وانتشار الإسلام في بعض القارات والبلاد ، كالطريقة السنوسية في أفريقيا، والطرق المختلفة في جنوب السودان وغرب أفريقيا، كما كان للتصوف ونظرياته ومبادئه اهتمام خاص لدى بعض المستشرقين وعلماء الغرب.

ويتابع الزحيلي قائلاً ولا يزال للتصوف أثر واضح في كثير من البلاد الإسلامية ، كما يعتبر صورة مشرقة في نظر بعض المسلمين لنشر الإسلام اليوم ودخول بعض الغربيين عن طريقه إلى الإسلام ، لأنه يغطي زوايا حساسة ومهمة في حياة الأفراد، ويلبي الخَوَاء الروحي والنفسي الذي يعيشه الغربي في حياة الفكرية وحضارته المادية.

أصول علم التصوف ومسائله:

هذا العلم الهام له أصول ومرتكزات، بينها كثير من العلماء في كتبهم التي تحدثت عن التصوف ومبادئه .

وقد أجمل أصوله الشيخ محمد أمين الكردي في مؤلفه القيم (تنوير القلوب) بقوله: وأصول التصوف خمسة:

1ـ تقوى الله في السر والعلانية، وتتحقق بالورع والاستقامة.
2ـ واتباع السنة في الأقوال والأفعال. ويتحقق بالحفظ وحسن الخلق.
3ـ والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، ويتحقق بالصبر والتوكل.
4ـ والرضا عن الله في القليل والكثير، ويتحقق بالقناعة والتفويض.
5ـ والرجوع إلى الله في السراء والضراء، ويتحقق بالشكر في السراء والالتجاء إليه في الضراء.


ومسائله: قضاياه والباحثة عن صفات القلوب .

ويتبع ذلك شرح الكلمات التي تتداول بين القوم، كالمقامات، والأحوال، والذكر، والمحبة، والفناء، والخوف، والورع، والتوكل، والتوبة، والرجاء، والكرامة، والتحلية، والتخلية ، وهي مصطلحات لها مدلولاتها في علم التصوف مستمدةُُ من آيات الكتاب العزيز، وكلام الرسول البشير صلى الله عليه وسلم، وما أثر عن خواص الأمة ورجالها من أقوال شارحة أو أحوال معبرة.

الانحراف الدخيل على التصوف:

ولكننا من باب الأمانة والاحتراز لا نجد بداً من التنويه إلى ما تسرب إلى علم التصوف خلال ما بعد القرن الرابع الهجري من أفكار دخيلة عليه وعلى الإسلام، يتبرأ منها كل مسلم، وينفيها عن التصوف الأصيل كل عالم متمكن، ويجهر بمحاربتها كل غيور، مع التذكير بأن قواعد هذا العلم الصافية لا تزال واضحة لكل ذي عينين، باحث عن الحقيقة، بعيد عن التشويش، مشمر عن ساعد الجد في الإقبال على الله.

إن تلك الشوائب الدخيلة لا تضر بأصله، ولا تغير بأهله، فما هي إلا كسحابة صيف أمام شمس ساطعة.


المراجع الأساسية في التصوف:

ولقد كتب علماء الإسلام كتباً كثيرة جداً في هذا العلم ، بل إن مبادئ التصوف وكتبه وأوائل ماسطر فيه يبدأ من منتصف القرن الهجري الثاني، من أمثال كتاب الزهد لعبد الله بن المبارك، وكتاب الزهد لأحمد بن حنبل.

ولكن أشهر كتب التصوف الأصيلة هي على وجه الإجمال ما يلي:

1ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني المحدث العالم،وفي كتابه هذا جمع أبو نعيم ترجمة ثلة كبيرة من أعلام الإسلام وأقوالهم وحكاياتهم.

2ـ الرسالة القشيرية لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، وهي رسالة لطيفة جامعة لمبادئ التصوف ومسائله ورجاله.

3ـ التعرف لمذهب أهل التصوف لتاج الإسلام أبي بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي الحنفي.

4ـ إحياء علوم الدين للإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي الطوسي. وهو كتاب ضخم من أنفس كتب الإسلام وأغزرها معاني وتحليلات وفوائد وتوجيهات..وكذلك كتب الغزالي الأخرى كالمنقذ من الضلال، والأربعين في أصول الدين.

5ـ قوت القلوب في معاملة المحبوب، ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد لأبي طالب محمد بن علي المكي.

6ـ عوارف المعارف لعبد القادر بن عبد الله السهروردي

7ـ كتب الحكيم الترمذي أبي عبد الله محمد بن علي.

8ـ كتاب حقائق عن التصوف للشيخ عبد القادر عيسى الحلبي.

9ـ كتاب تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب للشيخ محمد أمين الكردي.

10ـ كتاب تربيتنا الروحية للشيخ سعيد حوى وكذلك كتبه الأخرى في هذا المجال.

11ـ الحِكَم لابن عطاء الله أحمد بن محمد بن عطاء الله السكندري المعروفة بالحكم العطائية.

12ـ مدارج السالكين شرح منازل السائرين لابن القيم.

13ـ معراج التشوف إلى التصوف لابن عجيبة.


نعم لقد كان التصوف هو العلم المتمم لعلم الفقهاء والمحدثين وأهل الفتيا. ولم يكن نقيضاً له ولا ضداً.

يقول ابن خلدون في مقدمته: صار علم الشريعة على صنفين:

صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا، وهي الأحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات..

وصنف مخصوص بالقوم ـ أي الصوفية ـ في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها وكيفية الترقي فيها من ذوق إلى ذوق. " اهـ.

إنتهى المقال المنشور في موقع أوقاف الكويت جزى الله كاتبه وناشره خيراً جزيلاً....

يتبع إن شاء الله مع مزيد من الأقوال والمقالات....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
29-04-2002, 06:32 AM
مقدمة ابن خلدون

الفصل الحادي عشر في علم التصوف

هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة، وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية.

واصلها العكوف على العبادة، والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والانفراد عن الخلق للعبادة وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف.

فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفية وقال القشيري رحمه الله: ولا يشهد لهذا الأسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس والظاهر أنه لقب ومن قال اشتقاقه من الصفا أو من الصفة فبعد من جهة القياس اللغوي.

وقال كذلك من الصوف، لأنهم لم يختصموا بلبسه قلت والأظهر إن قيل بالاشتقاق أنه الصوف، وهم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف

فلما اختص هؤلاء بمذهب الزهد والانفراد عن الخلق والإقبال على العبادة اختصوا بمآخذ مدركة لهم، وذلك أن الأنسان بما هو إنسان إنما يتيمز عن سائر الحيوان بالإدراك وإدراكه نوعان:

إدراك للعلوم والمعارف من اليقين والظن والشك والوهم وإدراك للأحوال القائمة من الفرج والحزن والقبض والبسط والرضى والغضب والصبر والشكر وأمثال ذلك

فالروح العاقل والمتصرف في البدن تنشأ من إدراكات وإرادات وأحوال، وهي التي يتميز بها الإنسان وبعضها ينشأ من بعض كما ينشأ العلم من الأدلة والفرح والحزن عن إدراك المؤلم أو المتلذذ به والنشاط عن الحمام والكسل على الإعياء

وكذلك المريد في مجاهدته وعبادته لا بد، وأن ينشأ له عن كل مجاهد حال نتيجة تلك المجاهدة وتلك الحال إما إن تكون نوع عبادة فترسخ وتصير مقاما للمريد وإما أن لا تكون عبادة وإنما تكون صفة حاصلة للنفس من حزن أو سرور أو نشاط أو كسل أو غير ذلك من المقامات، ولا يزال المريد يرتقي من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة به للسعادة فمن مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة

فالمريد لا بد له من الترقي في هذه الأطوار، وأصلها كلها الطاعة والإخلاص، ويتقدمها الإيمان ويصاحبها وتنشأ عنها الأحوال والصفات نتائج وثمرات ثم تنشأ عنها أخرى وأخرى إلى مقام التوحيد والعرفان وإذا وقع تقصير في النتيجة أو خلل فنعلم، أنه إنما أتى من قبل التقصير في الذي قبله وكذلك في الخواطر النفسانية والواردات القلبية، فلهذا يحتاج المريد إلى محاسبة نفسه في سائر أعماله وينظر في حقائقها لأن حصول النتائج عن الأعمال ضروري وقصورها من الخلل فيها كذلك

والمريد يجد ذلك بذوقه ويحاسب نفسه على أسبابه، ولا يشاركهم في ذلك إلا القليل من الناس لأن الغفلة عن هذا كأنها شاملة وغاية أهل العبادات إذا لا ينتهوا إلى هذا النوع أنهم يأتون بالطاعات مخلصة من نظر الفقه في الأجزاء والامثال أو لا فظهر أنهم يبحثون عن نتائجها بالأذواق، والمواجد ليطلعوا على أنها خالصة من التقصير أو لا فظهر أن أصل طريقتهم كلها محاسبة النفس على الأفعال، والتروك والكلام في هذه الأذواق والمواجد التي يحصل عن المجاهدات، ثم تستقر للمريد مقاما يترقى منها إلى غيرها

ثم لهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم إذ الأوضاع اللغوية، إنما هي للمعاني المتعارفة فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا عن التعبير عنه بلفظ يتيسر فهمه منه فلهذا اختص هؤلاء بهذا النوع من العلم الذي ليس لواحد غيرهم من أهل الشريعة الكلام فيه، وصار علم الشريعة على صنفين صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا وهي الأحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات ، وصنف مخصوص بالقوم في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها وكيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك

فلما كتبت العلوم ودونت، وألف الفقهاء في الفقه وأصوله والكلام والتفسير وغير ذلك كتب رجال من أهل هذه الطريقة في طريقهم فمنهم من كتب في الورع، ومحاسبة النفس على الإقتداء في الأخذ والترك كما فعله القشيرى في كتاب الرسالة والسهروردي في كتاب عوارف المعارف وأمثالهم، وجمع الغزالي رحمه الله بين الأمرين في كتاب الأحياء فدون فيه أحكام الورع والإقتداء ثم بين آداب القوم وسننهم وشرح اصطلاحاتهم في عباراتهم وصار علم التصوف في الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط، وكانت أحكامها إنما تتلقى من صدور الرجال كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتاب من التفسير والحديث والفقه والأوصول وغير ذلك،

ثم إن هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها عالما كشف حجاب الحس والإطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب الحس إدراك شيء منها والروح من تلك العوالم وسبب هذا الكشف أن الروح إذا رجع عن الحس الظاهر إلى الباطن ضعفت أحوال الحس، وقويت أحوال الروح وغلب سلطانه وتجدد نشوه، وأعان على ذلك الذكر فإنه كالعداء لتنمية الروح ولا يزال في نموه وتزيد إلى أن يصير بعد أن كان علما ويكشف حجاب الحس، ويتم وجود النفس الذي لها من ذاتها وهو عين الإدراك فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية والعلوم اللدنية والفتح الإلهي، وتقرب ذاته في تحقيق حقيقتها من الأفق الأعلى أفق الملائكة،

وهذا الكشف كثير ما يعرض لأهل المجاهدة فيدركون من حقائق الوجوه ما لا يدرك سواهم، وكذلك يدركون كثيرا من الواقعات قبل وقوعها ويتصرفون بهممهم وقوى نفوسهم في الموجودات السفلية، وتصير طوع إرادتهم فالعظماء منهم لا يعتبرون هذا الكشف، ولا يتصرفون ولا يخبرون عن حقيقة شيء لم يؤمروا بالتكلم فيه بل يعدون ما يقع لهم من ذلك محنة ويتعوذون منه إذا هاجمهم ،

وقد كان الصحابة رضي الله عنهم على مثل هذه المجاهدة وكان حظهم من هذه الكرامات أوفر الحظوظ لكنهم لم يقع لهم بها عناية، وفي فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كثير منها وتبعهم في ذلك أهل الطريقة ممن أشتملت رسالة القشيري على ذكرهم ومن تبع طريقتهم من بعدهم ثم إن قوما من المتأخرين انصرفت عنايتهم إلى الكشف الحجاب والمدارك التي وراء، واختلفت طرق الرياضة عنهم في ذلك باختلاف تعليمهم في إماته القوى الحسية وتغذية الروح العاقل بالذكر حتى يحصل للنفس إدراكها الذي لها من ذواتها" اهـ.


يتبع إن شاء الله مع مزيد من أقوال العلماء......

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
01-05-2002, 07:41 AM
التصوف في الميزان
المقال بقلم lahmiti saad في تاريخ Wednesday March 07, @08:44AM

التصوف في الميزان

بسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وبعد، كثر الحديث في السنين الأخيرة عن التصوف، والصوفية فانقسم الناس أمامه إلى معارضين وموافقين و آخرين محايدين. فترى كل صاحب هوى وغرض وجهل يأتي بآراء شاذة وفاسدة ومتعصبة ويسميها سلفية مع أن السلف الصالح رضي الله عنهم لا علاقة لهم البتة بكل ذلك وهذا ما سيظهر جليا من خلال هذا البحث المتواضع.

شيخ الإسلام ابن تيمية :

استهدف شيخ الإسلام إبراز كنه التصوف كمدرسة تربوية هدفها الأساسي تهذيب النفس وتطهيرها من أخلاقها الدميمة، ولذلك عارض كل انحراف طرأ على التصوف. وانطلاقا من هذه القاعدة أظهر احتراما كبيرا لرواد الزهد والتصوف الملتزمين أمثال : الجنيد، الفضيل بن عياض،إبراهيم بن أدهم … وعموما، اتخذ ابن تيمية موقفا يتميز بأمرين :

يرى أن شيوخ التصوف الأوائل قيدوا علومهم وتربيتهم بالكتاب والسنة، أما المتأخرون فقد ضل كثير منهم، وهذا ما تجده في كتابه <الفتاوى> -علم السلوك- ج 10 ص 485 –516.

أن ابن تيمية لم يرفض التصوف جملة، بل انتقد ما طرأ عليه من خروج عن الأهداف الأولى ومناهج التربية والسلوك الأولى وفي ذلك قوله : < الصوفية بنوا أمرهم على الإرادة ولابد منها لكن يشترط أن تكون إرادة الله وحده. > نفس المصدر ج19 ص172 ، وفي آخر يقول < الصوفي من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر، واستوى عنده الذهب والحجر. والتصوف كتمان المعاني وترك الدعاوى وأشباه ذلك، وهم يسيرون بالتصوف إلى معنى الصديق.> وفي ج11 ص18 يقول :< والصواب انهم مجتهدون في طاعة الله > الآن دقق رحمك الله في القول المأخوذ من مجموعة الفتاوى ج11 ص510 : < وأما انتساب الطائفة إلى شيخ معين فلا ريب أن الناس يحتاجون من يتلقون عنه الإيمان و القرآن كما تلقى الصحابة ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وتلقاه عنهم التابعون وبذلك يحصل اتباع السابقين الأولين بإحسان. فكما أن المرء له من يعلمه القرآن والنحو فكذلك له من يعلمه الدين الباطن والظاهر>. وهذا يبين أن شيخ الإسلام سليم من الغلو الذي وقعت فيه الوهابية الذي فسروا ابن تيمية بتفسيرهم الخاص.

في مجلده العاشر من الفتاوى والمسمى كتاب علم السلوك نجده يسير على نهج الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتابه <فتوح الغيب> إن لم نقل أنه يشرح هذا الكتاب. وتلميذه ابن القيم قام هو الآخر بشرح كتاب الصوفي الهروي .

كما يجدر الإشارة إلى أن ابن تيمية في كلامه عن المقامات والأحوال عند الصوفية كان أدق تعبيرا وأكثر تفصيلا من الصوفية الذين كتبوا في هذه الموضوعات. كما كان يكن للشيخ عبد القادر الجيلاني احتراما كبير و يقول في حقه: قطب العارفين، شيخنا قدس الله سره، أعظم شيوخ زمانه… هذا إضافة إلى كثرة استشهاده بكلامه.

وليتم المراد لا بأس أن نورد ما قاله بعض محبيه في رثائه مما ذكر في <العقود الذرية> للحافظ ابن عبد الهادي الحنبلي :

فمن كان تاج العارفين لوقتنا وشيخ الهدى قل لي بغير حمية

……

شربت بكأس العارفين مدامة حقيقته من سر عين الحقيقة

في زهده ما سمعنا من يشاكله إلا رجالا مضوا أهل الكرامات

…..

قطب الحقائق حاروا في فضائله أهل التصوف أصحاب الرياضات

شيخ الطريقة و الحقيقة عارف ورث الإمامة والعلوم محقق

وله مقام في الوصول لربه ومقامه نطقت به الأقتام

…….

وتصوف و تقشف وتعفف وقراءة وعبادة وصيام

والسؤال الذي يطرح نفسه هل هذه الميولات الصوفية التي نجدها عند الشيخ ابن تيمية وعند تلميذه ابن الجوزية صدفة ؟ أم هي وليدة توجه صوفي خفي؟ و يتبادر إلى ذهني مقالة البروفيسور جورج المقدسي(دكتور باحث في تراث ابن تيمية) التي يقول فيها أن ابن تيمية صوفي من الطريقة القادرية ؟!!!

الإمام ابن القيم الجوزية

لم يلاحظ اختلافا بين رأيه ورأي أستاذه ابن تيمية. يقول في كتابه < مدارج السالكين> ج1 ص135 : < أنهم ) الصوفية ( كانوا أجل من هذا وهممهم أعلى وأشرف إنما هم حائمون على اكتساب الحكمة والمعرفة وصهارة القلوب وزكاة النفوس وتصحيح المعاملة … > أما في ج2 ص307 فنجده يقول : <التصوف زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى.> وفي فصل آخر يشير :< فقد فزت بكل ما أشار إليه القوم وحاموا حوله.> وفي آخر: < ولهذا عظمت وصية القوم بالعلم.> وفي ص39 نجده يجسد نظرة معلمه فيقول: <وهذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من الناس : إحداهما حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ولطف نفوسهم وصدق معاملتهم فأهدروها لما حل من هذه الشطحات وأنكروها غاية الإنكار وأساءوا الظن بهم مطلقا وهذا عدوان وإسراف… وهذه الشطحات ونحوها هي التي حذر منها سادات القوم وذموا عاقبتها وتبرءوا منها.>أما في كتابه <طريق الهجرتين> ص261-260 < ومنها أن هذا العلم ) التصوف ( هو من أشرف علوم العباد وليس بعد علم التوحيد أشرف منه وهو لا يناسب إلا النفوس الشريفة >. وإضافة إلى ذلك كله فقد كان يدافع عن أبي إسماعيل الهروي الأنصاري حيث يقول < وحاشا شيخ الإسلام من الحاد أهل الاتحاد وان كانت عبارته موهمة لذلك >. وأبو إسماعيل هذا هو مؤلف الكتاب الصوفي <منازل السائرين> الذي شرحه ابن الجوزية بكتاب من 3 أجزاء سماه <مدارج السالكين> وبشرحه لهذا الكتاب أتبت ابن الجوزية أنه يحتل مكانا عاليا في المعرفة والروحانية والذوق الباطني. كما أنه يشرح مقامات الفناء في الذكر(مدارج السالكين) بطريقة صوفية أفضل من الغزالي (كتاب <الأربعين في أصول الدين> ص 42 ).

هذا رأي ابن الجوزية ذلك السلفي الذي له وزنه بين العلماء فليستوعبه كل متعصب أو مقلد جامد.


يتبع إن شاء الله تعالى مع بقية المقال....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
03-05-2002, 03:40 AM
الطريقة المحمدية صوفية سلفية شرعية الخطاب هذا هو تصوفنا ، وتلك هي دعوتنا ربانية الكتاب والسنة ، عدلاً بغير إفراط ولا تفريط صورة الخطاب الصوفي السلفي الشرعي التاريخي الذي كتبه مولانا الإمام محمد زكي إبراهيم رائد العشيرة وشيخ الطريقة المحمدية الشاذلية إلى أحد خواص مريديه . الطبعة السادسة 1421 هـ / 2000 م =================
بسم الله الرحمن الرحيم حمداً لله ، وصلاةً وسلاماً على مصطفاه ، وعلى آله ومن والاه ، في مبدأ الأمر ومنتهاه . ورضي الله تعالى عن أشياخنا في الله ، ورحم من سبقنا من إخواننا بالإيمان إليه ، ووفق أحياءنا إلى ما يحبه ويرضاه . أمَّا بعد : فهذا خطاب صوفي جامع من الإمام الرائد إلى أحد كرام مريديه ، وقد كان لهذا الخطاب دويّ بالغ في الأوساط الصوفية وغيرها . وهذا الخطاب قطعة أدبية رائعة تسري فيها روح حكم ابن عطاء الله السكندري ، وعــبيق رســالة الإمـام الغـزالي : أيها الولد المحب ، فهو خطاب للرُّوح والوجدان . وفي ثنايا هذا الخطاب قواعد وفوائد ، وإشراقات روحية ، وإشارات صوفية ، يستفيد من ذلك كله الخاص والعام . فنسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا ، وأن يعلمنا ما ينفعنا ، وأن يجعلنا من عباده الصالحين . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ===================================== خطاب صوفي جامع من الإمام الرائد إلى أحد كرام مريديه بسم الله ، حامدا مصليا مسلما يا ولدي : سألتني عن التصوف الحق ، وها أنذا - بإذن الله - أكتب إليك شيئا مما يحضرني من ( هوامشه ) ، وأوجهك إلى بعض آفاق مشارفه ، لتتعرَّف على بعض حقائقه ، فأنقلُ إليك بعض ما قال رجالُه ، وما بلَّغَني إليه حالُه ، وما كان من فيض الحَقِّ جلَّ جلالُه. وقد يفوتني التنسيق والتزويق ، ولكنني أسألُ الله ألاَّ يفوتني التحقيق والتوفيق . " اللهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أن أتَكَلَّفَ ما لا أُحْسِنُ ، أو أقُولَ ما لا أَعْلَمُ ، أو أُمَارِيَ في حَقٍّ أعْتَقِدُهُ ، أو أُجَادِلَ عن بَاطِلٍ أنْتَقِدُهُ ، أو أَتَّخِذَ العِلْمَ صِنَاعَةً ، أو الدِّينَ بِضَاعَةً ، أو أَطْلُبَ الدُّنْيَا بنسْيَانِ رَبِّ الدُّنْيَا ، أو أَعْمَلَ للآخِرَةِ ريَاءً وزُوراً " . يا ولدي : قالوا : التصوفُ العملي : تجربةٌ تصل بك إلى التذوق والصفاء والمشاهدة والوصول إلى سرِّ الذات ، والخلافة على الأرض ، وسبيله : العلم والعبادة ، فلا يغني عنك فيه سواك ، فإنَّه لا يمكن أن يتذوق لك منه غيرك ، كما لا يمكن أن ترى بعين رجل آخر . فهل تستطيع أن تعرف طعم " التفاح مثلا " دون أن تمضغه بالفعل؟ وهل يكفي أن تنظر إلى العسل ، أو أن تعرف مكوناته لتتمتع بحلاوته ، دون أن يحتويه الفم أو يعركه اللسان ؟ . وهل يمكن أن يتحقق الشبع ، أو ينطفىء العطش بالتصور والخيال دون تناول الطعام والشراب ، فعلاً وواقعاً ؟ طبعا : لا . وكذلك لا يغني في هذه التجربة مجرد العلم ، ولا تُوصِّل إليها دروبُ الفلسفة ، فالعلم والفلسفة أعمال عقلية ، وهذه التجربة من الأعمال القلبية الوجدانية ، وشَتَّان ما بينهما ، غير أنَّ التعبيرات الصوفية إذا عولجت بالإحساس والتعمق ، والمعاناة والتذوق ، كانت قادرة على تغيير الباطن الذي به يتغير الظاهر ، فيولد الإنسان ولادة جديدة ، كلها إشراقٌ وحبٌّ وبركة وإنتاج .. هكذا قال الشيوخ ! . أمَّا مجرد قراءة كتب التصوف بلا معاناة ، فهذه متعة ذهنية ، وثقافة عقلية ، وقد تشارك فيها النفس الأمارة بالسوء ، فتكون طريقاً إلى الضلالة طرداً أو عكسا ً. أمَّا المنح الرُّوحية ، والإشراقات القلبية ، فهي نتيجة الجهود والأعمال ، فالصوفية أرباب أحوال ، لا أصحاب أقوال ، ولم ينل المشاهدة مَنْ ترك الْمُجَاهَدة . يا ولدي : إنَّ التصوف خدمة تتكيف بحاجة كل عصر ، وكل إنسان ، وكل وطن ، فهي تجسيد شامل لعملية الاستخلاف على الأرض ، ثم إنَّ الهداية أيضاً : جهد ومعاناة ، والشيخ دليل فقط ، فمَنْ لم يَسْعَ لم يصل ، ومَنْ لم يلتمس المعارج لا يتسامى ولا يرتقي ، ومَنْ لم يتحرك لم ينتقل ، ومن اعتمد على ما عنده وحده اغترَّ ، فتَاهَ وضَلَّ . وفي ذلك أقول : يا ولدي : إنَّ نسبَكَ إلى الله أصَحُّ من نسبِكَ إلى أبيك . ثُمَّ إنَّهُ مَنْ استأذن على الله أذن له ، ومن قرع بابه تعالى أدخله ، ونحن إنما نشير إلى الحقيقة ، ونُبَيِّنُ السبيل ، ونَدَعُ المريدَ الصادق ليصل إلى غاية الطريق بجهده ، فليس شيخُكَ من سمعتَ منه ، ولكن شيخك من أخذتَ عنه ، ومن جاهد : عدل ، ومن اجتهد : وصل . يا ولدي : الشَّريعةُ جاءت بتكليف الخَلْقِ ، والحَقِيقَةُ جاءت بتعريف الحَقِّ . فالشَّريعَةُ أن تَعْبُدَهُ ، والطريقةُ أن تَقْصِدَهُ ، والحقيقةُ أن تَشْهَدَهُ . ثُمَّ إنَّ الشَّريعَةَ قيامٌ بما أمر به وبصَّر ، والحقيقةَ شهودٌ لما قضى وقدَّر . وهذا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم : الشَّريعةُ أقوالُهُ ، والطَّرِيقَةُ أفعالُهُ ، والحقيقَةُ أحوالُهُ. فشريعَةٌ بلا حقيقة : عاطلة ، وحقيقةٌ بلا شريعة : باطلة ، ولهذا قالوا : " من تشَرَّع ولم يتحقَّق فقد تعوَّق أو تفسَّق ، ومن تحقَّق ولم يتشرع فقد تهرطَقَ أو تزندق " . واعلم - يا ولدي - أنَّ الشريعةَ ليست إلا الحقيقة ، والحقيقة ليست إلا الشريعة ، فهما شيءٌ واحد ، لا يتمُّ أحَدُ جزأيه إلاَّ بالآخر ، وقد جمع الحقُّ تعالى بينهُمَا ، فمحالٌ أن يفرق إنسان ما جمع الله . ثُمَّ تـأمل - يا ولدي - قولك ( لا إله إلاَّ الله ) هـذه حقيقة ، ( مُحَمَّدٌ رسُولُ الله ) هذه شريعة . فلو فرَّق بينهما أحدٌ هَلَكَ ، فإن من ردَّ الحقيقة : أشْرَك ، ومن ردَّ الشريعة : ألْحَد . ثُمَّ تـأمَّـلْ قوله تعالى : (إياك نعبد ) تجد الشريعة ، (وإياك نستعين ) تجـد الحقيقة ، وهما شيءٌ واحد يستحيل طرح أحد جزئيه .. عبادةُ العبد : ظاهر الأمر ، وإعانة الله : باطِنُهُ ، ولا بُدَّ لكل ظاهر من باطن ، كالرُّوح في الجَسَد ، والماء في العود . الحقيقة من الشَّريعَةِ ، كالثَّمَرَةِ من الشَّجَرة ، والأريج من الزَّهْرة ، والحرارة من الجمرة ، فلا بُدَّ من هذه لتلك ، فاستحال قيام حقيقة بغير شريعة . يا ولدي : انظر بعين عقلك وقلبك إلى هذا الدُّعَاء ، الذي يناجي به أحَدُ العارفين من أشياخنا ربَّه فيقول : " إلهي : إذا طلبْتُ منك الدُّنْيَا فقد طلبْتُ غَيْرَكَ ، وإذا سألتكَ ما ضَمِنْتَ لي فقد اتَّهَمْتُكَ ، وإنْ سَكَنَ قلبي إلى غَيْرِكَ فقد أشْرَكْتُ بِكَ !! . جَلَّتْ أوصَافُكَ عن الحُدُوثِ فكيف أكون مَعَك ؟ . وَتَنَزَّهَتْ ذاتُكَ من العلل ، فكيف أكونُ قريباً بذاتي منك ؟! وتعاليْتَ عن الأغيار ، فكيف يكون قوامي بغَيْرِك ؟! " . إنَّه كلامٌ كأنَّه صدىً من روح القُدُس ، وكأنَّما اقتبسه الشيخ من ألحان الذين يحملون العرش ، ومَن حوله ، ومن تسابيح الأرواح المهيَّمَة بآفاق الملأ الأعلى ، كلامٌ فيه رائحة مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واقتباسٌ من أضواء سدرة المنتهى ، وملامح من صدى الحقيقة والشريعة . إنَّ التصوف - عندنا - هو ( علم فقه المعرفة ) ، فهو تصحيح الإسلام ، وتحقيق الإيمان ، وتأكيد الإحسان . ومن هنا كان واجباً ، لا يمكن تحصيله بمجرد القراءة ، ويبدو ذلك واضحاً في هؤلاء الذين يدرسون التصوف علماً ، ولا يمارسونه عملاً !! وهم يحملون أعلى الألقاب العلمية ، وكان يسميهم والدي " عربات النقل البشرية " أو " سعاة بريد المعرفة " ، إنَّما التَّصوف رفعُ الأستار عن أسرار الكونيات ، لإدراك أنوار شموس الحقائق ، فلا بد - مع العلم - من المعاناة والممارسة . والتصوف : التقوى ، والتصوف : التزكية ، وهما مقام يجمع الخوف والرجاء ، وينهض بالعقيدة والخُلُق ، وبه تتحقق إنسانية الإنسان ، وإنَّه ما من آية في القرآن إلا وهي تربط الدنيا بالآخرة ، وتجعلها وسيلة إليها ، من باب التقوى وطريق التزكية . ألم يقل الله تعالى : ( قد أفلح من تزكى ) ، و ( قد أفلح من زكاها ) . ألم يـكن مِنْ سِرِّ الرِّسَـالات : التـزكية ( ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ) . نـعم : التَّـصَوفُ أدب ، فالعقـيدة أدب ، والعــبادة أدب ، والمعاملة أدب . وهنا يصل العبد إلى رتبة ( الربَّانية ) بالعلم والدرس والممارسة : ( ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) . يا ولدي : الصُّوفيُّ أكثَرُ من ( فقيه ) ، فالفقيه وقف عند الأقوال . والصُّوفيُّ أكثَرُ من ( عابد ) ، إذ العابِدُ وقف عــند الأعـــمال . أمَّـا هــو فـقد جَــمَعَ بينــهما ، فأثــمر ( الأحـوال ) . والصُّوفيُّ أكثَرُ من ( زاهد ) ، إذ الزاهد في الدنيا زاهِدٌ في لا شيء . أمَّا الصُّوفي فلا يزهد إلا فيما يحجبه عن الله ، وبهذا يجعل الدنيا في يده ، لا في قلبه . وهكذا يصبح التصوف فرض عين ، لأنه ( طَلَبُ الكَمَالِ ) ، وما من مخلوق إلا وفيه نقص يجب استكماله ، وبالتالي كان كل علم يمكن الاستغناء عنه إلا التصوف ، لأن موضوعه : الذاتُ والرُّوح ، وعَلاقَةُ الوجود بالموجود ، وارتباط الغيب بالشهادة ، والملك بالملكوت ، وكل علم بعد هذا فهو : نافلة . جـاء شـاب إلى مرشــد صـوفي ، فقال له : يا ولدي : " إن كنت تريد الدنيا والجنَّة فعليك بفقيه ، وإن كنت تريد رب الدنيا ورب الجنة فهلم إلينا " . نعم ، مَنْ وَجَدَ الله فَمَا فَقَدَ شيئًا - وإنْ فَقَد - . ومَنْ فَقَدَ الله ، فَمَا وَجَدَ شيئًا - وإنْ وَجَد - . فشئون الدنيا كلها كشؤن الآخرة كلها ، ( كل من عند الله ) . يا ولدي : البَشَرُ مَدَرٌ ، لا يَخْلُو مِن كَدَرٍ ، فمَنْ نَظَرَ إلى الخَلْقِ : هَلَكَ ، ومَنْ نَظَرَ إلى الحَقِّ : سَلَكَ ومَلَكَ . ولكن عليك بخلوص النِّية من قيود المقامات ، وأغلال الأحوال ، وعبادة الآمال . ثُمَّ إنَّه ليس العجب ممن هلك كيف هلك ، ولكن العجب ممن نجا كيف نجا ! . يا ولدي : إذا قيل : إنَّ التصوف من ( الصفاء ) ، فقد أصبح اسم التصوف أعظم من أن يكون له جنس يشتق منه ، لأن الشرط في الاشتقاق : التجانس ، والموجودات كلها : ضد ( الصفاء ) ، إنَّها كدر ( إلا ما كان لله ) ، ولا يشتق الشيء من ضدِّه . ثُمَّ إنَّ ( الصُّوفي ) هـو صــاحـب الوصول . و ( المتصوف ) صاحب الأصول .

يتبع في الصفحة التالية.....

العبد الفقير
03-05-2002, 03:42 AM
والمستصوف ( المتمصوف ) صاحب الفضول . وإذا رضي المحبوب : كشف المحجوب . والتصوف : فناء صفة العبد ببقاء صفة المعبود ، ومن هنا كان الصوفي هو الذي لا يَمْلِك ولا يُمْلَك ، أي لا يَمْلِك نفسه ، لأنه ملك لله ، وبهذا لا يَمْلِكُه غيره من مال ، أو جاه ، أو بشر ، ثُمَّ إنَّ صحة الملكية تكون للموجود ، والصوفيُّ في حُبِّ ربه مفقود . والمبتدىء في الصوفية يرى نَفْسَه ، ولكن يراها ناقصة ، فهي - مع هذا - حجاب بينه وبين الله . أمَّا المنتهي فقد غَضَّ بصَرَه عن نَفْسِهِ ، فلا يراها بالكُلِّيَّة ، لأنه يرى قَيُّومها الموجود الحق لا سواه ، وما لا قيومية له من نفسه فهو عَدَمٌ مُجَسَّد . يا ولدي : الصوفيُّ قَائِمٌ بربِّه على قلبه ، وقَائِمٌ بقلبِهِ على نَفْسِهِ ، وقَائِمٌ بنَفْسِهِ على مَنْ يليه ، وهذه القوامة هي التحقق بالتصوف الرفيع: ( كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ) . والصوفيُّ يُقِيمُ أمْرَ الخَلْقِ في مَقَامِهِ ، ويُقِيمُ أمْرَ الحَقِّ في مَقَامِهِ ، فيُظْهِرُ ما ينبغي أن يَظْهَرَ ، ويَسْتُرُ ما ينبغي أن يُسْتَر ، ويقوم بواجب وقته كأفضل ما يقوم رجل ، وبه يستقيم عاتق الميزان برُوح الربَّانية . إنَّ الله أمرنا بالتصوف ، فهو يقول : ( ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) . والربَّانية عندنا هي ( التصوف ) ، فهي في الآية علم ودراسة ، ومقتضى ذلك : العمل ، والعمل الصحيح . فالتصوف : هو الربَّانية ، وهو التَّقوى ، وهو التزكية ، وثلاثتها شيءٌ واحد ، لا بد لبعضه من بعض ، فلا ربَّانية بلا تقوى ، ولا تقوى بلا تزكية . وتستطيع أن تُسَمِّي ذلك جميعاً : البر ( ولكن البر من اتقى ) فاقرأ آيات البِرِّ من سورة البقرة وغيرها ، وسترى أن جِماع ذلك وملاكه هو ( الخُلُق ) . فالتَّصوف خُلُق ( مَنْ زاد عليْكَ في الخُلُقِ : زَادَ عليْكَ في التَّصوف ) ، وبالتالي زاد عليك في الإنسانية ، فنفع وانتفع ، وأدَّى رسالة البشرية بروح سماوية عَلِيَّة . وهكذا تشرق لك بعض معاني قوله تعالى : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) ، فما كان من عظمة في شئون الدنيا والدين ، فإنَّما هي أثر للخُلُق العظيم . يا ولدي : ليس للشيطان على الصُّوفيِّ الصَّادِقِ سَبِيلٌ ، لأنَّه تحقَّقَ بالعُبُودِيَّة المحضة ، فدخَلَ في قُدُس : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) . وقد عرف الشيطان هذا واعترف به ( قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ، إلا عبادك منهم المخلصين ) ، وقال : ( لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ، إلا عبادك منهم المخلصين ) ، ومِنْ ثَمَّ كانت العبودية أعلى مراتب القرب : ( سبحان الذي أسرى بعبده ) ، و ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ) ، ( فأوحى إلى عبده ) ، ( نعم العبد ) ، ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ) . واعْلَمْ - يا ولدي - وعَلِّم النَّاس : أنَّ التصوفَ الحَقَّ مُقَيَّدٌ بأحكام الكتاب والسُّنَّة ، على أساس العزيمة ، وحذار من الصيرورة إلى الرُّخْصَة ، إلا في حَدِّها المحدود ، فالتصوف - من حيث هو - عِلْمٌ ، وعَمَلٌ ، وخُلُقٌ ، وعِبَادَةٌ ، وجِهَادٌ ، ودَعْوَةٌ .. هُوَ أصْلٌ مُؤَصَّلٌ مما جاء به الوحي ، وحثت عليه الشريعَةُ كما رأيْتَ ، فهو كما قلنا ( طلبُ الكمَالِ ) وكل امرىء - مهما يكن شأنه - فيه وجه ، أو وجوه من النقص ، وبهذا يصبح التصوف واجباً عينياً ، لا عذر لأحد معه . ( هذا هو تَصَوُّفُنَا ) وهو ( علم فقه المعرفة ) ، ولا شـأن لنا بتـصوف الآخـريـن ، و( كل امرىء بما كسب رهين ) . وهكذا يكون الصوفيُّ هو ( المسلم النموذجي ) ، تمثيلا للإنسانية الرفيعة ، واندماجاً في موكب الحياة الزاخر بالجدِّ وبالمجد ، والعمل الروحي ، والعمل الحضاري الخالد . يعيش الصوفيُّ : بَدَنٌ مع الخَلْقِ ، ورُوحٌ مع الحَقِّ ، الفَرْقُ في لِسَانِهِ ، والجَمْعُ مع جَنَانِهِ ، وهو يعلم أنَّ العمل مَعَ الغفلة خَيْرٌ من الغفلة عن العمل !! . يا ولدي : التصوف دعوة ( الحُبِّ ) الذي فقده النَّاس ، ففقدوا الحقيقة الإنسانية في الأجساد البشرية . والحبُّ هو : الخصيصة المميِّزة للسالك الصوفي ، فهو يحبُّ الله ، وبالتالي يحب خلق الله ، فهو يحبهم بحب ربهم ، وهو بحكم حبه لهم يسعى في خيرهم وبرِّهم . وتصوَّر - يا ولدي - مجتمعاً يحكمه : الحبُّ ، والسَّلام ، والتَّسامح ، والتيسير ، واللين ، والتعبد ، والتعاطف ، والشرف ، والإيثار ، وتحرِّى معالي الأمور ؛ كيف يكون أفراده ؟ وكيف تمضي حضارته ؟! . إنَّ العنف ، والقسوة ، والقهر ، والتعالي ، والخبث ، والتغالي ، والبذاءة ، والتعالم ، والاندفاع ، وأذى الناس أقذار لا يعرفها التصوف . واسمع الآن الشاعر الصوفي يحدو على شاطىء الحب قائلاً : رأى المجنُونُ في الصَّحَرَاءِ كَلْباً فمَدَّ له مِنَ الإحْسَانِ ذَيْلا! فلامُوهُ على ما كان مِنْهُ وقالوا: كم أنَلْتَ الكَلْبَ نَيْلا ؟ فقال : دَعُوا المَلامَةَ إنَّ عَيْنِي رأتْهُ لَيْلَةً في حَيِّ ( لَيْلَى ) يا ولدي : يقول السادة رضي الله عنهم : " سِرُّ الحَقِيقَةِ ظَاهِرٌ ، وعِلْمُ المَعْرِفَةِ منصُوبٌ ، وبَابُ الوصُولِ مَفْتُوحٌ ؛ ومَا حَجَبَكُمْ إلا رُؤْيَة أنفُسِكُمْ ، فعَشَّشَ فيها الكِبْرُ وبَاضَ وأَفْرَخَ !! " والكِبْرُ مِيرَاثُ إبْلِيس . وهم يقولون رضي الله عنهم : " الطَّرِيقُ واضِحٌ ، والدَّلِيلُ لائِحٌ ، والدَّاعِي أَسْمَعَ ، فَأَقْنَعَ وَأَمْتَعَ ؛ ومَا التَّحَيُّرُ بعد ذلك إلا من غَفْلَةِ النَّفْسِ ، وغَلَبَةِ الهَوَى ، واعْتِقَادِ الفَضْلِ على السِّوَى " . يا ولدي : لقد كان التصوف ثورة على الترف والاستعجام والانحلال واللامبالاة ؛ فإذا دخلته المغالاة ، فتلك طبيعة الأشياء ، وهذه قصة الصحابة الذين أرادوا أن يصومُوا بلا فطر ، وأن يعيشوا على الطعام الرمزي ، وأن يتركوا النساء والأولاد ، وأن يصلوا الليل والنهار : تَعَبُّداً وانقطاعاً عن الحياة ، فنهاهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وأرشدهم إلى الوسطية ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) . كان ذلك والوحيُ ينزل ، والرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم حيٌّ ، فإذا داخل التصوف الغلاة والمتنطعون ، واستبدلوا حكم إحياء النفس بقتل النفس ، أو اختاروا الخبيث على الطـيب ؛ فليس هــذا عيـباً في التصـوف نفـسه ؛ فالتصوف شيء غير المتصوف ، ولا يمكن أن يحمل الإسلامُ وزر المسلم الذي ينحرف ، وهل يترك المسلم التقي إسلامه لأنَّ في المسلمين قوماً ضَلُّوا السبيل ؟! . التصوف دعوةٌ إلى الحريَّة المطلقة ، والسِّيَادة التَّامَّة على النفس والشهوة ، وعلى الشيطان ، وعلى العبودية لغير الله ، وعلى كل صَغَار خُلُقي أو فكري ، فهو أصْلُ التَّحَرُر المطلق من أغلال المادة والهوى ، لأنَّ الصُّوفيَّ قد تحقق بقوله ( لا إله إلا الله ) . فالتـصوف - يا ولدي - كـما رأيـت ، فـوق أنَّـه دعــوة الحب والنور ، والفيض والبركة والمدد ، هـو دعـوة الحرية المطلقة ، ورفض كُلِّ عبودية - حسيَّة أو معنويَّة - لغير الله ، فهو - يا ولدي - ردُّ اعتبار الإنسانية للإنسان ، بعد ما فقد الإنسان اعتباره ، واستعبدته المادة ، ومكاره الأخلاق ، والكيوف المتحـكِّمَة ، والشَّـهوات المظـلمة ، والآمـال المعتمة . التصوف - يا ولدي - هو ترميم بناء الباطن بعد أن تحطم الإنسان من داخله . التصوفُ الحَقُّ : دعْوَةٌ إلى القُوَّة ، والعلم ، والتوحيد ، والعزة ، والعدالة ، والمساواة ، والإحياء ، والتكافل ، والتكامل ، والتجديد ، والابتكار ، والسِّيَادة ، والقيادة ، لأنَّ الله خَـلَقَ المسـلم الحَـقَّ ليُمَارس كُلَّ هــذا ومــا يترتب عليه ، وما يتفرع عنه ، قولاً وعملاً وحالاً ( ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) ، ولكُلِّ كلمة من كل ذلك شَرْحٌ عريقٌ عميقٌ ، أصْلُهُ الكِتَابُ والسُّنَّةُ ، وفرعُهُ الفَيْضُ والمدد . وهكذا كان مَنْ فاته التصوف الحق ، فقد فاته الخير الذي قد لا يُعَوَّضُ على الإطلاق ، وأيُّ خَيْرٍ يكونُ إذا انقطعت عَلاقَة المرء بالسماء ، وما وراء هذا من الأسرار والأنوار ؟! . إنَّ عند الصوفية ما عند النَّاس ، وليس عند النَّاس ما عند الصوفية . يا ولدي : قد يعترض عليك بعضهم بأقوال لم يفهمها مما جاء عن بعض السلف ، والسلف بشر ، فإنْ أخطئوا فوزرهم على أنفسهم ، ولا نُسْئلُ عنهم ، ولا نُؤاخَذُ بما اجترحوا ، ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) . ولكننا نعتقد أنَّهم أرادوا الخير ، وكانت لهم ظروف وصروف وملابسات ، أجبرتهم على الرمز والإشارة ، أو إلى الإلغاز والتحجية ، وما دامت أقوالهم تقبل التأويل الإيماني - ولو من وجه واحد من مائة وجه آخر - فإننا نحمله على هذا الوجه الواحد المؤمن ، بحسن الظن ، وبحكم العلم ، وندع ما وراء ذلك لله وحده ، فليس أحد يقول أو يكتب شيئاً وهو يعتقد أنه يدخل به النار !! وليس من حَقِّ أحد أن يحكم على أحد بالخروج من الملَّة إلا بدليل لا شبهة فيه ( على مثل ضوء الشمس ) . ونحن نعتقد أنَّ لكلام القوم مفاتيحٌ لمستغلقات مترامية الأبعاد ، فهي لخاصَّة الخاصَّة ، فما لم تفهمهم على مرادهم اليقيني فلتدع لله أمرهم ، واستغفر الله لنا ولهم . ونقول : لعلَّهم تأولوا ، أو اجتهدوا فأخطئوا ، هذا موقفنا : مبرءاً من الوغى والدعوى ، على طريق الحب والخير والأدب . يا ولدي : غَـاية كُلِّ مُتَـحَرِّكٍ إلى سُـكُون ، ونِهَايَـةُ كُلِّ مُتَـكَوِّنٍ ألاَّ يَكُون ، فإذا كانَ ذلِكَ كَذَلِكَ ، فَلِمَ التَّهَالُكُ عَلَى الهَالِكِ ؟! . يقول أشياخنا رضي الله عنهم : أصُولُ صُحْبَتِنَا سَبْعَةٌ : 1 - عُلُوُّ الهِمَّة . 2 - وحِفْظُ الحُرْمَة . 3 - وحُسْنُ الخِدْمَة . 4 - ونُفُوذُ العِزْمَة . 5 - وتَعْظِيمُ النِّعْمَة . 6 - والنُّصْحُ للأُمَّة . 7 - ودَفْعُ البَاطِلِ بالحِكْمَة . وهم يقولون : " إذا أَلِفَ القَلْبُ الإعِرَاضَ عن الله ، صَحِبَتْهُ الوقِيعَةُ في أَوْلِيَائِهِ " . وقَلَّمَا رأيْتُ في خصوم التصوف رقَّةَ الإسلام ، أو سعة الأفق ، أو سماحة النُّبُوَّة ، أو رفق الولاية ، أو حسن الظن ، أو أدب المعاملة ، فإن ذلك كله إنَّما ينبع من معين التواضع ، الذي هو خميرة مكارم الأخلاق . وهؤلاء قد حُرمُوا هذه النعمة ، فليس منهم إلا جاف الطبع ، معتم القلب ، غليظ الروح ، ثقيل الظِّل ، مظلم ، معتم ، كأنما هو سجَّانٌ فظٌّ ، أو صاحب " مشنقة " كَنُود ؛ فهو متأزم ، معقَّد ، حامل غلٍّ على الذين آمنوا ، يكاد الكبر يتفجَّرُ من جَنْبَيْه ، تعالياً على النَّاسِ ، وتألهاً عليهم ، فقد زعَمُوا لأنفسهم العصمة وضمان الجنة ، وأقاموا من أشخاصهم أوصياء على دين الله ، كأنَّما الدِّين ما عندهم وحدهم ، إلا من رحم الله ، وقليلٌ ما هم . ويعلم الله أنَّنا نأسى لهم ، ونعطف عليهم ، مما ابتلاهم الله به ، وندعو الله بظهر الغيب لهم ، ولا نزال نعتقد أنَّ فيهم خَيْراً ، نرجو أن يغلب عليهم ، وما ذلك على الله بعزيز . إنَّ النَّاس لا يطلبون الله والجنَّة بما صَحَّ عند غيرهم ، وإنَّمَا يطلبون ذلك بما صَحَّ عندهم ، فإن أصابوا فأجران ، وإن أخطئوا فأجر ، وعند الله مزيد ، ولكل امرىء ما نوى . يا ولدي : هذه لمحة - على هامش التصوف - وأرجو أن يكون لي عودةٌ إلى مثل هذا الحديث معك ، إن كان في العمر مدد ، فهو حديث غير ممنون : ذو شئون وشجون !! . وإنِّي أقول ما قال السادة : " لو أَنَّ الخاطئين خَرِسُوا ما تَحَدَّثْنَا مِن البَكَمْ " ، ويعلم الله لو كان للذنوب ريحٌ ما دنا منَّا أحد . أقولُ قولي هذا ، وأسْتَغْفِرُ الله لي ولكم وللمسلمين . وهو الموفق المستعان وصَلَّى الله على سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ وكتبه المفتقر إليه تعالى وحده محمد زكي الدين بن إبراهيم الخليل الشاذلي رائد العشيرة وشيخ الطريقة الشاذلية المحمدية رحمه الله تعالى رحمة واسعة." اهـ.


والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
05-05-2002, 09:49 AM
مبادئ الصوفية وحقيقة التصوف

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..وبعد..

أفتى فضيلة الشيخ أحمد الشرباصى رحمه الله عن التصوف ومبادئه فقال :

التصوف الإسلامي القويم هو أن يبلغ المؤمن درجة "الإحسان" التي هي أعلى الدرجات في التوجه إلى الله عز وجل، والتي يُشير إليها القرآن الكريم في قوله: (والذينَ جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإنَّ اللهَ لَمَعَ المُحسنينَ). (العنكبوت:69).

ولمعرفة "الإحسان" الذي هو أساس التصوف نتذكر أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال حينما سئل عن الإسلام: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتُقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً.

وقال حينما سئل عن الإيمان: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره.

وقال حينما سئل عن الإحسان: الإحسان أن تعبد الله كأنَّكَ تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

فهناك إذن "إسلام" وهو الإذعان والاستسلام، والخضوع للدين عن طريق القول الظاهري، والنطق اللساني، وأداء العبادات. وهناك "إيمان" وهو التصديق بالقلب، والاعتقاد بالعقل، والاطمئنان في النفس إلى صدق ما يقول اللسان. وهناك "إحسان" وهو التوجه الكلي إلى الله، والتعلق الدائم به، والتفكير الموصول في صفاته وآياته، والمراقبة المستمرة لعظمته وجلاله، والمشاهدة المقيمة لأنواره وأضوائه، وهو: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

والإسلام يتمثل في النطق بالشهادتين والعمل الظاهر، والإيمان يتمثل في اعتقاد القلب واطمئنان الفؤاد، والإحسان يتمثل في اليقين والإخلاص، وهذا الإخلاص هو لب التصوف وعماد أمره؛ ولذلك يقول إبراهيم بن أدهم ـ وهو إمام من أئمة الصوفية، وزعيم من زعمائهم ـ حين يصف طريق التصوف: "أعلى الدرجات أن تنقطع إلى ربك، وتستأنس إليه بقلبك وعقلك وجميع جوارحك، حتى لا ترجو إلا ربَّك، ولا تخاف إلا ذنبَك، وتُرسِّخ محبته في قلبك حتى لا تُؤْثر عليها شيئًا ".

والإمام سهل التُسْتَرِي الصوفي يقول عن مبادئ التصوف: "أصولنا ستة: التمسك بكتاب الله، والاقتداء بسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأكل الحلال وكفُّ الأذى، واجتناب الآثام، وأداء الحقوق".

ويقول الإمام الشعراني: "وقد أجمع القوم (يعني الصوفية) على أنه لا يصلح للتصدُّرِ في طريق الله عز وجل إلا مَن تبحَّر في علم الشريعة، وعلم منطوقَها ومفهومَها، وخاصَّها وعامَّها، وناسخَها ومنسوخَها، وتبحَّرَ في لغة العرب حتى عَرَف مَجازاتها واستعاراتها، وغير ذلك، فكل صوفي فقيه ولا عكس". ويقول أيضًا: "لو قال الولِيُّ بما يخالف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يتبع في ذلك، ولم يكن على بصيرة".

وللصوفية طائفة من الأخلاق الفاضلة الكريمة التي يحثُّ عليها الإسلام، ولا بد أن تكون لهم هذه المجموعة من مكارم الأخلاق؛ لأن عماد طريقتهم هو التأديب والتهذيب، وتطهير الروح، وتصفية النفس، والتحلي بالفضائل. ومن أخلاق الصوفية التواضع؛ واحتمال الأذى من الخلق والسهوة ولِينُ الجانب، والكرم مع القناعة، وترك التكلف والجدال والغضب.

ومن شعاراتهم القرآنية قول الله جل جلاله في سورة فصلت: (إنَّ الذينَ قالوا ربُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عليهمُ الملائكةُ ألاَّ تَخافُوا ولا تَحزنُوا وأَبشرُوا بالجَنَّةِ التي كُنْتُمْ تُوعدونَ . نحنُ أولياؤُكُمْ في الحياةِ الدُّنْيَا وفي الآخرةِ ولكمْ فِيهَا ما تَشتَهِي أنْفُسُكُمْ ولكمْ فيها ما تَدَّعُونَ . نُزُلاً مِنْ غفورٍ رحيمٍ . ومَنْ أحسنُ قوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسلمينَ . ولا تَسْتَوِي الحسنةُ ولا السيئةُ ادْفَعْ بالَّتِي هِي أحسنُ فإذا الذي بينكَ وبينه عداوةٌ كأنه وَلِيٌّ حميمٌ . وما يُلَقَّاهَا إلاَّ الذينَ صبرُواوما يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عظيمٍ). (الآيات: 30-35)." اهـ.

(نقلا عن أحد المواقع على الشبكة)

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
09-05-2002, 09:41 AM
المقال بقلم lahmiti saad في تاريخ Wednesday March 07 (نقلاً عن أحد المواقع على الشبكة)

"التصوف في الميزان

بسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وبعد، كثر الحديث في السنين الأخيرة عن التصوف، والصوفية فانقسم الناس أمامه إلى معارضين وموافقين و آخرين محايدين. فترى كل صاحب هوى وغرض وجهل يأتي بآراء شاذة وفاسدة ومتعصبة ويسميها سلفية مع أن السلف الصالح رضي الله عنهم لا علاقة لهم البتة بكل ذلك وهذا ما سيظهر جليا من خلال هذا البحث المتواضع.

شيخ الإسلام ابن تيمية :

استهدف شيخ الإسلام إبراز كنه التصوف كمدرسة تربوية هدفها الأساسي تهذيب النفس وتطهيرها من أخلاقها الدميمة، ولذلك عارض كل انحراف طرأ على التصوف. وانطلاقا من هذه القاعدة أظهر احتراما كبيرا لرواد الزهد والتصوف الملتزمين أمثال : الجنيد، الفضيل بن عياض،إبراهيم بن أدهم … وعموما، اتخذ ابن تيمية موقفا يتميز بأمرين :

يرى أن شيوخ التصوف الأوائل قيدوا علومهم وتربيتهم بالكتاب والسنة، أما المتأخرون فقد ضل كثير منهم، وهذا ما تجده في كتابه <الفتاوى> -علم السلوك- ج 10 ص 485 –516.

أن ابن تيمية لم يرفض التصوف جملة، بل انتقد ما طرأ عليه من خروج عن الأهداف الأولى ومناهج التربية والسلوك الأولى وفي ذلك قوله : < الصوفية بنوا أمرهم على الإرادة ولابد منها لكن يشترط أن تكون إرادة الله وحده. > نفس المصدر ج19 ص172 ، وفي آخر يقول < الصوفي من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر، واستوى عنده الذهب والحجر. والتصوف كتمان المعاني وترك الدعاوى وأشباه ذلك، وهم يسيرون بالتصوف إلى معنى الصديق.> وفي ج11 ص18 يقول :< والصواب انهم مجتهدون في طاعة الله > الآن دقق رحمك الله في القول المأخوذ من مجموعة الفتاوى ج11 ص510 : < وأما انتساب الطائفة إلى شيخ معين فلا ريب أن الناس يحتاجون من يتلقون عنه الإيمان و القرآن كما تلقى الصحابة ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وتلقاه عنهم التابعون وبذلك يحصل اتباع السابقين الأولين بإحسان. فكما أن المرء له من يعلمه القرآن والنحو فكذلك له من يعلمه الدين الباطن والظاهر>. وهذا يبين أن شيخ الإسلام سليم من الغلو الذي وقعت فيه الوهابية الذي فسروا ابن تيمية بتفسيرهم الخاص.

في مجلده العاشر من الفتاوى والمسمى كتاب علم السلوك نجده يسير على نهج الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتابه <فتوح الغيب> إن لم نقل أنه يشرح هذا الكتاب. وتلميذه ابن القيم قام هو الآخر بشرح كتاب الصوفي الهروي .

كما يجدر الإشارة إلى أن ابن تيمية في كلامه عن المقامات والأحوال عند الصوفية كان أدق تعبيرا وأكثر تفصيلا من الصوفية الذين كتبوا في هذه الموضوعات. كما كان يكن للشيخ عبد القادر الجيلاني احتراما كبير و يقول في حقه: قطب العارفين، شيخنا قدس الله سره، أعظم شيوخ زمانه… هذا إضافة إلى كثرة استشهاده بكلامه.

وليتم المراد لا بأس أن نورد ما قاله بعض محبيه في رثائه مما ذكر في <العقود الذرية> للحافظ ابن عبد الهادي الحنبلي :


فمن كان تاج العارفين لوقتنا = وشيخ الهدى قل لي بغير حمية
شربت بكأس العارفين مدامة = حقيقته من سر عين الحقيقة



في زهده ما سمعنا من يشاكله = إلا رجالا مضوا أهل الكرامات
قطب الحقائق حاروا في فضائله = أهل التصوف أصحاب الرياضات



شيخ الطريقة و الحقيقة عارف = ورث الإمامة والعلوم محقق



وله مقام في الوصول لربه = ومقامه نطقت به الأقتام
وتصوف و تقشف وتعفف = وقراءة وعبادة وصيام


والسؤال الذي يطرح نفسه هل هذه الميولات الصوفية التي نجدها عند الشيخ ابن تيمية وعند تلميذه ابن الجوزية صدفة ؟ أم هي وليدة توجه صوفي خفي؟ و يتبادر إلى ذهني مقالة البروفيسور جورج المقدسي(دكتور باحث في تراث ابن تيمية) التي يقول فيها أن ابن تيمية صوفي من الطريقة القادرية ؟!!!" اهـ.


يتبع بقية مقال الكاتب لحميتي سعد في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
14-05-2002, 06:44 AM
الإمام ابن القيم الجوزية

لم يلاحظ اختلافا بين رأيه ورأي أستاذه ابن تيمية. يقول في كتابه < مدارج السالكين> ج1 ص135 : < أنهم ) الصوفية ( كانوا أجلّ من هذا وهممهم أعلى وأشرف إنما هم حائمون على اكتساب الحكمة والمعرفة وطهارة القلوب وزكاة النفوس وتصحيح المعاملة … >

أما في ج2 ص307 فنجده يقول : <التصوف زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى.>

وفي فصل آخر يشير :< فقد فزت بكل ما أشار إليه القوم وحاموا حوله.> وفي آخر: < ولهذا عظمت وصية القوم بالعلم.>

وفي ص39 نجده يجسد نظرة معلمه فيقول: <وهذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من الناس : إحداهما حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ولطف نفوسهم وصدق معاملتهم فأهدروها لما حل من هذه الشطحات وأنكروها غاية الإنكار وأساءوا الظن بهم مطلقا وهذا عدوان وإسراف… وهذه الشطحات ونحوها هي التي حذر منها سادات القوم وذموا عاقبتها وتبرءوا منها.>

أما في كتابه <طريق الهجرتين> ص261-260 < ومنها أن هذا العلم ) التصوف ( هو من أشرف علوم العباد وليس بعد علم التوحيد أشرف منه وهو لا يناسب إلا النفوس الشريفة >.

وإضافة إلى ذلك كله فقد كان يدافع عن أبي إسماعيل الهروي الأنصاري حيث يقول < وحاشا شيخ الإسلام من الحاد أهل الاتحاد وان كانت عبارته موهمة لذلك >. وأبو إسماعيل هذا هو مؤلف الكتاب الصوفي <منازل السائرين> الذي شرحه ابن الجوزية بكتاب من 3 أجزاء سماه <مدارج السالكين> وبشرحه لهذا الكتاب أثبت ابن الجوزية أنه يحتل مكانا عاليا في المعرفة والروحانية والذوق الباطني. كما أنه يشرح مقامات الفناء في الذكر(مدارج السالكين) بطريقة صوفية أفضل من الغزالي (كتاب <الأربعين في أصول الدين> ص 42 ).

هذا رأي ابن الجوزية ذلك السلفي الذي له وزنه بين العلماء فليستوعبه كل متعصب أو مقلد جامد. " اهـ.



يتبع بقية مقال الكاتب لحميتي سعد في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
17-05-2002, 08:50 PM
الإمام أحمد بن حنبل

كان هذا الأخير يعظم الصوفية ويكرمهم فقد قيل له يوما : يحبك بشر-يعنون بشر بن الحارث إمام الصوفية الكبير- فقال <لا تعنون الشيخ نحن أحق أن نذهب إليه >فقيل له نجيء به ؟ قال< لا أكره أن يجاء به الي أو أذهب إليه فيتصنع لي وأتصنع له فنهلك.>

وقال رحمه الله لابنه في أبي إبراهيم السائح-شيخ الصوفية-<سلم عليه فانه من كبار المسلمين >وهذان المقولتان واردتان في طبقات الحنابلة ج1 ص186و138 . ويقول رحمه الله في نفس الكتاب ص201 < ما صليت يوما غير فرض، استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي>وأبو زرعة هذا صوفي كذلك مثله مثل الفتح بن شخرف حيث جاء في ص255 يقول الإمام أحمد < ما أخرجت خرسان مثل الفتح بن شخرف>و أورد السبكي في طبقات الشافعية قصة ابن حبل مع المحاسبي هذا الصوفي الكبير، حيث اختبأ ابن حنبل في دار إسماعيل واخذ ينصت لكلام المحاسبي دون أن يراه هذا الأخير، وأخذ يبكي حتى أغشي عليه من شدة تأثره بكلام المحاسبي. وذكر قطب الدين أيمن أن الإمام كان يحث ولده على الاجتماع بالصوفية ويقول انهم بلغوا من الإخلاص مقاما لم نبلغه.

الإمام الشافعي

جاء في شواهد التصوف لمعمر بن زياد الأصبهاني :< مر طائفة من الصوفية على الإمام الشافعي في صحن المسجد فقال : والذي فلق الحب وبرأ النسمة ما على وجه الأرض في هذه الساعة قوم أكرم على الله عز وجل منهم.> هذا إضافة إلى ملازمته لعدد من الصوفية فقيل له في ذلك، فقال استفدت من مشايخ الصوفية ما لم نستفد من غيرهم قولهم < الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك> وقولهم <اشغل نفسك بالخير فان لم تشغلها بالخير شغلتك بالباطل>ويكفي في هذا ثناء الشافعي على طائفة هذا قدر كلماتهم. كما كان يشهد له بمجالسة شيبان الراعي وهو من خواص الصوفية وهذا ما أورده الشيخ أحمد العلوي نقلا عن كتاب النصرة النبوية." اهـ.


يتبع بقية مقال الكاتب لحميتي سعد في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى مع أقوال الإمام أبو حنيفة النعمان....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
22-05-2002, 07:01 AM
"الإمام أبو حنيفة النعمان

نقل عنه رضي الله عنه أنه رفع إليه السؤال عما يفعله بعض الصوفية في الحضرة وما يتظاهرون به هل هم صادقون أم كاذبون فأجاب :<إن لله رجالا يدخلون الجنة بدفوفهم ومزاميرهم>.

محمد بن عبد الوهاب

قد جاء في كتابه <فتاوى>ص31 <اعلم أرشدك الله أن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى الذي هو العلم النافع ودين الحق الذي هو العمل الصالح،إذا كان من ينتسب إلى الدين منهم من يتعانى بالعلم والفقه ويقول به كالفقهاء ومنهم من يتعانى العبادة وطلب الآخرة كالصوفية فبعث الله نبيه بهدى الدين الجامع للنوعين - أي التصوف والفقه - >.وكان يقول رحمه الله قولة مأثورة <من العجائب فقيه صوفي وعالم زاهد>.وقد جاء في كتاب الهدية السنية ص50 ما نصه <وينهي الشيخ محمد رسالته بقوله <ولا ننكر الطريقة الصوفية وتنزيه الباطن من الرذائل والمعاصي المتعلقة بالقلب والجوارح مهما استقام صاحبها على القانون الشرعي والمنهج القويم المرعي، إلا أننا لا نتكلف له تأويلا في كلامه ولا في أفعاله >.

الإمام الحافظ ابن كثير

أما هذا الإمام الكبير فتحدث عن مشايخ الصوفية في كتابه البداية والنهاية ونذكر منهم في ج11 ص180: <محمد بن إسماعيل المعروف بخير النساج أبو الحسين الصوفي من كبار المشايخ ذوي الأحوال الصالحة والكرامات المشهورة.> أما في ج11 ص113 فقد أطال الحديث عن الجنيد سيد الطائفة وفي ج13 ص93 يقول : <منهم الشيخ عبد الله البوني الملقب أسد الشام رحمه الله ورضي عنه وكانت له زاوية يقصدها للزيارة وكان من الصالحين الكبار المشهورين بالعبادة والرياضة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له همة عالية في الزهد والورع >وفي ص138 يقول<منهم الشيخ شهاب الدين السهروردي… من كبار الصالحين وسادات المسلمين وشيخ الصوفية ببغداد كانت فيه مروءة وإغاثة للملهوف وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر>.

وفي أخريات أيامه دخل الإمام الجليل في صف الصوفية وأخذ الطريقة الشاذلية عن نجم الدين الأصفهاني (كتاب نكت الهيمان للصالح الصفدي)." اهـ


يتبع إن شاء الله تعالى مع أقوال الإمام الحافظ الذهبي.....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
28-05-2002, 08:06 AM
الإمام الحافظ الذهبي

وقد جمع هذا الحافظ في كتابه <تذكرة الحفاظ>جملة من أحوال مشايخ الصوفية حيث يقول رحمه الله <الإمام الحافظ الزاهد شيخ الحرم أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد الصوفي صاحب التصانيف وكان ثقة عارفا عابدا ربانيا كبير القدر بعيد الصيت >وتقرا ج3 من كتابه تذكرة الحفاظ فتصادف قوله هذا <محمد بن داود بن سليمان الحافظ الزاهد الحجة شيخ الصوفية >وفي نهاية كتابه يقول <لزمت الشيخ الإمام المحدث مفيد الجماعة أبا الحسين علي بن مسعود بن نفيس الموصلي وسمعت منه جملة وكان دينا خيرا متصوفا متعففا قرأ ما لا يوصف كثرة وحصل أصولا كثيرة كان يجوع ويبتاعها > فلنتأمل في كون هذا الشيخ هو الوحيد من مشايخ الحافظ الذي ذكر أنه لزمه أما البقية فسمع عنهم وحسب. ومما أوقفتني قراءته قوله رحمه الله في ص108 في معجم شيوخه <عن محمد بن أحمد الدمشقي : شيخ الإسلام وفقيه الشام وقدوة العباد وفريد وقته من اجتمعت الألسن على مدحه والثناء عليه.> وكان كثير التعظيم للصوفية والمحبة لهم.

الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي

غالب كتبه مشحونة بذكر الصوفية وإيراد أقوالهم ووصف أحوالهم، كما وأورد في ج1 من كتابه الذيل على طبقات الحنابلة مجموعة من الحنابلة من مشايخ الحركة السلفية ممن مجدوا التصوف وأعزوه حيث أورد في ص211 في ترجمة الإمام أبي محمد بن عبد الله بن علي البغدادي قصيدته التي مطلعها :


ترك التكلف في التصوف واجب = ومن المحال تكلف الفقراء
قوم إذا امتد الظلام رأيتهم = يتركعون تركع القراء
والوجد منهم في الوجوه محله = ثم السماع محله في الأعضاء
وتراهم بين الأنام إذا أتوا مثل = النجوم الغر في الظلماء


أما فيما يتعلق بأقوال ابن رجب فهي متعددة إلا أنها تصب في بحر واحد وهو بحر الثناء والاعتراف بالجميل للسادة الصوفية فنجده يحكي عن أبي عمرو القرشي فيقول<وانتهت إليه تربية المريدين بمصر وانتهى إليه خلق كثير من الصلحاء وأثنى عليه المشايخ وحصل له قبول من الخاص والعام وانتفع بصحبته خلق كثير. وفي حديثه عن الشيخ عبد القادر الجيلالي ص290 ج1 من كتابه <الذيل> يقول <شيخ العصر وقدوة العارفين وسلطان المشايخ وسيد أهل الطريقة وهو صاحب المقامات والكرامات والعلوم والمعارف والأحوال المشهورة. أما في ص384 فيورد الشيخ سعد بن عثمان القرشي قائلا <هو أحد الزهاد الأبدال الأوتاد ومن تشد إليه الرحال ومن كان لله عليه إقبال. كان عبدا صالحا مشهورا بالعبادة والمجاهدة والورع…>.

الإمام العلامة الشاطبي

التصوف عنده قسمان أحدهما التخلق بكل خلق سني والتجرد عن كل خلق دني. والثاني الفناء عن نفسه والبقاء بربه. ويقول في كتابه الاعتصام ص120 <إن الصوفية الذين تنسب إليهم الطريقة مجمعون على تعظيم الشريعة مقيمون على متابعة السنة غير مخلين بشيء من آدابها أبعد الناس عن البدع>.وفي كتاب الموافقات تجده يقول < جعل الله هذه الطائفة ) الصوفية ( صفوة أوليائه وفضلهم على الكافة من غير تمييز بعد الأنبياء والرسل>.

الإمام النووي

هو شارح صحيح مسلم وصاحب كتاب رياض الصالحين وأحد أعلام هذه الأمة.

جاء في طبقات الشافعية ج1 ص 151 أنه أخذ طريق القوم عن شيخه السيد ياسين بن يوسف الزركشي وكان رحمه الله بارعا في علوم الحديث واللغة والنحو والفقه وعلوم الصوفية.

الإمام السيوطي

يقول رحمه الله :<ورزقت التبحر في 7 علوم: التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع … والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم الستة سوى الفقه لم يصل إليه ولا وقف عليه شخص من الأشخاص>هذا الرجل مع تبحره في 7 علوم يذهب إلى مشايخ الطريق ويتتلمذ عليهم. وجاء في كتابه <تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشادلية>ص456 ما نصه <وقد ظهر لي أن نسبة علم الحقيقة - التصوف - إلى علم الشريعة كنسبة علم المعاني والبيان إلى علم النحو فهو سره ومبني عليه>. " اهـ.



يتبع إن شاء الله تعالى مع أقوال الإمام الغزالي.....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
01-06-2002, 11:45 AM
الإمام الغزالي

وهو الملقب بحجة الإسلام. ذكر في كتابه المنقذ من الظلال <أقبلت بهمتي على طريق التصوف وعلمت أن طريقتهم لا تتم إلا بعلم وعمل>وفي باب آخر <اني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير وطريقتهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق…>

سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام

لقب بسلطان العلماء. حكي عن ابن دقيق العيد أحد أكابر العلماء أنه - عز الدين - لبس خرقة التصوف من الشيخ شهاب الدين السهروردي وأخذ عنه. وقد قال السبكي<وقد كان للشيخ عز الدين اليد الطولى في التصوف وتصانيفه قاضية بذلك>.

قال رحمه الله <… بل العارفون بالله أفضل من أهل الفروع والأصول لان العلم يشرف بشرف المعلوم. فالعلم بالله وصفاته أشرف من كل معلوم……>.

الشيخ الشوكاني

المعروف عند السادة السلفية تلقى الذكر على يد الشيخ عبد الوهاب الحسني و يقول عنه في كتابه <البدر الطالع> ج1 ص 406 -407-408 < وقدم علينا - شيخ التصوف عبد الوهاب الحسني الموصلي - إلى صنعاء في سنة 1234 وكثر اتصاله بي فهو جامع بين علم الأديان والأبدان… وقد تلقيت عنه الذكر على الطريقة النقشبندية >.

الشيخ أحمد الرفاعي

<وما أرى الفقيه إذا أنكر حال الصوفي إلا مبعودا> <البرهان المؤيد>ص105 هذا الفقيه فما بالك بمنكر غير متفقه.

العلامة المحقق ابن خلدون

قد جاء في مقدمته في باب تعريف التصوف<إن طريق هؤلاء القوم - يعني الصوفية- لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريق الحق والهداية وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة وجاه والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة وكان ذلك عاما عند الصحابة والسلف ثم فشا الإقبال على الدنيا في القرن2 وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا فاختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية>و في كتابه <شفاء السائل>ص26 <فانفرد خواص السنة المحافضون على أكمال القلوب المقتدون بالسلف الصالح في أعمالهم الباطنة والظاهرة وسموا بالصوفية>.

الإمام القسطلاني

صاحب المؤلفات المشهورة يقول في كتابه <تأييد الحقيقة العليا>ص75 <… إنما التصوف الدؤوب في الطاعات وترك المخالفات وفطم النفس عن المألوفات وعدم التطلع إلى ما في أيدي الناس من الأموال المباحات فضلا عن الشبهات وترك التوسل بالخلق والاعتماد على الله في كل الحالات>.

الدكتور سعيد رمضان البوطي

غياب التصوف هو المسؤول عن جل مشكلاتنا اليوم بل هو المسؤول أيضا عن البدع و الانحرافات< التي تسللت إلى جوهر التصوف وحقيقته>.

الشيخ عبد الوهاب السبكي

طريق التصوف إن صحت هي الطريق الرشاد التي كان عليها السلف> طبقات الشافعية ج6 ص168. <

العلامة ابن سينا

قد قال الرازي –معلقا على مقامات العارفين عند ابن سينا- هذا الباب أجل ما في الكتاب فان ابن سينا رتب علوم الصوفية ترتيبا ما سبقه إليه من قبله ولا يلحقه من بعده." اهـ.


يتبع إن شاء الله تعالى مع تكملة مقال "التصوف في الميزان" مع أقوال العلامة الرازي.....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
05-06-2002, 01:04 PM
العلامة الرازي

يقول "اعلم أن أكثر من قصد الأمة لم يذكر الصوفية وذلك خطأ، لأن حاصل قول الصوفية أن الطريق إلى معرفة الله تعالى هو التصفية والتجرد من العلائق البدنية وهذا طريق حسن" وفي كتابه المطالب العالية ص56 وهو التصوف ( طريق أصحاب الرياضة فهو طريق عجيب لذيذ قوي قاهر. فان الإنسان إذا اشتغل بتصفية قلبه عن ذكر غير الله، وداوم بلسان روحه على ذكر الله وقع في قلبه نور وضوء وحالة قاهرة وقوة غالية يتجلى لجوهر النفس أنوار علوية وأسرار إلهية وهي مقامات ما لم يصل الإنسان إليها لا يمكنه الوقوف عليها على سبيل التفصيل.).

الشيخ محمد متولي الشعراوي

يقول رحمه الله في كتابه فتاوى ص47 ج1 ما يلي ( إن التصوف الحقيقي هو أن تعيش في السوق وتعايش أحداث الحياة وهذا هو اليقين الإيماني الحقيقي> ويستند في قوله على كون الصوفي الكبير أبي الحسن الشاذلي كان من أبرع الناس بالتجارة).



يتبع إن شاء الله تعالى مع تكملة مقال "التصوف في الميزان" مع أقوال السيد محمد علوي المالكي.....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

الساكن
25-06-2002, 09:03 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذه أول مشاركة لي في المنتدى ولن تكون الأخيرة باذن الله ، وقد أعجبني المواضيع المطروحة وقد استفدت منها في فهم الناس عن بعض المواضيع، سؤالي الى العبد الفقير :
أحد الاخوان سأل عن الصوفية وقد رددت اليه بمقالات المنشورة لديكم في المنتدى وقد شكرني على المعلومات ولكن لديه استفسار فقال لي:

قد سمعت مؤخرا بان الصوفيين يذوبون عشقا بالله وهم دائمي التأمل و التفكر بالذات الالهيه..وهذا ما اعجبني بهم و جذبني اليهم ..ولكن بعض الاشياء التي سمعتها عنهم قد جعلتني استنكر عملهم هذا..

هناك بعض التناقضات التي لم افهمها..

كاحد شيوخهم الذي طلب دفنه وقوفا و في ذلك ما يعارض سنة المسلمين..

واخر بنى كعبه صغيره في منزله و استعاض بها عن الكعبه الاصليه..

هذه الاشياء تهدم الفكره الجميله عنهم لانها بدع لا يستسيغها المسلم العاقل ..

ومع جمال الفكره المطروحه هنا في العباده و التأمل و صفاء النفس ..

الا ان التمادي في هذه البدع لدى بعضهم يجعل المسلمون ينفرون من الصوفيه باكملها..
وملاحظه اخيره لدي وهي استفساري عن معنى ..متصل السند بالنبي..فما معنى هذه العباره ؟ ا ه
فأرجو منكم الرد علي كي أنقله اليه
وجزاكم الف خير

العبد الفقير
27-07-2002, 07:27 AM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

أرحّب بك أجمل ترحيب في هذا المنتدى المبارك، وأعتذر منك أشدّ الإعتذار لتأخرّي في الرد على إستفسارك، فقد عدت قريباً بعد غياب أربعين يوماً تقريباً وبدأت تدريجياً إكمال المواضيع المتسلسلة، فأرجو السماح بارك الله فيك...

بالنسبة لسؤالك:

هناك يا أخي الفاضل البعض من "المشايخ" هداهم الله انتسبوا إلى التصوف وليسوا من أهله، وتظاهروا بالصوفية وهي منهم بريئة، ودوافعهم في ذلك إمّا الحسد من المقام الكريم الذي يصل إليه الصوفية من محبة الناس واحترامهم، أو حب الشهرة، أو تنفيذ مخططات أعداء الإسلام من الصليبية والصهيونية بغرض تشويه عقائد المسلمين بتأليف الكتب المملوءة بالضلال والزندقة والإلحاد ونسبتها إلى الصوفية كذباً وزوراً أو بالدس في كتب شيوخ الصوفية شبهات الحلول والإتحاد ووحدة الوجود وإسقاط التكاليف والأحاديث الموضوعة....

والسبيل إلى معرفة الصالح من الطالح منهم، التدقيق في الشروط التالية التي وضعها الصوفية رضي الله عنهم للشيخ المرشد:

1- أن يكون عالماً بالشريعة الإسلامية
2- أن يكون عارفاً بالله تعالى
3- أن يكون خبيراً بطرائق تزكية النفوس ووسائل تربيتها
4- أن يكون مأذوناً بالإرشاد من شيخه أو من شيوخه

فالمبتدع الذي بنى كعبة صغيرة في داره ليستعيض بها عن الكعبة الحقيقة، تعلم أنه مخالف للشريعة الإسلامية وبالتالي تحذر منه... وفي هذا الشأن يقول سيدّنا أبا يزيد البسطامي رضي الله عنه أنه ضرب أكباد الإبل للسفر إلى شيخ ادّعى الولاية، وعندما وصل إليه ودلّوه عليه رآه متوجهاً إلى المسجد وقد بصق في إتجاه القبلة، فقفل راجعاً دون أن يكلّمه وقال لمرافقيه إنّ هذا الشيخ لم يؤتمن على سنة من سنن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف نأمنه في دعواه بالولاية... أو كما قال.

أمّا بالنسبة لإستفسارك عن معنى عبارة: "متصل السند بالنبي":

إذا كانت الجملة منسوبة إلى الشيخ فمعناه أن هذا الشيخ لديه إجازة بالإرشاد متصل شيخاً عن شيخ إلى سيدّنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...

وقد تكون الجملة منسوبة إلى سند الحديث، فتعلم أن رواة الحديث المذكور يتصلون بسماع الحديث إلى سيدّنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم....

هذا والله أعلم...

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
29-07-2002, 02:31 AM
تكملة المقال المنقول: التصوف في الميزان

السيد محمد بن علوي المالكي الحسني

خادم العلم الشريف بالبلد الحرام قد جاء في كتابه <مفاهيم يجب أن تصحح>ص100 <…إن من الأدعياء أولئك الذين ينيبون أنفسهم إلى التصوف وهم أبعد الناس عن حقيقته.. فشوهوا صورته .. إننا نعرف التصوف مدارس علمية ومعارف فكرية وهي كلها تمثل الأفق الأعلى للفكر الإسلامي .. تمثل الكمال في الإيمان.>

وفي ص107 <التصوف ذلك المظلوم المتهم، قليل من ينصفه بل بلغت الجراءة ببعضهم أن جعلوه من صفات الذم والقدح التي تسقط بها الشهادة .. فيقول فلان ليس بثقة لأنه صوفي>

وهذا الكتاب تم تقريظه من أزيد من أربعين عالما وقد جاء في تقريظ الدكتور حسن الفاتح مدير الجامعة الإسلامية < لقد ظلم التصوف من بعض أولئك الأدعياء فألصقوا به وبأهله تهما هم منها براء… أننا نعرف التصوف –كما يقول المؤلف – مدارس علمية ومعارف فكرية …تمثل الخلاصة الزكية لكل دعوة ربانية انه الصدق والأمانة والوفاء والإيثار… انه الخلق القويم الصحيح وهو الشخصية الإسلامية في أبهى حلة وأكمل صفة…ذلكم هو التصوف الذي عرفه السلف و ذلك هي سيرة الصوفية كما عرفها الخلف، لقد كانت مظاهر التصوف وما تزال هي حب الرسول صلى الله عليه وسلم …أما حقيقته فهي أن يعبد الفرد الله كأنه يراه…>

وقد جاء في تقريظ الشيخ إبراهيم الداسوقي وزير الأوقاف السابق بمصر <التصوف هو الأفق الأعلى للفكرة الإسلامية والوجه المشرق لآداب ديننا وكمالياته… إن أقطاب التصوف قد تحدثوا عن الشريعة الإسلامية بما يؤكد التزامهم الكامل بكل ما جاءت به…> " اهـ.


يتبع إن شاء الله تعالى.....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
04-08-2002, 06:17 AM
تكملة المقال المنقول: التصوف في الميزان

"الأمير عبد القادر الجزائري

قال رحمه الله في كتابه الموافق <والتصوف طريقة توحيدنا ما هي طريقة المتكلمين ولكن طريقة توحيد الكتب المنزلة وسنة الرسل المرسلة وهي التي كانت عليها بواطن الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين والسادات العارفين وان لم يصدقها الجمهور والعموم فعند الله اجتماع الخصوم>.

الدكتور يوسف القرضاوي

جاء في كتابه <فتاوى معاصرة> ج1 ص735و736 قال <…ومن هنا ظهر هؤلاء الصوفية ليسدوا ذلك الفراغ الذي لم يستطع أن يشغله المتكلمون ولا أن يملاه الفقهاء وصار لدى كثير من الناس جوع روحي فلم يشبعه إلا الصوفية الذين عنوا بتطهير الباطن قبل الظاهر، وبعلاج أمراض النفوس وإعطاء الأولية لأعمال القلوب وشغلوا أنفسهم بالتربية الروحية و الأخلاق وصرفوا إليها جل تفكيرهم.

حتى قال بعضهم التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف. وكان أوائل الصوفية ملتزمين بالكتاب والسنة، وقافين على حدود الشرع مطاردين للبدع والانحرافات في الفكر والسلوك. ولقد دخل على أيدي الصوفية كثير من الناس في الإسلام وتاب على أيديهم أعداد لا تحصى من العصاة وخلفوا وراءهم ثروة من المعارف والتجارب الروحية لا ينكرها إلا مكابر أو متعصب عليهم …

فنستطيع أن نأخذ من الصوفية الجوانب المشرقة، كجانب الطاعة لله وجانب محبة الناس بعضهم لبعض ومعرفة عيوب النفوس ومداخل الشيطان وعلاجها واهتمامهم بما يرقق القلوب ويذكر بالآخرة.. مع الحذر من شطحاتهم ووزن ذلك بالكتاب والسنة وهذا لا يقدر عليه إلا أهل العلم والمعرفة.>

وفي ص739 يقول < كان التصوف في أوامره ينزع إلى تحقيق غاية عملية هي النجاة بالنفس من سخط الله عذاب الآخرة عن طريق الزهد والتقشف ومجاهدة النفس وأخذها بأدب الشرع وتقوى الله >

وفي ص741 يقول<إن التصوف له جذور إسلامية أصيلة لا تجحد وفيه عناصر إسلامية أساسية لا تخفى. نرى ذلك في القرآن الكريم والسنة وسيرة الرسول الكريم وأصحابه الزاهدين مثل عمر وعلي وأبي الدرداء …كما جاء في القرآن والأحاديث نصوص غزيرة في الزهد والتوكل والتوبة والشكر والصبر واليقين والتقوى والمراقبة وغيرها من مقامات الدين ولم يعطها العناية اللائقة بها إلا الصوفية ولهذا كانوا أعلم الناس بعيوب النفس وأمراض القلوب…>

أما في ج2 ص512 ،513 فيقول < ما قاله الصوفية من التنبيه على أهمية أعمال القلوب قبل أعمال الجوارح والتركيز على الباطن قبل الظاهر والجوهر قبل الشكل هو قول صحيح وهو صميم الإسلام وليس مستوردا من أي مصدر خارجي بل مستمده الأساسي هو القرآن والسنة…ولا يتصور من الصوفي الملتزم أن يهمل أمر الفرائض الدينية بل هو لا يكتفي بها حتى يضيف إليها النوافل التي ترفع منزلته عند الله>

وفي ص514 <كما أن الصوفية لا يهملون أمر المعاصي الظاهرة بل يحذرون منها أشذ التحذير.>" اهـ.


يتبع إن شاء الله تعالى....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
10-08-2002, 12:25 AM
تكملة المقال المنقول: التصوف في الميزان

"
الزعيم علال الفاسي:

جاء في كتابه التصوف الإسلامي في المغرب ص9،10،11،21 ما نصه:(إن الحياة الروحية عند المسلمين ليست بحاجة في سيرتها وتطورها إلى أن تقتبس من مذهب معين أو دين أخر وأن الصوفية ليسوا إلا المظهر المتطور للزهاد الأولين أو عباد الصحابة….وإذا كانت ثمة منكرات أدخلت على القوم أو بدع تسربت إليهم في حين إنها لا تتفق مع ما أرادوه لأنفسهم وللناس فأي جماعة لم يندس فيها المبتدعون أم أي عقيدة لم تلتصق بها طفيليات تحاول امتصاصها والقضاء عليها، وقد بين الإمام ابن تيمية أن هنالك صوفية الحقائق وصوفية الأخلاق وهم الصالحون الصادقون، وهنالك صوفية الارتزاق وهم الذين لا يهمنا أمرهم في هذا الحديث…. أما أبو القاسم الجنيد فهو إمام العارفين وممن لم يكونوا يطلقون القول دون تدقيق وتبصر، فلا تغلبه العاطفة ولا تغرقه الأحوال، وبذلك استطاع أن يوفق بين مقتضيات الشريعة ومعاني الصوفية، وكان هو الإمام الذي اختار المغرب مذهبه وسار على منهجه….. والتصوف المغربي إلى جانب الفقه المالكي له الأثر الفعال في توجيه كل الأفكار والسياسات التي جرت في بلادنا، فالفقه والتصوف عنصران أساسيان في تكيف المجتمع المغربي وتسييره…. وسنرى من مواقف أوليائنا وصوفيتنا ما يدل على الدور التحريري الذي قام به التصوف في إنقاذ المغرب من الاحتلالات الأجنبية، الأمر الذي يغفر له ما وقع فيه من زلات فكرية أحيانا.]

فأين أنت يا من تدعي أن التصوف باطل وبدعة من كل هؤلاء العلماء في علمهم وأدبهم ودينهم وفهمهم للقضايا واستيعابهم للحقائق. واعلم أن ما أوردته منهم ليس إلا عددا بسيطا أمام العدد الكلي وأن ما سردته من أقوالهم وتصريحاتهم لا يقارن مع مجموع ما ذكروه في مدح التصوف والصوفية.وقد اخترت ما ثبت ثبوتا قطعيا من البراهين دون ما شك في صحته أو مصدره. وعموما يبقى التصوف علما قائما بذاته له رواده ومريدوه في أي زمان ولدى فهو غير محتاج لمن يبرهن على صحته كما أنه غير آبه بأقوال الغافلين ممن لا يريد استيعاب الحق، وتقبل المنطق، والاقتناع.

وصدق ذو النون المصري حين قال:

اطلبوا لأنفسكم مثل ما وجدت أنا

قد وجدت لي سكنا ليس في هواه غنا

إن بعدت قربني أو قربت منه دنى

واعلم أن الحديث القدسي يقول:< من عادى لي وليا فقد أذنني بالحرب>ولعل خير ما نختم به هي هذه الآية الكريمة يقول تعالى : { ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا }

و صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما

بحث و جمع : سعد لحميتي" اهـ.


يتبع إن شاء الله تعالى....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

عاشقة طيبة
10-08-2002, 01:16 AM
بارك الله فيك سيدي الفاضل العبد الفقير وزادكم الله من فضله ونفعنا بك

يقول الامام ابو الفتح البستي رحمه الله :
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا
وظنه البعض مشتقا من الصوف
ولست امنح هذا الاسم غير فتى
صفا فصوفي حتى سمي الصوفي

العبد الفقير
10-08-2002, 02:58 AM
الإسلام والتصوف

هذا الموضوع من احد المواقع وهو مفيد لمن التبس عليه الامر في منهج الصوفيه

(1) ما هو المنهـــــــــــج الملائـــــــــم :

ان صلة التصوف الاسلامي ـ منهجا وموضوعا ـ لاياتي فهمها فهما صحيحا , الا اذا عرفنا التصوف تعريفا ينطبق على حقيقته اكمل ما يكون الانطباق , بيد ان تعريفه ليس من السهوله بمكان ,ذلك : ان تعريفات التصوف ـ كما يقول مؤرخو التصوف القدماء ـ اربت على الالف , وكلها تعريفات لها وزنها وقيمتها , اذ انها باقلام الصوفية انفسهم , واذا كانت هذه التعريفات باقلام ارباب الشان فانه من الصعوية بمكان ان يقف الانسان منها موقف الحكم , يفضل بعضها على بعض , ويجعل بعضها في المرتبة الاولى ويجعل البعض الاخر ثانويا , شم ينتهي بتعريف جامع مانع .
ماهو المقياس ? وماهو الفيصل ؟
ثم باي سلطان يتدخل الانسان بين هؤلاء القوم ذوي المذاقات الرقيقه والمشاعر الروحية الدقيقة ؟
ابسلطان العلم : ملاحظة واستقراء ؟
ام بسلطان العقل : بحثا واستنتاجا ؟
ام بسلطان الروح : اشراقا والهاما ؟

(2) التصـــــــــوف والعــــــــلـــــم :

هل يلج العلم بملاحظته واستقرائه حصن التصوف ؟ انه اذا فعل ذلك فانه سوف لا يلاحظ الا الشكل الخارجي , ولا يستقرىء الا المظهر الشكلي !! ولا شي بعد ذلك من روح التصوف وجوهره , ومعنى هذا الاخفاق التام .

وحقا لقد اخفق ـ الى الان ـ علم النفس , واخفق علم الاجتماع , اخفاقا كاملا في الوصول الى كنه التصوف وحقيقته .

بل ان الدراسات النفسية الحديثة , والدراسات الاجتماعية المعاصرة : افسدت الفكرة عن التصوف افسادا تاما , شانها في ذلك : شانها في كل ما اتصلت به من الدراسات التي تتصل بالروح , وبالوحي , وبالالهام السماوي , والدين , على وجه العموم .

ان الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة : حددت نفسها بالمادة وتقيدت بالظواهر المادية المحسة الملموسة : المرئية , او المسموعة , او المذوقة مذاقا حسيا , او المشومة !!

وهي تعترف اعترافا صريحا لالبس فيه : ان مجالها انما هو المجال المادي وان كل ما خرج عن المجال المادي : فانه لايدخل تحت مرصدها ومخبرها ومسبرها , واذن لايدخل في اطار بحثها .

والتصوف : روح , والهام , واشراق , فلا يدخل في مجالها .

ومن هنا كان اكتفاء هذه الدراسات بالمظهر والشكل . ومن اجل ذلك كان اخفاقها وفشلها يفجا النظر .

ان مانسميه العلم الحديث انما هو العلم السائد في اوروبا وامريكا , في العصر الحاضر , وقد الزم نفسه الزاما تاما الا يخرج عن دائرة المادة , وحدد ـ مختارا ـ دائرته تحديدا دقيقا بانها " المادة " وربط نفسه بذلك ربطا محكما , الى درجة ان كل من يخرج عن المادة لايسمونه عالما , وان كل بحث في غير دائرة الملاحظ , المحس , لايسمونه بحثا علميا . ولسنا ـالان ـ بصدد تخطئة العلم الحديث او تصويبه فيما الزم نفسه به , وانما نريد ان نبين في وضوح ان هذا الالتزام , ينفي نفيا باتا ان يتصل العلم الحديث ـ من اقرب او ابعد ـ بجوهر التصوف ومفهومه الحقيقي .

ومن اجل ذلك فان كل ما قيل بلسان العلم عن التصوف : لايمس منه الا المظهر والشكل , ولافائدة فيه بتاتا من حيث الروح والجوهر .

(3) التـــــــــصــــــــــوف والعقــــــــــــل :

انلجا اذا للعقل ؟ ببحثه المنطقي القياسي , والى استنتاجاته الناشئة عن المقدمات والا قسية ?!

ايقودنا العقل ـ امنين ـ في بحار التصوف اللامحدودة , وفي رياضه التي لاتنتهي , من حيث كونها نفحات من التجليات الالهيه اللانهائيه ؟

ولكن المعروف ان العقل : لايدور الا في فلك المادة : انه يتسامى الى السماء , فيبحث , باقماره , وسفنه , وصواريخه يبين ارجائها الشاسعة , ومساحتها الرحبة , ويغوص في اعماق البحار فيظهر مكنوناتها ويكشف عن اسرارها , ويتعمق في طبقات الارض , فيخرج من اثقالها , ويزيل الغموض عن معمياتها .

انه مبتدع الصناعه : من الابرة الى الصاروخ , ومخترع الكيماويات , سهلة كانت ام معقدة , ومكتشف النواميس الكونية في الارض والسماء , وهو اساس العلم الكسبي : علم التوليد , والاستنتاج , والاستنباط , على اشكاله المختلفة ومنهاجه المتعددة ...

ولكن العقل ـ ومجاله المادة : استنتاجا واستنباطا ـ لاشان له بالغيب : الغيب الالهي .

لاشان له بالمساتير : مساتير الملا الاعلى .
لاشان له بكشف المحجوب : المحجوب الروحي .
لاشان له بمعارج القدس ولا بمنازل الارواح.

لقد اخفق العقل في ايجاد مقياس عقلي يقيس به الصحة والخطا في عالم الروح , وعجز عن اختراع فيصل يفصل به بين الحق والباطل في مجال الغيب : لقد اخفق منهج ارسطو واخفق منهج ديكارت , واخفق ـ الى الان ـ كل منهج عقلي يراد ان يصل الى عالم الالهية : يعرفنا اسراره , ويسير بنا في مساتيره .
واخفاق العقل في عالم التصوف قضية اعترف بها اعترافا صريحا فيثاغورث , وافلاطون , وافلوطين .

واعترف بها : الكندي , الفارابي , وابن سينا , واعترف بها : الغزالي , وجميع الصوفية على الاطلاق .

ولقد اعترفوا بها لما علموا ان العقل لايتاتى له ان يخرج عن دائرة المادة , واعترفوا بها لما راوه من خلال التاريخ الفكري للانسانية : من ان العقل وقف امام منازل الروح , ومعارج القدس عاجزا لايحير جوابا؟

لقد اعترفوا بها , وبرهنوا , وكان منطقهم من السلامة بحيث صدقة الواقع التاريخي , وليس ذلك بقادح في العقل , فله مجاله الضخم في رحاب الكون وفي اغوار الارض, وفي اقطار السماء , وعليه وبه قامت الحضارة المادية الحديثة متسلطة غلابه. " اهـ.

(نقلاً عن أحد المواقع على الشبكة)

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
25-08-2002, 03:07 AM
(نقلاً عن أحد المواقع على الشبكة)

بسم الله الرحمن الرحيم

ما هو التصوف؟

صاحب الفضيلة الشيخ سيدي محمد سعيد الجمل

إمام وخطيب المسجد الأقصى

مدينة القدس


التصوف بحد ذاته مأخوذ من الصفاء، وبعبارة أدق، هو ملخص كلمتين، التحلية والتخلية، والتحلية معناها: أن تتحلى بكل وصف كريم، والتخلية أن تتخلى عن كل وصف ذميم، أي لا يقره الله تبارك وتعالى ولا يرضاه،

أي يعني، بعبارة أدق التحلية أن تتحلى بالأوامر الربانية، جملة وتفصيلا, ما ورد على لسان رسول الله في أحاديثه الشريفة، وما ورد على قلبه من نزول من كتاب الله بواسطة الوحي جبريل عليه الصلاة والسلام، كما قال: (( تركت فيكم أمرين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وسنة رسوله.))

فأول صوفي هو المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه بحد ذاته أول من دخل الخلوة في غار حراء هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يتحنث ويعبد الله على ملة سيدنا إبراهيم وهي دين التوحيد فعمل على تصفية النفس، نفسه الكريمة، وقلبه الكريم وروحه الكريمة حتى أنزل الله عليه جبريل وقال له إقرأ قال ما أنا بقارئ الى أن قال إقرأ ثم إقرأ الى أن قال أقرأ باسم ربك الذي خلق. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.)) والله يقول: ((وإنك لعلى خلق عظيم.))

فالتصوف بحد ذاته من الصفاء، أي من تصفية النفوس و القلوب والأرواح، أن تكون كلها متوجهة الى الله تعالى. والمتصوف عليه أن يكون مثالا كاملا يتجسد فيه كأنه قرآن يسير على الأرض وسنة تتمثل فيه.

وكان صلى الله عليه وسلم هو أول من دعا الى تهذيب النفوس وتهذيب الأخلاق وتهذيب الأرواح وتصفيتها. كيف يكون الإنسان سعيدا إذا لم تصفى نفسه وقلبه وتتعلق بمولاه، لذلك سيدنا الحبيب الأعظم في الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب، الحديث المتواتر، قال: ((بينما نحن جلوس مع رسول الله وإذ برجل شديد سواد الشعر شديد بياض الثياب، لا يرى عليه أثر السفر، فوضع ركبتيه على ركبتي رسول الله فقال السلام عليك يا محمد قال وعليك السلام قال أخبرني عن الإسلام فقال أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن تقيم الصلاة وأن تؤدي الزكاة وأن تصوم رمضان وأن تحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال صدقت،))هذا الإسلام، ((قال وما الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقضاء والقدر خيرهما وشرهما من الله تعالى، قال صدقت، قال عمر عجبنا كيف يسأله ويصدقه، قال أخبرني عن الإحسان،)) وهو المقام الثالث، مقام ثالث، قال (( أن تعبد الله كأنك تراه)) كيف يكون ذلك، ((فإن لم تكن، إن لم تكن تراه فإنه يراك)) إن لم تكن.((ثم انتظرنا مليا فانطلق الرجل، فقال أتعلمون من هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال ذاكم جبريل جاء يعلمكم دينكم.))

فالمقام إذا، ثلاث مقامات، الإسلام هو طبعا ما جاء به رسول الله من الكتاب والسنة، وهو تنظيم علاقة الإنسان وربه في العبادات من صوم وحج وغير ذلك، وتنظيم علاقته بإخوانه بالمعاملات، وتنظيم علاقته بنفسه. هذا من حيث الظاهر، هذه الشريعة من حيث الظاهر، قد يصلي لكن الصلاة عنده في المسجد وبعد أن يذهب من المسجد بيروح يغش أو يسرق، فليس له من صلاته إلا ما عقل منها، هذا كأنه تقول له يوم القيامة، تلف كالثوب الخلق وتضرب في وجهه، وتقول له ضيعك الله كما ضيعتني. فمن حيث الظاهر ، الأمور الظاهرة، المتصوف حريص على إقامة شعائر الله، والمتصوف من أهل العزائم لا يأتي بالرخص، يؤدي الصلوات بأوقاتها، يؤدي الزكاة، لا يمكن أن يعزب عنه شئ.

هناك مرتبة ثانية في الارتقاء، وهو الإيمان، وهو ما وقر في القلب وصدقه العمل.

لكن هناك المرتبة الثالثة، في عندنا شريعة وفي عندنا طريقة وفي عندنا حقيقة. فالطريقة هي الإيمان، والحقيقة هو الإحسان. فقلنا أن تعبد الله، كيف تعبده، أي ما هو مسلم بيعبده! يصلي، كأنك تراه، كيف تراه؟ كيف أراه؟ إن لم تكن، يجب أن لا يكون لك وجود مع وجوده ، تحطم الصور أن ترى الحق من خلال الخلق، أن تسير مع الله.

ومن هنا جاء التصوف والورّاث المحمديين اللذين ورثوا الثقل المحمدي والحقيقة المحمدية، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم حضرته في المدينة، جسده الشريف، وهو في قبره حي. ((البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي)) صلى الله عليه وسلم، لكن حقيقته لا تفنى، حقيقته قائمة، وهذه الحقيقة، لأنه صلى الله عليه وسلم قال في حديثه الشريف: أنا من الله، أي من نور الله، والمؤمنون من نوري. فبحد ذاته النور لا يفنى، نور الحق لا يفنى.

فبدك تحقق وجودك في وجوده، أي لا يكون لك وجود مع وجوده، أن ترى أن كل مظهر فيه ظهر. كل مظهر فيه ظهر إن غبت عنه فهو شمس أو قمر. بدك تحقق وجود الحق، إن لم يكن الحق قائم فيك، أي وجود، أين الموجود غير الواجد، دلني عليه، الذي يفنى هل له وجود؟ إذن أنت عبارة عن ماذا؟ قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم: خلقت آدم على صورتي. أنت مكان التجليات.

الله له تسع وتسعون صفة، أي إسما، إسم واحد هو الاسم الأعظم، لكن البقية صفات، لكنها تتجلى على الخلق. فهو تجلى عليك بإسمه السميع، فأصبحت تسمع بالسميع. تجلى عليك بالبصير، فأصبحت تبصر بالبصير، ولذلك قال أسمع به وأبصر، تجلى عليك بإسم المتكلم فتكلمت، فالحقيقة أنه لست أنت المتكلم، وإنما المتكلم هو الله. هذه الصفات كلها تجليات. فالتصوف يأخذ بيد المريد الى الله ليفهمه حقيقة نفسه، وحقيقة وجوده وليعلمه أنه لا وجود إلا وجود الحق، فهو رحمة مهداة، لان الله قال ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.)) فهو لا يحمل إلا رسالة المحبة الكاملة لكل ما خلق الله حتى الدواب حتى النبات حتى الطيور، يعني لا يمكن أن يدوس على نملة، نملة، المتصوف لايدوس عليها، لأنها خلق الله ، لأنها أمة،(( قالت نملة يا أيتها النمل أدخلوا مساكنكم لايحطمنكم سليمان)) أمة.

لذلك نحن كمتصوفة، نأخذ بيد المريد الى معرفة نفسه حقيقة حتى يكون ناطقا بالله، سميعا بالله، يرى بالله، يمشي بالله، من خلال خلقيته يحطم الصور ليصل الى المصور، لذلك قال: لاتحسبن أنك جرم صغير وفيك إنطوى العالم الأكبر. ((كنت كنزا مخفيا فاحببت أن أعرف، فخلقت خلقا، فبي عرفوني.)) يعني من خلال الخلق عرف. ولذلك عندما أمر الله آدم بالسجود، بقوله تعالى: ((إني خالق بشرا من طين فإذا سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.)) الهاء لمين تعود؟ مش لآدم، وإنما للأمر الذي استقر في آدم. آدم عبارة عن مجاز، عبارة عن وهم، لكن هذا الوهم مقدس، لأنه سواه بإيده، سويته بيدي، ونفخت فيه من روحي، ولله المثل الأعلى، ولذلك المتصوف ليس كما يعرفه الناس، يحزن، إنما يحزن إذا حزن الناس، ويفرح لفرح الناس، وهو أبعد الناس عن البخل، وعن الكراهية لجنس الإنسان، لانه متربي بتربية الحبيب الأعظم، على مائدة الرحمة، لذلك فهو لايمكن أن يأكل حقوق الناس، ولا يمكن أن يعصي أمر رب الناس، ولا يمكن أن يتخلى عن واجبه تجاه دينه وأمته.

فأسيادنا رضوان الله عليهم من لدن سيدنا رسول الله، أرأيتم كيف كان صلى الله عليه وسلم يقاتل الظلم والظالمين، في معركة أحد وبدر، ليس كسولا، ليس التصوف معنى ذلك نقول للمتصوف أنه إجلس في القرنة في الزاوية وخلاص،لا، يجب أن يكون كالنحلة، بعد الفجر، ينطلق الى عمله ملتزما بكتاب الله وسنة رسوله حاملا الرحمة للعالمين، هو رائحة الهية، عندما يسير، الخلق تشم رائحته، رائحته الطيبة الزكية. نعم فالتصوف، أسيادنا كلهم رضوان الله عليهم من أولهم الى آخرهم شاركو في المشاكل وفي معاناتها كلهم جهاديون لم يتخلوا عن نصرة دينهم أو أمتهم أو الانسانية، نعم, وهذا جزء من رسالتي، أنا رجل متصوف لكنني دخلت الزنازين عدة مرات في سبيل الحق لأن الله كان يأمرنا بذلك، وسيدنا رسول الله أمرنا بذلك أن لا نخضع لظلم أو ظالمين، نحن ندعو الظالمين أن يتراجعوا عن ظلمهم للإنسان، وأن يعملوا الخير للناس، لكننا لانسكت، ولانكتف أيدينا وندعهم يفعلون ويظلمون الخلق ويأكلون أموال الناس بالباطل، لا. فالتصوف هو ماهية الإسلام والحقيقة الذاتية السرمدية التي لا يعرفها الا نحن، الذين يسيرون في معرفة حقيقة ذات الحق في وجودهم.

معذرة، فهذا شئ قليل، وإلا فالتصوف: ((قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا))

اللهم صل على الحبيب" اهـ.


يتبع مع مقال آخر....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
26-08-2002, 03:04 PM
الطريقة المحمديـة الشاذلية
طريقة صوفية سلفية شرعية

مقـدمــــــة :

في هذه السطور القليلة أقدم لكم ( الطريقة المحمدية الشاذلية في كلمات ) تعريفا بهذه الطريقة الصوفية الشرعية ، التي جددها شيخنا الإمام الرائد سيدي محمد زكي الدين بن إبراهيم الخليل بن علي الشاذلي .. وقد كانت هذه الطريقة وما زالت نبعا صافيا من منابع التربية الإسلامية ، ومدرسة نموذجية لتخريج الدعاة والمرشدين والمربين والسالكين إلى الله تعالى على هدى ونور ..

الأساس والنسبة :

الطريقة المحمدية الشاذلية : طريقة صوفية ، سلفية ، شرعية مستنيرة ، معترف بها رسمياً في جمهورية مصر العربية ، أساسها : الكتاب والسنة ، وهي تنتسب إلى سيدنا ( محمد ) صلى الله عليه وآله وسلم ، فشرف النسبة إليه صلى الله عليه وآله وسلم فخرنـا ، والتزام أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم هدفنا ، وتطبيق شرع الله تعالى في أنفسنا وأهلينا ومجتمعنا هو وسيلتنا .

سند الطريقة المحمدية :

السند هو سلسلة الشيوخ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والسند اتصال وبركة ، وأساس السند والسلوك عند السادة الشاذلية رضي الله عنهم هو الصحبة والمتابعة والاقتداء .

وسنـد الطريــقة المحمدية : شاذلي أصــيل ، من طريـق الإمام ابن ناصر الدرعي ، الذي ينتهي إليه نسب خاصة فروع السادات الشاذلية المباركة ؛ فهي أخت شقيقة لكل السادات الشاذلية الشرعية .

وللطريقة أنساب أخرى للتيمن والتبرك متصلة بالأقطاب الأربعة المشاهير ، ثم بالسادات الخلوتية ، والنقشبندية ، والتيجانية ، والكتانية ، وغيرها ؛ ولهذا فنحن نحب جميع الطرق الشرعية ، ونعتبر أننا أبناء عمومة روحية في الله تستوجب التعاون والمودة قولاً وعملاً .

ومن أراد تفصيل أسانيد الطريقة فليرجـع إلى إجازة الطريق لفضيلة شيخنا الإمام محمد زكي إبراهيم رحمه الله تعالى.


منهجـها :

لم يكن أبدا المقصود من الشيخ والمريدين هو تكثير الأتباع والمزايدة بهم ، بل المقصود هو الإرشاد والهداية ، والسلوك والتربية ، والعبادة والربانية ، والأخذ بيد المريد الصادق إلى مدارج السلوك .

ومن هنا نقول : طريقتنا هذه للخواص أساساً ، وقد صرح الشيوخ رضوان الله عليهم بأن الشاذلية طريق العلماء .

ثم هي لصفوة الجماهير الراشدة ، وطلاب الحقيقة والنور ؛ فلا مجال بيننا لدعي ولا كسول أو بليد ، فالطريق لم تكن ولن تكون أبدا مجالا لترف المترفين ، أو انتسابا شرفيا أو اسميا يزيح قليلا مما يجده في أنفسهم العصاة والمذنبين .

الطريق علم وعمل ، وأخوة وتعاون ، ونظام إسلامي دقيق ، يحاسب الإنسان فيه نفسه على الخطرات والإشارات ، فضلا عن الأعمال والكلمات .


من مبادىء الطريقة :

اعلم أيها الأخ السالك إلى الله أن طريقنا هذا أساسه التمسك بشرع الله تعالى ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله ، والاقتداء بالسلف الصالح رضوان الله عليهم ، والحب والنصح لكل مسلم .

لذلك ليس في طريقنا طبلٌ ولا زمر ، ولا رقص ولا مواكبٌ ، ولا راياتٌ ولا أوشحة ، ولا شعوذةٌ ولا تجارة ، ولا ضرائب ولا مكوس ولا أكل لأموال الناس بالباطل ، ولا يجوز عندنا التظاهر والتفاخر على الإطلاق ، وإنما هي صورة صحيحة من أعمال السلف الصالح .

ويشترط عنـدنا لقراءة الأوراد والأحزاب والأذكار والأدعية ( منفرداً أو في جماعة ) حسن التوجه ، وتمام الأدب ، وصحة النطق ، والفهم ولو إجمالاً ، واستحضار الرابطة الروحية ، بعد التوبة والاستغفار والاستفتاح بشيء من كتاب الله وأدعية رسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

ونحن نحب جميع أولياء الله ، أحياءً وموتى ، من كل مذهب ومشرب شرعي ، ونتبرك بهم جميعاً ، وكما لا نفرق بين أحد من رسله تعالى ، لا نفرق بين أحد من أوليائه الصالحين ، ونترك الحكم بالأفضلية بينهم إلى الله ، الذي لا يعلم الغيب سواه ، ونقرر أن من ادعى الولاية فهو كاذب ، فالولي لا يعلن عن نفسه .


كيف تعرف الطريقة :

لا بد لكي تستكمل ثقافتك عن ( الطريقة المحمدية ) من أن تطالع ( مطبوعات ) الطريقة ، لتعرف مدى شرعيتها وتساميها ، مما يتناسب مع كل إنسان في كل زمان ومكان ، متـناسقة مع مطـالب الحياة ، وتطور الواقع ، وكرامة الإنسان ، وخدمة الدين والوطن .

فلا بـد من مطـالعة كتاب ( البداية ) ، و ( الدليل المجمل ) ، وأعـداد مجـلة ( المسلم ) ، وكتاب ( البيت المحمدي ) ، ثم الكتب الأساسية ( أصول الوصول - أبجدية التصوف - الوسيلة والقبور ) لتدفع عن قلبك وعقلك ما يثيره خصوم التصوف وأدعيـاؤه من شُبَه مُضلِّلة واستشــكالات باطلة ، تعصباً لغير وجه الله تعالى .

خــتام وبــيان :

يقول شيخنا رضي الله عنه : ليس الطريق لمن سبق ، إن الطريق لمن صدق .

ويقول أيضا : من خالف عنا فليس منا ، وإن انتسب إلينا ، ومسئوليته فيما يأتيه عليه لا علينا .

ويقول أيضا : من اعتنق مبادئنا ، وقرأ أورادنا ، فهو منا ، وإن لم نره ولم يرنا .


أيها الأخ المسلم :

قد ناديناك في الله أن ( حيّ على الفلاح ) فأقبل هاتفًا ( لبيك اللهم لبيك ) ، ( وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ) .

ورضي الله تعالى عن أشياخنا في الله، وعن كل وليٍّ لله ، وعن كل واقف بحق على باب الله، وعن كل داعية بصدق إلى طريق الله ..

والصلاة والسلام على النبي وآله وأمته .

والله الموفق والمستعان ." اهـ.

(نقلاً عن موقع الطريقة على الشبكة)


والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
01-09-2002, 07:18 AM
"نحو قراءة منهجية للتراث الصـوفي الإسلامي

مدخل: التصوف بين الصيت والرؤية العلمية

ظُلم التصوف الإسلامي في كثير من قراءات الناس له، ربما بسبب المصطلح - كما يذكر البعض - وربما بسبب انحراف بعض المنتسبين إليه، وربما بسبب حرب بعض الاتجاهات الفكرية له وهو ما أشاع عنه أنه وافد ليست الحياة الإسلامية بحاجة إليه، فضلاً عن أنه مبتدَع، تسبب في إبعاد ذويه عن الإسهام الحضاري وعن الارتباط بالأصول الشرعية، وهذه الأسباب وغيرها - بصرف النظر عن صحتها أو صحة بعضها أو عدم صحته - تقرر حقيقة أن هذا الجزء من تراث المسلمين أصابه قسط كبير من الظلم، لا نغالي إذا قلنا لم يُصب بمثله جزء آخر من تراث حضارتنا.

وقد عرف تاريخ الفكر الإسلامي اتجاهات لنقد التصوف بعضها من داخله لتصحيح المسار، وبعضها من خارجه – وهو بيت القصيد - ذهب أهل هذا الأخير مذاهب، أحدها مَدَح حتى الأخطاء، وسوغها بالتأويل، وثانيها غض طرفه عن كل حسن في هذا التراث، فلم ير فيه إلا كل خلل وفساد، وانطلق من حالات فردية إلى حكم عام وموقف شامل، وثالثها توسّط، لكنه لم يكن على شهرة السابقين.

وقد عانى الفكر الصوفي من المذهبين الأولين، بل وحجب كلٌ جزءًا من الحقيقة عن الناس؛ الأمر الذي جعل كثيرًا من العلماء والباحثين قديمًا وحديثًا ينادون بضرورة التزام منهج وسط بين الرفض المطلق والقبول المطلق.

وتعددت أشكال نداءاتهم، فمن قائل بضرورة المنهجية قبل الحكم والنقد، ومن قائل بضرورة التريث قبل الحكم على السابقين، ومن قائل بضرورة النظر إلى كل زوايا التصوف، واعتبار كل مراحله عند التقسيم.

وقديمًا تبني هذه الدعوة علم من أعلام العلماء المحافظين، فنادى بخطأ القبول المطلق والرفض المطلق، وجعل الحكم هوى إن كان صادرًا عن حب مطلق أو بعض مطلق. ذلكم هو شيخ الإسلام ابن تيمية الذي سار في هذا الأمر على درب سابقين له من العلماء الحنابلة.

وإذا كان هناك اتفاق بين دعوة المعاصرين ودعوة ابن تيمية ومن سبقه، فإن هناك فارقًا أساسيًا هو أن المعاصرين لم يقدموا تصورًا كاملاً للمنهج الذي ينبغي أن تكون عليه قراءة التصوف، بل أشاروا إلى بعض النقاط بإيجاز وإجمال، أما ابن تيمية فقد قدم تصورًا أكثر تفصيلًا عن المنهج في نقد التصوف، بل وطبّقه في النظر إلى مراحل التصوف، وإلى المصطلح، وإلى رجال التصوف ونحو هذا.

لكن نقول أيضًا: إن هذا التصور عنده مبثوث في شتى كتاباته عن التصوف، وعن السلوك، بل وعن العقيدة أيضًا؛ الأمر الذي لم يجعله شهيرًا من الدارسين، وبخاصة أنه أشيع عن عداء شيخ الإسلام للتصوف الكثير.

فرغبةً في الإفادة من تراثنا الروحي في حياتنا المعاصرة، ورغبة في إنصاف هذا الجزء من تراثنا، وإيمانًا بضرورة المنهج في قراءة التراث بل وغير التراث، وانضمامًا إلى صفوف العلماء والباحثين المنادين بذلك، ورغبة كذلك في إبراز الموقف المنهجي الحق لشيخ الإسلام ابن تيمية.. لهذه الأسباب وما في بابها رأيت أن أقدّم تصورًا لكيفية القراءة المنهجية للتراث الصوفي، آملاً أن أضع به نقطة ضوء أمام الدارسين الباحثين عن الحق والمستهدفين الإفادة من التراث للمعاصرة دون تكلف أو افتعال.

وقد جمعت شتات إشارات من هنا ومن هناك، وتطبيقات تناثرت في ثنايا البحوث وأضفت إليها رؤيتي وخبرة صلتي بهذا الجزء من تراثنا لأقدّم هذه الرؤية التي بين يدي القارئ، محاولاً ألا أحيد عن العدل في حكمي أو تعليقي؛ التزامًا بالمنهج الذي أدعو إليه، على طريق علماء سبقوا وباحثين لا يزالون يعطون العلم خبراتهم ورؤاهم." اهــ.


يتبع إن شاء الله تعالى.....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
04-09-2002, 03:27 AM
نحو قراءة منهجية للتراث الصـوفي الإسلامي-2


"ضوابط منهجية لقراءة التصوف الإسلامي

أقرر في البداية أن هذه الضوابط وليدة تأمل طويل لما أثير حول التصوف الإسلامي وما أريد بتقييمه مدحًا أو قدحًا، وقد حاولت –قدر الطاقة- أن أرجع المظاهر التي يأخذها إلى أسبابها الحقيقية المتصلة بطرق التفكير ومناهج البحث، حيث ظهر ذلك من خلال بعض الكتابات التي التزمت بمنهاج دقيق للقراءة، وبعضها الآخر الذي أعوزته الروح الدقيقة لقراءة العلم والحكم عليه والإفادة منه.

ولكي نفيد من هذا الجزء، من تراثنا ينبغي –إضافة إلى الوعي بالحقائق التي أشرنا إليها- أن نلتزم بما يلي:

أولاً: ضرورة تجاوز نقاط الخلاف الشكلية والدخول إلى المضمون:

أعني بذلك أن نفرّق بين أمرين يتصل أحدهما بالآخر بشكل ما: الأول: حقيقة ومضمون ما يسمى بالتصوف أو الزهد الإسلامي، والثاني: هذا الاسم الذي أطلق عليه وصار مصطلحًا له ظروفه التاريخية والعلمية.

فتحديد الهدف من القراءة وهو الإفادة من الماضي للحاضر، يقوّي ما نشير إليه من ضرورة الدخول إلى المضمون مباشرة، والدخول إلى المضمون سوف يضيّق هوة الخلاف –إن لم يقض عليها نهائيًا- بين المتحاورين حول هذا الجزء من تراثنا، ذلك أن الأخلاق التي هي أبرز ممارسات هذا التراث سمتٌ أصيل للإسلام ذاته، فإذا كان البعض يقرر هذه الحقيقة –وهي أن التصوف خُلُق- بالنسبة للتصوف الإسلامي "واجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم على أن التصوف هو الخلق... إن هذا العلم مبني على الإرادة فهي أساسه ومجمع بنائه، وهو يشتمل على تفاصيل أحكام الإرادة وهي حركة القلب؛ ولذا سُمّي بعلم الباطن كما أن علم الفقه يشتمل على تفاصيل أحكام الجوارح ولهذا سمي بعلم الظاهر"، يقول الكتاني: "التصوف هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفاء".

أقول: إذا كان هذا هو جزء هام من مضمون التصوف الإسلامي فإن من المقرر أنه أخذه من قوام الدين "الإسلام" الذي نشأ في كنفه. فقد امتدح القرآن نبي الإسلام محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله: "وإنك لعلى خلق عظيم" وفُسّرت بأنك على دين عظيم أي الإسلام. وهو ما عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق" وقول عائشة رضي الله عنها في وصف الرسول الكريم: "كان خلقه القرآن".

كذلك فإن التزكية وأدب النفس بتحليتها بالفضائل وتخليتها من الرذائل –وهي أبرز إن لم تكن كل غايات التصوف متضمنة حتى الجوانب المعرفية فيه- حقيقة شرعية قررها الكتاب والسنة، وطبّقها الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته والتابعون، ومن سار سيرهم، وكان لذلك كله أثره في الحياة الإسلامية اعتدالاً، وزهدًا، وشجاعة في الحق ونحو هذا مما تلتزم به النفس الزكية المحسنة، "و(لو) رجعنا إلى الكتاب والسنة وعصر الصحابة والتابعين، وتأملنا في القرآن والحديث، وجدنا القرآن ينوه بشعبة من شعب الدين، ومهمة من مهمات النبوة يعبر عنها بلفظ "التزكية" ويذكرها كركن من الأركان الأربعة التي بُعث الرسول الكريم لتحقيقها (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، وهي تزكية النفوس وتهذيبها وتحليتها بالفضائل، وتخليتها من الرذائل، التزكية التي نرى أمثلتها الرائعة في حياة الصحابة رضوان الله عليهم وإخلاصهم وأخلاقهم، والتي كانت نتيجتها هذا المجتمع الفاضل المثالي، الذي ليس له نظير في التاريخ، وهذه الحكومة العادلة الراشدة التي لا مثيل لها في العالم".

أقول: تحديد الهدف والدخول إلى المضمون لتحقيق أمر منهجي يؤدي الالتزام به إلى الالتقاء حول الحقيقة الشرعية التي "هي الكيفيات الباطنية التي تصاحب الأعمال والهيئات عند أدائها وهي أخلاق إيمانية هي من الشريعة بمنزلة الروح من الجسد، والباطن من الظاهر وتندرج تحت هذه العناوين تفاصيل وجزئيات وآداب وأحكام، وتجعل منها علمًا مستقلاً وفقهًا منفردًا".

وهذا ما حدث فعلاً، فقد اتفق على هذه الحقيقة الشرعية –وهي مضمون التصوف- علماء اختلفت مشاربهم لكنهم جميعًا مسلمون يعرفون حقائق دينهم، فقد قرر هذه الحقيقة ابن القيم، وابن خلدون، والقشيري، وغيرهم، مشيرين جميعًا إلى أن إطلاق لفظ الزهاد أو العباد أمر له ظروفه التاريخية، وجودًا ودلالة، وذلك لا يقدح في حقيقة المسمى.

والدخول إلى المضمون مباشرة يجنبنا أن نقع فيما أسماه البعض بجناية المصطلح على حقيقته ومضمونه، فقد كان مصطلح "التصوف" والخلاف حول دلالته، وتعريفاته، طريقًا للخلاف بين قراء المسلمين، حجبهم فيه الوقوف أمام الشكل عن حقيقة التزكية والتربية والإسهام الاجتماعي وكل خير قدمه التصوف الإسلامي لمجتمعه باعتباره فكرًا إسلاميًا، تضرب جذوره في مصادر الإسلام، ويأخذ نماذجه وقدوته من سيرة الرسول الكريم وصحابته ومن سار على طريقهم.

كل هذا حُجب عن عين القارئ وذهنه لأنه شُغل بالخلاف حول التصوف ونسبته إلى الصوف أو الصُفّة أو الصفاء، أو إلى كلمة ليست في لغة العرب "سوفيا" وهذا لا يجدي للحياة وإن كان يشتغل به الباحثون في زوايا التاريخ، ولو فطن من يقرأ لهذه الحقيقة لعرف أن هذا التراث اجتهاد قومٍ لإثراء الحياة في جانب من جوانبها، كما أثراها علوم أخرى واجتهادات أقوام آخرين، "وإذن عرف أن منشأ التصوف كان من البصرة، وأنه كان فيها من يسلك طريق العبادة والزهد ما له فيه اجتهاد، كما كان في الكوفة من يسلك طريق الفقه والعلم ما له فيه اجتهاد.

وهؤلاء نُسِبوا إلى اللبسة الظاهرة، وهي لباس الصوف، فقيل في أحدهم (صوفي)، وليس طريقهم مقيدًا بلباس الصوف ولا هم أوجبوا ذلك، ولا علقوا الأمر به، لكن أضيفوا إليه لكونه ظاهر الحال".

وجدير بالذكر أن هذا المضمون الذي يمكن أن نفيده لحياتنا كان سمة التصوف الإسلامي بوصفه السني أو الشرعي، وأنه ما جانبه هذا السمت إلا حين انتحل التصوفَ بعض الغلاة أو المنحرفين الذين كانا موضع نقد الصوفية أنفسهم -كما سيجيء إن شاء الله- وكذلك حين غرق التصوف في متاهات الفلسفة، فانتقل في نظريات بعض القوم إلى عبارات ودلالات لا يوافق عليها مسلم ملتزم، وهي كذلك لا تفيد الحياة في التربية أو التغيير؛ إذ هي إلى شطحات الخيال أقرب منها إلى التحقيق في الواقع.

ونحن نقول مع أبي الحسن الندوي: "ليس لنا الآن إلا أن نقرر هذه الحقيقة، ونتحرر من القيود والمصطلحات، ومن النزعات والتعصبات، ولا نفرّ من حقيقة دينية، يقررها الشرع ويدعو إليها الكتاب والسنة، وتشتد إليها حاجة المجتمع، والفرد لأجل مصطلح مُحدَث أو اسم طارئ دخيل." اهـ.


يتبع إن شاء الله تعالى.....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
09-09-2002, 04:13 PM
تابع - ضوابط منهجية لقراءة التصوف الإسلامي

ثانياً: ضرورة القراءة في تجرّدٍ واستقلال فكري:

ذلك أن الدخول على فكر ما بفكرة سابقة في رأس القارئ يحرمه الموضوعية في الحكم، ويجعله لا يرى فيما يقرأ إلا ما يشهد لفكرته التي في رأسه، ويلجئه هذا المنهج إلى تأويل ما يراه على غير ما يهوى إلى ما يؤيد فكرته، حتى ولو خالف أظهر قواعد التفكير ومناهج البحث، فالذي يقرأ فكر المعتزلة وفي رأسه حكم الفقهاء عليهم، ووصف أهل السنة لهم بأنهم المعطّلة في الصفات، تراه لا يلتفت إلى أثرهم في الحياة العقلية، ولا إلى ما عُرف عن شيوخهم من عبادة وصلاح، الأمر الذي يتناقض مع ما أشيع عنهم أنهم معطلة يعبدون عدمًا، بل ولا يلتفت إلى جهودهم في مناظرة اليهود والنصارى ودفاعهم عن الإسلام ضد المارقين.

وقد كان الأمر كذلك في قراءة البعض للتصوف الإسلامي؛ حيث قرءوه لإدانته أولاً وقبل كل شيء؛ ولذلك وقعوا في فجاجة لا يقبلها منطق، ولا يقرها المحققون من العلماء.

ونشير إلى أمثلة وقعت في التعميم وربما التناقض نتيجة للقراءة من موقف محدد سلفاً، فابن الجوزي "أبو فرج عبد الرحمن ـ 597 هـ" الفقيه الحنبلي هاجم التصوف في مواطن شتى من كتبه، وكان جماع هجومه في كتابه "تلبيس إبليس"، ولا يعنينا هنا الهجوم أو المدح بقدر ما يعنينا أن ابن الجوزي في مسلكه هذا الذي عمم فيه الحكم على التصوف ورفضه شكلاً ومضمونا، وجرح كل الكتابات التي كُتبت من فقهاء صوفية كالجنيد أو المحاسبي أو المكي أو الغزالي أو المقدسي، وجردهم جميعاً من العلم بالسنة -أقول: هذا المسلك -مع ما فيه من تعميم لا يوافقه عليه أشد الناس سلفية وهو شيخ الإسلام ابن تيمية- يظهر تناقضاً واضحاً؛ فهو من جهة يذكر أن أوائل الصوفية كانوا يعوّلون على الكتاب والسنة فكيف يجوز التعميم على كل الصوفية كما وضح في كتابه سالف الذكر؟!، وهو من جهة أخرى له كتاب ترجم فيه للعديد من أوائل الصوفية وشيوخهم، وفيه ينقل الكثير من أقوالهم التي تفيد العلم الذي نفاه عنهم في كتابه "تلبيس إبليس"، فضلا عن اتهامهم بكثير من التهم، فكيف يُقبل هذا؟!

وهو من جهة ثالثة عرف عنه –من خلال دراسة علمية عنه- أنه راضَ نفسه في مستهل حياته على ممارسة حياة الزهاد والإمعان في التقشف، لكنه سرعان ما عدل عن السير في هذا الطريق، ونسب ما اعتراه من مرض إلى هذا الأسلوب من الحياة.

أعني أنه عرف القوم عن كثب، وكان هذا يقتضي أن يفرّق بين الملتزمين منهم، والذين اندسوا في وسطهم وكانوا مثالا رديئاً ينبغي التحذير منه.

ولقد حاول بعض الباحثين أن يفسر هذا الموقف بأنه دخول على التصوف بفكرة سابقة وهي أن ابن الجوزي فقيه حنبلي متشدد، وقد رأى التصوف علما مستقلا عن الفقه له سمته الذي يُعْنى فيه بكيفيات وبواطن ظواهر الأحكام الفقهية، وهذه نظرة جديدة من هؤلاء القوم، جعلت ابن الجوزي ينظر إلى التصوف على أنه مخالف للسنة الدقيقة، ونحن لا نرى في الحنبلية والتشدد السبب الحقيقي، بقدر ما نرى أنه يبني نظرته إلى التصوف من خلال فهمه الخاص للسلفية، إذ الحنبلية والتشدد لم يمنعا ابن تيمية ولا ابن القيم من أن ينصفا من يستحق الإنصاف من شيوخ التصوف.

أما المعاصرون الذين قرءوا التصوف بعيون غير موضوعية فكثيرون من جهة، وأمرهم عجيب من جهة أخرى، فهذا أحدهم يسقط رغبته في تجريح التصوف على كتابات بعض العلماء ويؤولها إلى ما يريد هؤلاء لا ما يريد المؤلف؛ فكتاب "مصرع التصوف" الذي نُسب إلى برهان الدين البقاعي (ت 885 هـ) كان أصله كتابين مستقلين: أحدهما في تكفير ابن عربي، والآخر في تكفير ابن الفارض، فجاء عبد الرحمن الوكيل وجمعهما في كتاب واحد سماه "مصرع التصوف" وأضاف إليه من العناوين ما يحقق به هدفه هو، علما بأن البقاعي قد ذكر صراحة تقديره لأوائل الصوفية، بل ولمتأخريهم الذين لم يذهبوا مذهب ابن عربي، ومنهم علاء الدين البخاري (834 هـ). كما ذكر البقاعي أنه لا يبغض التصوف لكنه يبغض من أبغضه الصوفية ومحققو متأخريهم ممن حاد عن الطريق السوية. والغريب أن محقق الكتاب عاب على المؤلف إنصافه وإقراره أن الصوفية فقهاء، فقال معلقا على المؤلف: "هذه دعوى كذوب".

ولا عجب فقد قال محقق رسالة الصوفية والفقراء لابن تيمية: "لا يا شيخ الإسلام"، مبينا أن التصوف هو الداء الفتاك بهذه الأمة، وأنه عدو التوحيد، ونقيض الإيمان، وما ذلك إلا لأن المحقق كان يريد ألا يقع ابن تيمية في هذا الإنصاف للمحققين من الصوفية، وكان يريد أن يكون كما يهوى هو، وإلا رد قوله كما سبق.

ومن المعاصرين كذلك نجد من يبدأ تعريفه للتصوف بقوله "والتعريف الصحيح للتصوف الإسلامي بأحكام وعظية لا ترتبط فيها النتائج بالمقدمات"، ولكن لأن الرجل كتب الكتاب خدمة لفكرة ما في رأسه أو في رأس غيره فقد أداره على محور التعميم والسب دون دليل يمكن أن يقنع أحدا، فضلاً عن أن يفيد منه.

أما عن ضرورة الاستقلال الفكري فذلك لأن المتابع دون وعي مستقل إمّعة يحسن إذا أحسن الناس، ويسيء إذا أساءوا، وهذه صفة من ليس يملك فكراً مستقلاً، ولا يمكن لقارئ بهذه الصفة أن يقدم جديداً، أو يقترح مفيدا، وحسبنا أن نشير إلى أن هناك قضايا أثارها المستشرقون بخصوص مصدر التصوف وأخذه من غير الإسلام أصوله، وكانوا في هذا خاضعين لعوامل عديدة، بعضها خاص بما لم يكن تحت أيديهم من تراث للصوفية غير فكرهم بعد هذا، وبعضها خاص بقضية التأثير والتأثر التي كانت رائحة في الدراسات الإنسانية في فترة ما.

وقد تابع بعض العرب والمسلمين آراء المستشرقين دون نقد أو تمحيص فقالوا بعدم إسلامية التصوف؛ جرياً وراء غيرهم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث والتأصيل ولو علموا أن بعض المستشرقين رجع عن رأيه في قضية "أجنبية مصادر التصوف" بعد أن توافرت له بعض النصوص الصوفية، ولو قرءوا دراسات المدققين من علماء العصر الذين ذكروا خصائص للتصوف الناضج في كل دين، تبعد قضية التأثير والتأثر عن مكانها الذي كانت قد تسنمته في الدراسات الإنسانية –أقول لو قرءوا هذه البحوث الدقيقة لما قبلوا متابعة غيرهم ولحرصوا على استقلالهم الفكري.

وحين يفقد الباحث استقلاله تجده يتابع دون تدقيق، ودون بصر بعواقب ما يقول، بعداً عن المنهجية، أو تضييعاً لتراثٍ له ما له وعليه ما عليه.. يقول أحدهم: "وفي رأي الدكتور زكي مبارك التصوف: مجموعة من الأفكار الإسلامية والنصرانية واليهودية، أو هو الخلاصة الروحية من تلك الديانات الثلاث.. أما التصوف في رأينا فهو طريقة زهدية في التربية النفسية، يعتمد على جملة من العقائد الغيبية (الميتافيزيقية) مما لم يقم على صحتها دليل في الشرع ولا في العقل"، فانظر كيف جرّ عدم الاستقلال البعضَ إلى أن يقول ما يناقض حقائق ومسلمات في مجال البحث في التراث الصوفي!!." اهـ.


يتبع إن شاء الله تعالى.....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
18-09-2002, 02:18 PM
تابع - ضوابط منهجية لقراءة التصوف الإسلامي

ثالثاً: التفرقة بين أقوال الصوفية وروايات المؤرّخين عنهم:

ما دام القارئ يتغيا الحكم على التراث الصوفي، بغية الإفادة من الناضج الملتزم منه فإن أمانة العلم تلزمه أن يفرق بين أقوال الصوفية موثّقة النسبة إليهم، وفهم مؤرخي الفكر وكُتّاب الطبقات لأقوال الصوفية وأفعالهم، ذلك أنه إضافة إلى ما يغلب على كتب الطبقات من بعض المبالغات فإنها تُكتب غالباً في وقت متأخر عن حياة المؤرخ لهم، وليس بالضرورة أن يدقق المؤرخ في كل رجال سند الرواية التي ينسبها إلى هذا الشخص أو ذاك، وربما استنبط من روايات لم تخضع لقواعد الجرح والتعديل معاني هو فيها مجتهد ويبتغي بها الخير، وإن جاءت حقيقتها -بعد الدرس والتفنيد- على خلاف مما قصد إليه باجتهاده.

فإذا أضفنا إلى ذلك رغبة بعض المؤرخين في إضفاء صفات معينة على العَلَم أو الشخص الذي يؤرّخون له لسبب مذهبي، أو لميل طائفي، كان لنا أن نؤكد ضرورة التفرقة بين أقوال الصوفية أنفسهم ونظرة المؤرخين لهم وللتصوف، باعتبارها ضرورة منهجية للحكم والاستنباط.

ولا ينفرد التصوف بهذه المسألة فيما روي عنه وعن أهله، بل هي سمة عامة في عموم الروايات "وهكذا كثير من أهل الروايات، ومن أهل الآراء والأذواق، من الفقهاء والزهاد والمتكلمين وغيرهم، يوجد فيما يأثرونه عمن قبلهم، وفيما يذكرون معتقدين له شيء كثير، وأمر عظيم من الهدى، ودين الحق الذي بعث الله به رسوله. ويوجد أحياناً عندهم من جنس الروايات الباطلة أو الضعيفة، ومن جنس الآراء والأذواق الفاسدة أو المحتملة شيء كثير".

وها نحن أولاء نذكر بعض الأمثلة التي ذكرها مؤرخو التصوف، وهي عند التحقيق تؤدي إلى غير ما قصدوا إليه، أو لا تدل على ما استنبطوه؛ الأمر الذي جعل بعض العلماء يفندها ويرد عليها: " اهـ.



يتبع إن شاء الله تعالى مع تلك الأمثلة....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
01-10-2002, 06:29 AM
"أ- مسألة الصُفّة وربط التصوف بصفات أهلها:

بول -صاحب التعرف لمذهب أهل التصوف-: "وقال قوم إنما سموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصُفّة الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم".

ولو كان الأمر مجرد رواية عن قوم قالوا هذا في نسبة التصوف لهان الأمر، لكننا نجد السراج الطوسي يصف أهل الصفة بأنهم مقيمون في المسجد، وأنهم لم يؤمروا بطلب المعاش من المكاسب والتجارات. ويصف حب رسول الله لهم، وارتباطه بهم، ويذكر أن الصوفية وجدوا فيهم الاقتداء والاهتداء، ويذكر أن عددهم كان نيّفًا وثلاثمائة.

أما أبو طالب المكي فيجعل منهم رباطًا، ولهم رئيس هو أبو هريرة يأمرهم فيأتمرون، ويصفهم بأنهم كانوا أشد الناس زهدًا. وقريب من هذه الأوصاف وصف أبي نعيم لهم.

وقد فهم أحد الباحثين من هذا تمهيد المكي للربط بين صِفة أهل الصُفّة هذه وبين الرباط عند الصوفية، وربما يوطئ بذلك لحاجة المريد إلى شيخ ينزل المريد عند أمره ونهيه.

وقد تابع هؤلاء المؤرخين في فكرتهم ربط الصوفية بأهل الصفة، وجعلها بذرة التصوف الأولى بعض كبار الباحثين "ونحن لا نجد بذور هذه الحياة الروحية مغروسة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم وقلوب صحابته من الخلفاء الأربعة فحسب، وإنما نحن واجدوها أيضًا حية نامية في قلوب كثير من الصحابة غير الخلفاء، ويكفي أن نذكر هنا أهل الصفة، وما كان لهم من أثر قوي في تاريخ الحياة الروحية الإسلامية عامة، وفي تاريخ التصوف الإسلامي خاصة".

وإذا كنا نتفق مع هؤلاء المؤرخين في صلاح مجموع أهل الصفة، فلا نوافقهم على إقامتهم الدائمة في المسجد. ولا على عدم شغلهم وكسبهم في كل الحالات، ولا نوافق كذلك على أن العدد كان ثابتًا، بل إنه كان يزيد وينقص حسب ظروف القادمين من مكة والذين لا يجدون مأوى لهم غير المسجد، فقد كانوا يزيدون فيكونون ستين أو أكثر ويقلون حتى يكون عددهم عشرة.. "فإن المؤمنين كانوا يهاجرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فمن أمكنه أن ينزل في مكان نزل به. ومن تعذر ذلك عليه نزل في المسجد إلى أن يتيسر له مكان ينتقل إليه".

بل إن ابن تيمية يرى أن من كان ينزل بالصفة هم من جنس سائر المسلمين ليس لهم مزية في علم ولا دين، "بل فيهم من ارتد عن الإسلام وقتله النبي صلى الله عليه وسلم كالعرنيين الذين اجتووا المدينة، وحديثهم في الصحيحين من حديث أنس، وفيه أنهم نزلوا الصفة، فكان ينزلها مثل هؤلاء، ونزلها من خيار المسلمين سعد بن أبي وقاص، وهو أفضل من نزل بالصفة ثم انتقل عنها، ونزلها أبو هريرة وغيره.. وقد روي أنه كان غلام للمغيرة بن شعبة وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أهذا واحد من (السبعة)، وهذا الحديث كذب باتفاق أهل العلم: وإن كان قد رواه أبو نعيم في الحلية"." اهـ.


يتبع إن شاء الله تعالى....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
09-10-2002, 11:06 AM
تابع - ضوابط منهجية لقراءة التصوف الإسلامي

تكملة: أ- مسألة الصُفّة وربط التصوف بصفات أهلها:

"ولم يؤثر للصوفية الأوائل – فيما قرأت- أقوال ينسبون فيها أنفسهم إلى الصفة، وبعيدًا عن عدم موافقة النسبة لقواعد اللغة العربية في النسب، فإن ما حكاه المؤرخون في مسألة الصفة وربط التصوف بها باعتبار أنها أول بذوره، صاحبه كثير من البُعد عن حقائق تاريخية تتصل بالمسألة ذاتها، وإننا نظلم الصوفية إن حكمنا عليهم وفق هذه الروايات وأمثالها.

ب- وقريب من المثال السابق ما حكاه المؤرخون مما يفيد أن بداية التصوف كانت على يد علي بن الحسين زين العابدين (توفى بالبقيع 99هـ) فالكلاباذي يقول تحت باب عقده بعنوان: "في رجال الصوفية": "من نطق بعلومهم، وعبّر عن مواجيدهم، ونشر مقاماتهم، ووصف أحوالهم قولاً وفعلاً بعد الصحابة رضوان الله عليهم علي بن الحسين زين العابدين، وابنه محمد بن علي الباقر، وابنه جعفر بن محمد الصادق..".

كذلك ربط بعض المتأخرين بين الحسن البصري وعلي بن أبي طالب في علمه الذي ورثه عنه والموروث من النبي صلى الله عليه وسلم وراثة لا كسبًا، بل إن البعض جعل مستندهم في الخرقة الصوفية أن عليًا ألبسها الحسن البصري، وأخذ عليه العهد بالتزام الطريقة، واتصل ذلك منهم حتى الجنيد من شيوخهم، ولا يعلم هذا عن علي من وجه صحيح.

ولعل هذه الأمثلة وما تفيده من توجيه لتاريخ التصوف وجهة معينة لسبب أو لآخر هي التي جعلتنا نؤكد الحاجة إلى التفرقة المنهجية التي أشرنا إليها، ونفهم في ضوء هذا موقف ابن تيمية من أمثال هذه الروايات، فقد نقل عن القشيري قوله في اعتقاد الصوفية وأنهم أشاعرة في مجمل اعتقادهم، ثم رد ابن تيمية هذا الفهم من القشيري بالرجوع إلى أقوال المشايخ أنفسهم ليثبت أنهم كانوا على اعتقاد السلف "فصل فيما ذكره الشيخ أبو القاسم القشيري في رسالته المشهورة من اعتقاد مشايخ الصوفية، فإنه ذكر من متفرقات كلامهم ما يستدل به على أنهم كانوا يوافقون اعتقاد كثير من المتكلمين الأشعرية، وذلك هو اعتقاد أبي القاسم الذي تلقاه عن أبي بكر بن فورك وأبي إسحاق الإسفراييني…، والثابت الصحيح عن أكابر المشايخ يوافق ما كان عليه السلف، وهو الذي كان يجب أن يُذكر، فإن في الصحيح المحفوظ عن أكابر المشايخ مثل الفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي، ومعروف الكرخي إلى الجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثال هؤلاء ما يبين حقيقة مقالات المشايخ".

ويورد ابن تيمية أقوالهم موثقة النسبة إليهم ليصل إلى أن الصوفية سلفيون في العقائد بعامة، وأن المعرفة عندهم تخالف المصطلح الكلامي، والإيمان عندهم قول وعمل، وكذلك كان موقف ابن تيمية حين روى القشيري عن أبي سليمان الداراني قوله في الرضا "قال أبو سليمان الداراني: الرضا ألا تسأل الله الجنة ولا تستعيذ به من النار" فقد شكك ابن تيمية في صحة هذه النسبة إلى أبي سليمان، معتقدًا على أمثلة ذكرها القشيري في رسالته و"سندها فيه كلام"، ومستندًا كذلك إلى الكتب التي اهتمت بجمع أقوال الصوفية مثل حلية الأولياء لأبي نعيم، وطبقات السلمي، وصفة الصفوة لابن الجوزي وغيرها لم تذكر هذه الكلمة لأبي سليمان. ويذكر أنه من المحتمل أن تكون هذه الكلمة نُقلت بالمعنى عن قول آخر، إذ ثبت لأبي سليمان أنه قال: لو ألقاني في النار لكنت بذلك راضيًا، فيشبه أن يكون بعض الناس حكى ما فهم بالمعنى فذكر الكلمة التي هي موضع الحديث.

ويؤكد ابن تيمية استبعاد صدور هذا القول من أبي سليمان "فإن الشيخ أبا سليمان من أجلاء المشايخ وساداتهم، ومن أتبعهم للشريعة حتى إنه كان يقول: إنه ليمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين من الكتاب والسنة، فمن لا يقبل نكت قلبه إلا بشاهدين يقول مثل هذا الكلام؟!!".

قلت: فلو أخذ ابن تيمية برواية القشيري مع – تقديره له- لكان اتهامه لأبي سليمان الداراني أسبق من إنصافه: ولا نسد الطريق على الإفادة من أقواله – أو إشاراته أو أخلاقه." اهـ.


يتبع إن شاء الله تعالى....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
12-10-2002, 07:24 PM
تابع - ضوابط منهجية لقراءة التصوف الإسلامي

رابعًا: ضرورة تحديد المصطلحات المتصلة بالتصوف الإسلامي:

فما دامت القراءة للحكم والاستنباط والتوظيف تستهدف عدم الوقوع في أخطاء التعميم أو التسرع في الأحكام فإن من الضروري حينئذ أن يهتم قارئ التراث الصوفي الإسلامي بالتحديد الدقيق للمصطلح المراد نقده والإفادة منه، وهذا يشمل الألفاظ التي استخدمها الصوفية وحددوا مرادهم منها بما يتفق مع أصول دينهم، لكن التعميم والأخذ بالفهم الشائع لأدنى ملابسة أدى بأصحابه إلى خطأ في الحكم، فضلا عن عدم تقدير دقيق وعدم إفادة من هذا التراث.

كما يشمل التحديد المراد الأوصاف التي عُرفت بها مراحل التصوف الإسلامي واتجاهاته متمثلة في مراحله التاريخية، وخصائص كل مرحلة، وظاهرة على رجال كل مرحلة كذلك، وقد أدى الخلط في هذا الباب إلى نتائج تعوزها الدقة المنهجية في كثير من الأحيان، ولنأخذ بعض الأمثلة في كلا الجانبين: الألفاظ – الأوصاف.

أ- ففي باب الألفاظ نذكر مثلا: الزهد – التوكل – الاتحاد –الفناء:

هذه ألفاظ دار حولها حديث طويل من حيث دلالتها وصلة هذه الدلالة بالفهم للإسلام، وبخاصة أن البعض ربط بين كلمات الصوفية في الزهد ودعوات بعضهم – مثل شقيق البلخي مثلاً – للقعود عن الكسب، كما ربط البعض بين التوكل والدعوى ذاتها، حتى إن ابن الجوزي اتهمهم بعدم الفهم ومجافاة ما يحب أن يكون، حيث تنكبوا الطريق الشرعي للحياة، فالتوكل عمل قلبي وثقة بالله لا تركٌ للعمل، ولا تعطيل للجوارح، ويستشهد بأن النبي صلى الله عليه وسلم تاجر حتى كُفِي العمل من الفيء.

وإن كنا نجد نيكلسون يقرر أن الصوفية بعد شقيق البلخي كانوا لا يرون الكسب منافيًا للتوكل.

أقول: لو رجعنا إلى أقوال الصوفية في الزهد وفي الكسب وفي التوكل وحددنا دلالة هذه الألفاظ عندهم وعرفنا موقفهم من العمل، ورفضهم لأصحاب دعوى القعود عن الكسب، لو رجعنا إلى أقوالهم لتحدد لنا رأيهم بدقة في هذه المفاهيم، ولكان لنا أن نحكم على مدى قرب منهجهم أو بعده عن دعوة الإسلام، ولتجنبنا الخلط الذي وقع فيه البعض حين فهم الزهد بمعنى خاص من بعض عبارات القوم، ثم عممه على الجميع، بل قرر أن الإسلام لا يفسح المجال لهذا الزهد.

ولست أريد هنا أن أفصّل القول في هذه المسألة، وحسبي أن أشير إلى عبارتين إحداهما للمحاسبي والأخرى لأبي طالب المكي، وهما نموذجان لكثير من القول يماثلهما عند الصوفية، ولهما دلالتهما في مسألة الزهد ومسألة التوكل.

يقول الحارث المحاسبي: "ولرب مكنز للأموال بغير الإكثار مشغول، ليس بذاكر دنياه، لأن الآخرة غلبت على مناه، تذكّره للدنيا تذكر من أراد فيها البلاغ، وحبه لها حب من لا يغيره تقلّب الأحوال، قلبه لغيرها ذاكر، وهو على ما أعطاه الله منها شاكر، إن أعطي منها لم يمنعه حلول النعمة عن أداء شركها، وأن مُنع لم يمنعه نزول البلية عن النظر إلى مواضع الخير، ولرب مقلّ قد ظهر الزهد على ظاهرة وبدنه وقلبه مشغولٌ بالرغبة؛ فقد استقلّ كل ما صار إليه من الدنيا وإن كان في العدد كثيرًا، ويستكثر ما بيد غيره وإن كان في العدد قليلاً".

ويقول المكي: "ولا يضر التصرف والكسب لمن صح توكله، ولا يقدح في مقامه من حاله، قال الله تعالى: "وجعلنا النهار معاشا" و "وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون" وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أحلّ ما أكل العبد من كسب يده، وكل بيع مبرور".

فمن أدرك دلالة الزهد والتوكل عند الصوفية كان له أن يقرهم على فهمهم الذي هو صدى لما أُثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد، وكان له كذلك أن يناقش البعض في قضية التوكل بين العامة والخاصة. وهذا طريق الحكم الحق والتوظيف الجيد للتراث. أما من لم يعنّي نفسه بالتحقيق في مراد القوم فقد سهل عليه أن يكيل لهم الاتهامات لموقفهم من الزهد والعمل والمال ونحو هذا، وحسب أنه بذلك قدّم للبشرية خيرًا.

وبالمقياس ذاته نقول: إن الصوفية في كلامهم عن الحب الإلهي، وهو نزع نصوص قرآنية وحديثية، عبروا عن أشواقهم بلغة جعلت البعض ينفر، ويتهمهم منذ فترة مبكرة -أي قبل التصوف الفلسفي– أنهم يقولون بالاتحاد، مع أن حقيقة ما دعوا إليه وما تغنوا به هو صدى للحديث الصحيح: "لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي".

وقد فطن ابن تيمية إلى الفرق بين هذا الاتحاد، والاتحاد الذي قال به البعض في مرحلة تفلسف التصوف "وهذا اتفاق واتحاد في المحبوب المرضي المأمور به، والمبغض المكروه المنهي عنه، وقد يقال له اتحاد نوعي وصفي، وليس ذلك اتحاد الذاتين فإن ذلك محال ممتنع، والقائل به كافر، وهو قول النصارى والغالية من الرافضة والنساك كالحلاجية ونحوهم.. وأما الاتحاد المطلق الذي هو قول أهل وحدة الوجود الذين يزعمون أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق، فهذا تعطيل للصانع وجحود له، وهو جامع لكل شرّ".

وأما الفناء وهو عند الصوفية لازم المحبة حين تشتد وتسيطر، فإن هذا اللفظ كمّ جرّ المتعجلين في الحكم إلى تشنيع على كل الصوفية، وتنديد باللفظ في كل دلالاته، وهذا ولا شك يتناقض مع الدقة والمنهج.

ولكن تفحص أقوال الصوفية أدى بعالم محافظ كابن تيمية أن يقرر "الفناء الذي يوجد في كلام الصوفية يُفسّر بثلاثة أمور: أحدها: فناء القلب عن إرادة ما سوى الرب والتوكل عليه وعبادته، وما يتبع ذلك، فهذا حق صحيح وهو محض التوحيد والإخلاص.

الأمر الثاني: فناء القلب عن شهود ما سوى الرب، فذاك فناء عن الإرادة، وهذا فناء عن الشهادة، ذاك فناء عن عبادة الغير والتوكل عليه، وهذا فناء عن العلم بالغير والنظر إليه".

ويرى ابن تيمية أن هذا النوع فيه نقص، وأن شهود الحقائق أكمل، لكنه يقرّ أن البعض قد تغلبه المحبة فيسكر ويسقط التمييز مع وجود حلاوة الإيمان، فيقول أقوالاً ظاهرها يخالف الشرع، ويرى أن الحكم عليه يكون ببحث سبب السكر فإن كان السبب حلالاً كالمحبة وشدة الذكر لم يؤاخذ بما قال، ونُبّه إلى عدم اتباع طريقته أو أقواله.

وهذان النوعان عند ابن تيمية مقبولان وعن النوع الثاني يقول: "وعامة ما نجده في كتب أصحاب الصوفية مثل شيخ الإسلام (يقصد الهروي الأنصاري) أن من قبله من الفناء هو هذا.. وفي الجملة فهذا الفناء صحيح".

لكن هذا لم يمنع ابن تيمية من أن ينكر النوع الثالث وهو الفناء عن وجود السوى الذي يرى أن الله هو الوجود، وأنه لا وجود سواه، وأنه عن الموجودات؛ لأنه يخالف الشرع، وما به قال المحققون من مشايخ الصوفية." اهـ.


يتبع إن شاء الله تعالى....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
14-11-2002, 09:52 AM
تابع - ضوابط منهجية لقراءة التصوف الإسلامي

رابعًا: ضرورة تحديد المصطلحات المتصلة بالتصوف الإسلامي



ب - وفي باب أوصاف التصوف تذكر أن هناك التصوف السني، والتصوف الفلسفي:

وهذا التحديد مهمّ لأننا إذا كنا نقرأ التصوف السني فنحن نقيمه ونفيد منه في ضوء خصائصه التي استخلصها من نصوصه المحققون من العلماء، وننظر إلى رجاله في ضوء ارتباطهم بالمصادر الإسلامية، وعدم تأثرهم بالفلسفة والأثر الأجنبي بعامة، وإذا وجد لدى بعضهم بعض الأثر الأجنبي كالحلاج عند البعض، والبسطامي عند البعض.

فإن هذا لا يمثل ظاهرة في التصوف السني وبخاصة في مراحله الأولى (القرنين الثالث والرابع الهجريين) الأمر الذي جعل البعض يعتذر عن الحلاج، ويوضح أن الحلول عنده لم يكن حقيقيًا وأنه كان مجازيًا، ومستندًا في ذلك إلى عبارة نقلها السلمي عنه (ما انفصلت البشرية عنه، ولا اتصلت به) "وهذا قد يعني عنده أن الإنسان الذي خلقه الله على صورته هو موضع التجلي، فهو متصل بالله غير منفصل عنه بهذا المعنى، ولكن تجلي الله للعبد أو ظهوره من حيث صورته فيه ليس يعني اتصالاً بالبشرية حقيقيًا".

وقد فسرت أقوال الحلاج والبسطامي تفسيرًا نفسيًا من حيث غلبة الوجد، وفرط المحبة الأمر الذي أشار إليه ابن تيمية في حديثه عن الفناء كما سبق أن أشرنا.

... أما إذا كنا نقرأ في التصوف الفلسفي حيث النظريات التي يصعب تأويلها أو الاعتذار عنها لتتفق مع الإسلام فإن الأمر يختلف تمامًا، فنحن هنا لا نقرأ تصوفًا جل اهتمامه بالأخلاق والتربية "السابق"، بل نقرأ فكرًا روحيًا أُشْرِب مضامين الفلسفة، وهنا سنلتقي بالنظريات التي هي موضع الرفض لدى مجموع العلماء والدارسين مثل الاتحاد ووحدة الوجود؛ الأمر الذي جعل من الصعب أن تسمي هذا النوع تصوفًا خالصًا أو فلسفة خالصة، وعلينا أن ندرك –ونحن نقرأ هذا النوع من التصوف- أنه وإن اشترك مع التصوف في اسمه وبعض خصائصه "إلا أن أولئك المتفلسفة زادوا على المتصوفة السنيين بأمور: أولها: أنهم أصحاب نظريات أو مواقف من الوجود، بسطوها في كتبهم أو أشعارهم، ولا يمكن أن توصف عبارتهم فيها بأنها من قبيل الشَطَح الذي لا يسأل عنه أصحابه، وثانيها: أنهم أسرفوا في الرمزية إسرافًا إلى حد بدا معه كلامهم غير مفهوم للغير، وثالثها: اعتدادهم الشديد بعلومهم وأنفسهم وهو اعتداد إن لم يلازمهم كلهم، فقد لازم أكثرهم على الأقل".

والذين لم يفرقوا بين أنواع التصوف وقعوا في خلط شديد، فهم يرفضون الحلول والاتحاد ووحدة الوجود وهي من التصوف الفلسفي من جهة، وموضوع نقد مؤرخي التصوف وشيوخه من جهة أخرى، لكنهم يسحبون ما يرفضونه من التصوف الفلسفي على كل التصوف ولا يفرقون بين رجال وشيوخ هذه المرحلة أو تلك.

أما الذين فرقوا بين تصوف استمد مصدره من الكتاب والسنة وإن صاحبته بعض الاجتهادات وظروف التاريخ، وتصوف غلبت عليه الفلسفة ونظريات تفسير الوجود، فهؤلاء فرقوا بين المشايخ وفق ما عُلم عنهم من ضبط والتزام، فكان قبول ابن تيمية لحديث الجنيد عن التوحيد، ورفضه تأويل ابن عربي في الموضوع ذاته.

وكانت كثرة نقول الشيخ عن الجيلاني واستشهاده بأقواله في مواضع مختلفة من كتبه، وكان كذلك توضيحه لموقف شيوخ الصوفية الأوائل من قضايا العقيدة، والسماع ونحو ذلك بما ينصف المحسن، ويحذر من غيره.

وليس معنى التحديد أننا نقبل نوعًا ما جملة، أو نرفض نوعًا آخر من التصوف جملة، فهذا مرتبط بالدراسة وتحليل النصوص، لكننا نعني بالتحديد أنه يساعدنا أن نعلم ماذا نقرأ؟ ولماذا نقرأ؟ ويبعدنا عن المدح أو القدح دون أسباب أو أدلة كافية لأي منهما.

ولا شك أن الوعي بالمراحل التاريخية التي مر بها التصوف الإسلامي له أثره في طبيعة التقويم والحكم، وفي كيفية الاستفادة من إيجابيات مرحلة ما، أو تجنب سلبيات مرحلة ما، فالتصوف الإسلامي في مرحلة تحديد المصطلح وثباته علمًا بين العلوم وثيق الصلة بمصادر العلم والحياة الإسلامية، يختلف عنه في مرحلة كونها أصبح طرقًا ومؤسسات اجتماعية، على أن الاختلاف لا يعني انبتات الصلة بين مرحلة وأخرى، ولكن يعني أن كل مرحلة لها خصائصها وتوجهاتها وتراثها الذي يبرز هذه السمات، والتي تمكننا من التقييم والإفادة.

والشيء نفسه نجده حين نقرأ التصوف الإسلامي في طرقه المعاصرة في ظروف استعمار بعض البلاد، وتدني مستوى التعليم والفهم الإسلاميين وهو ما يحبذ ضرورة العناية بالناحية الاجتماعية أكثر من أي وقت مضى.

قلت: القراءة وفق هذه التحديدات وأمثالها تفسر كثيرًا من المسائل التي دار حديث حولها، فقد يتضح أن الخلاف لفظي بين المادحين للتصوف والقادحين فيه لأن المادحين يمدحون نوعًا ومرحلة من التصوف، والقادحين يقدحون في نوع آخر غير النوع والمرحلة السابقة، وبخاصة إذا عرفنا أن النوع الذي ذمّه القادحون ذمّه الصوفية أنفسهم وسجل هذا مؤرخوهم كما فعل القشيري في رسالته، وكما فعل الهروي الأنصاري في منازل السائرين. وكما فعل الغزالي في المقصد الأسنى، وإن كان هذا لم يمنع الغزالي من الاعتذار عن بعض أقوال الصوفية التي يمكن توجيها من خلال الظروف النفسية للحالة التي كانوا هم عليها، من حالات الوجد كما فعل في مشكاة الأنوار.

كذلك يفسر لنا هذا الوعي ثقة العلماء المحافظين في بعض شيوخ الصوفية ويسمونهم بالمحققين كما فعل ابن تيمية وابن القيم مع الجيلاني وقبله الجنيد والسقطي ومن على شاكلتهم، في الوقت الذي يتعقب فيه أمثال الحلاج وابن عربي والتلمساني وغيرهم، وما ذاك إلا لأن الشيوخ الموثوق فيهم أبناء مرحلة وأصحاب ذكر يختلف عن غيرهم من أصحاب النظريات المتأثرة بالأثر الأجنبي أيًا كان مصدره.

كما يفيد هذا الوعي بالمراحل والسمات في محاولة إصلاح ما قد يكون من انحراف في بعض طرق التصوف المعاصر، وبخاصة إذا علمنا كثرة أتباعها من العامة والبسطاء ومدى تأثيرها فيهم، وذلك من خلال ما التزم به التصوف السني في مجالسه الأولى وطرقه المنظمة في القرن السادس الهجري وما بعده، وكيف حرص شيوخه على الالتزام بالشرع في فكرهم، وممارساتهم الروحية، وحركتهم الاجتماعية وحرصهم على تنقية صفوفهم من الأدعياء والمغالطين.

وبالطبع لا نستطيع أن نتلمس هذا الإصلاح في التصوف الفلسفي لأنه هو ذاته جزء من مشكلة البعد عن الحياة الإسلامية النقية، فضلاً عن أثره بشكل أو بآخر في بعض هذه الطرق الغالية في العصر الحديث، ونحن نريد أن ننهض بالجانب الروحي للإنسان المعاصر وفق منهاج الإسلام في تنمية هذا الجانب، كما كان في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكما اجتهد محققو الصوفية في فهمه ومحاكاته." اهـ.


يتبع إن شاء الله تعالى.....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
14-12-2002, 09:44 AM
تابع - ضوابط منهجية لقراءة التصوف الإسلامي

خامسًا: مراعاة طبيعة التصوف كتجربة ذوقية:

التصوف تجربة ذوقية وجدت في سائر الأديان السماوية والوضعية، وعبَّر عنها كل صوفي في إطار ما يسود مجتمعه من عقائد وأفكار، وقد درسها العلماء وحاولوا التماس خصائص تميزها عن غيرها من التجارب وتنطبق على كل أنواع التصوف الناضج، وهي:

1 - الترقي الأخلاقي.

2 - الفناء في الحقيقة المطلقة.

3 - العرفان الذوقي المباشر.

4 - الطمأنينة والسعادة.

5 - الرمزية في التعبير.

ووفق هذا عُرف "التصوف بأنه فلسفة حياة تهدف إلى الترقي بالنفس الإنسانية أخلاقيًّا، وتتحقق بواسطته رياضيات عملية معنية تؤدي إلى الشعور في بعض الأحيان بالفناء في الحقيقة الأسمى، والعرفان بها ذوقًا لا عقلاً، وثمرتها السعادة الروحية، ويصعب التعبير عن حقائقها بألفاظ اللغة العادية؛ لأنها وجدانية الطباع ذاتية".

ويتضح من هذا أن التصوف تجربة ذوقية خاصة ليس للعقل مدخل فيها؛ ولذا لا يقبل أصحابها الحكم عليها بالفلسفة والعقل، "فإنه يحق للصوفية أن يعترضوا على كل من يحاول أن يَزِن تجاربهم وتعبيراتهم بميزان العقل؛ لأن العقل وقوانينه مشترك بين الناس جميعًا، أما التجارب الصوفية فلا تخص غيرهم".

وفي التصوف الإسلامي نرى ذوقية علومه واعتبار ذلك حتى لدى رئوس التصوف الفلسفي، ومن ذلك ما يروى أن تلميذًا لابن عربي قال له "إن الناس ينكرون علينا علومنا، ويطالبوننا بالدليل عليها، فقال ابن عربي ناصحًا: إذا طالبك أحد بالدليل والبرهان على علوم الأسرار الإلهية فقل له: ما الدليل على حلاوة العسل؟ فلا بد أن يقول لك: هذا علم لا يحصل إلا بالذوق، فقل له: هذا مثل ذلك".

وإذا كانت هذه الرواية تظهر اعتبار الذوق في علوم متفلسفة الصوفية، فإن بعض الباحثين يرى أن أصحاب التصوف الفلسفي لا يستطيعون أن يدعوا أنهم توصلوا إلى نظرياتهم في الوجود عن طريق الذوق، وليست نظرياتهم هذه نتيجة إلهامات وفيوضات إلهية لأن بعضهم قد اعترف أنه أخذها من حكمة زرادشت وفلسفة أفلاطون، الأمر الذي يجعل هذه النظريات بالمعيار الصوفي غريبة على التصوف الإسلامي إن لم تكن مسخًا له.

لكن الذي يبقى موضع اتفاق هو أن التصوف تجربة ذوقية خاصة يعبر كل صوفي عنها بوسيلته وطريقته، وقد تختلف من صوفي إلى آخر نتيجة درجته في التجربة ذاتها.

وكذلك يبقى أن الحكم على هذه التجربة لا يكون بالفلسفة العقلية ولا يكون بتجاهل خصائصها والتركيز على بعض الجوانب دون الأخرى؛ لأن ذلك لا ينصف التصوف، وذلك كما فعل بعض علماء النفس حين درسوا التجربة الصوفية ضمن مسائل علم النفس الديني، لأنهم ركزوا على الجانب الحسي في التجربة، ولم يدققوا في المصطلحات التي تحمل شحنة وجدانية خاصة، بل وأكثر من ذلك – كما يذكر الدكتور التفتازاني - نظروا إلى بعض حالات التصوف على أنها حالات مرضية عقلية ناسين أو متناسين طبيعة التجربة المحكوم عليها، والتي لا يمكن الحكم عليها حكمًا سليمًا إلا ممن ذات أو عنده استعداد للتذوق وتأمل حالات موجودة بالفعل وناطقة بطبيعة التجربة الذوقية التي نحن بصدد الحكم عليها.

أقول: لو نظر إلى التصوف في ضوء طبيعته التي أشرنا إليها فإن مسألة غموض التعبيرات الصوفية سوف يعرف سببها، ومسألة اختلاف التعبيرات للصوفي الواحد سوف يدرك سرها كذلك، وسوف ندرك لماذا اعتدل البعض في حكمهم على التصوف وذلك حين فهموا طبيعته واعترفوا بها ولماذا لم يدرك البعض هذا الحظ من الإنصاف، وذلك لأنهم قاسوا التصوف كعلم على سائر ا،علوم في عصره مع أن هذا المقياس ذاته غير دقيق لأن علوم العصر تختلف بحسب موضوعاتها وتختار لذلك وسائلها وتعين لغة التعبير فيها.

فلكي نصيب في الحكم على التصوف، ونستطيع الإفادة من جوانب الثراء فيه ينبغي أن نراعي هذا الأمر ونحن نقرأ تراثنا الصوفي، ويبقى بعد ذلك أن نخطئ أو أن نصيب لكن كل ذلك في دائرة الاجتهاد الأمين الذي يمنح صاحبه أجرًا إن أخطأ وأجرين إن أصاب. والله المستعان." اهـ.



يتبع إن شاء الله تعالى.....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
18-12-2002, 10:18 AM
تابع - ضوابط منهجية لقراءة التصوف الإسلامي

سادسًا: الحكم على الصوفية في ضوء أحوالهم:

الصوفية من خلال طبيعة تجربتهم أصحاب أحوال ومواجيد، ولكنهم كذلك حين يخرجون من هذه الأحوال يصبحون أصحاب صحو وفكر، شأنهم في ذلك شأن بقية الناس، والحكم على الصوفية ـ وهم في أحوالهم ـ يختلف عنه في حالات صحوهم، أو هكذا ينبغي أن يكون، وعدم الأخذ بهذه التفرقة أدى بالناس إلى تطرف في الحكم عليهم، فالبعض حين رأى من أحوالهم ما يخالف ظاهر الشرع حكم عليهم بالكفر والفسوق والعصيان جملة ودون تفصيل، وهناك من رأى أن ما عليه هؤلاء في أحوالهم هذه أمور سائغة وطيبة، ويمتدحونه بمبالغة كذلك.

وقد يغلو كل واحد من هذين حتى يخرج بالأول "إنكاره إلى التكفير والتفسيق في مواطن الاجتهاد، متبعًا لظاهر من أدلة الشريعة. ويخرج بالثاني "إقراره" إلى الإقرار بما يخالف دين الإسلام مما يعلم بالاضطرار أن الرسول جاء بخلافه اتباعًا في زعمه لما يشبه قصة موسى والخضر، والأول كثيرًا ما يقع في ذوي العلم لكن مقرونًا بقسوة وهوى. والثاني كثيرًا ما يقع في ذوي الرحمة لكن مقرونًا بضلالة وجهل، والعدل في هذا الباب قولاً وفعلاً أن تسليم الحال له معنيان:

أحدهما: رفع اللوم عنه بحيث لا يكون مذمومًا ولا مؤثمًا. والثاني: تصويبه على ما فعل بحيث يكون محمودًا مأجورًا، فالأول عدم الذم والعقاب، والثاني وجود الحمد والثواب، الأول عدم سخط الله وعقابه، والثاني وجود رضاه وثوابه؛ ولهذا نجد المنكرين غالبًا في إثبات السخط والذم والعقاب، والمقرين في إثبات الرضا والحمد والثواب، وكلاهما قد يكون مخطئًا، ويكون الصواب في أمر ثالث وسط، وهو أنه لا حمد ولا ذم ولا ثواب ولا عقاب".

ويذكر ابن تيمية أنه وإن أنكر بعض التابعين على أصحاب الأحوال أمرهم فإن تحقيق الأمر يقضي بالإنصاف بأن يبحث سبب زوال العقل فإن كان بسبب غير محرم، وكان سكره نتيجة حالة من الحب والوجد والوله استغرقته فأسكرت عقله، كان في حاله هذه معذورًا، وله من التاريخ شاهد على ذلك، ومن رأى جمهور العلماء أعذاراً له. "والذي عليه جمهور العلماء أن الواجد من هؤلاء إذا كان مغلوبًا على أمره لم ينكر عليه، وإن كان حال الثالث أكمل منه؛ ولهذا لما سُئل الإمام عن هذا قال: قرئ القرآن على يحيى بن سعيد القطان، فغشي عليه، ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد، فما رأيت أعقل منه".

ورسم هذا المنهج للحكم على الصوفية في أحوالهم ومواجيدهم من عالم كابن تيمية أمر له دلالته، فالرجل ليس من الصوفية، ولا من مؤرخيهم، ولكنه منصف ومقدر؛ لأن هؤلاء الصوفية في نظره مجتهدون في العبادات، كما اجتهد جيرانهم في الفقه والقضاء والإمارة، وهم في نظره أكمل وأفضل ممن لم يكن عنده خشية لله أو حب له؛ إذ من المقرر أن الصوفية إنما أوردهم هذه الأحوال حب ومجاهدة ودوام ذكر أدى ببعضهم إلى سكر قال فيه –وهو في غياب عقل- ما يستشنع ظاهره شرعًا، لذا فهو يرى عذرهم ما داموا ليسوا متكلفين ذلك، وما دام المعروف عنهم تمسكهم بالشرع في حال صحوهم وجماع تاريخهم، بل إن ابن تيمية يقول: إذا شك الإنسان في حال أحدهم هل هو سكر طبيعي ومتكلف كان عليه أن يتوقف في الحكم فلأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة، شريطة أن ينبه أن هذا الذي وقع لا يقتدي به إذ هو مخالف للشرع، وإن كان لصاحبه عذره." اهـ.


يتبع إن شاء الله تعالى مع حالات الصحو واليقظة...

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
24-12-2002, 12:00 PM
تابع - ضوابط منهجية لقراءة التصوف الإسلامي

سادسًا: الحكم على الصوفية في ضوء أحوالهم: (تكملة)

حالات الصحو واليقظة:

أما الحكم على الصوفية في حال يقظتهم فيكون من منطلق أنهم بشر يخطئون ويصيبون، وأنه لا عصمة لأحد من البشر غير الأنبياء، وأشد الناس استحقاقًا لوصف الولاية يجوز عليهم الخطأ لا بل يجوز أن يخفى عليه علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين، ويجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء الله تعالى وتكون من الشيطان لبّسها عليه لنقص درجته ولا يعرف أنها من الشيطان وإن لم يخرج بذلك عن ولاية الله تعالى".

وعليه فإن الحكم على أقوالهم وأفعالهم يكون بعرضها على الكتاب والسنة فما وافق كان جديرًا بالتقدير والاقتداء، وما كان غير ذلك فيوصف بما وصفه الشرع به من خطأ أو ضلال أو نحو ذلك.

وقد كان الصوفية حريصين على جعل الكتاب والسنة مقياسًا يحكم به على أقدار الرجال ومدى التزامهم، بل جعل هذا المقياس هو الفيصل في قبول هذه الفئة لشخص ما أو رفضها له "وهذا كثير من كلام المشايخ كقول الشيخ أبي سليمان الداراني: إنه ليقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين: الكتاب والسنة. وقال الجنيد رحمه الله: علمنا هذا مقيد بالكتب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم عن علمنا أو قال لا يقتدي به.

وقال أبو عثمان النيسابوري: من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة لأن الله تعالى يقول في كلامه القديم (وإن تطيعوه تهتدوا)، وقال أبو عمرو بن نجيد: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل".

وقد أورد أبو الفرج بن الجوزي أقوالاً كثيرة للشيوخ في هذا المعنى، ولم يشذ عن ذلك بعض من اتهموا بالشطح، فهذا أبو يزيد البسطامي يقول: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود.

ويقول: من ترك قراءة القرآن والتقشف ولزوم الجماعة، وحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وادعى بهذا الشأن فهو مبتدع".

وهو نفس المعنى الذي يحكيه عن أبي الحسين النوري في قوله: من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد علم الشرع فلا تقربنه، ومن رأيته يدعي حالة لا يدل عليها دليل، ولا يشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه في دينه".

وهذا هو الموافق للعقل إذ لا يقبل ممن يسندون مقاماتهم وأحوالهم إلى الكتاب والسنة أن يرضوا في صفوفهم بمن ينقض هذا الأصل، أو يقدس وليًا فيرفعه فوق مستوى الخطأ قابلاً منه كل ما جاء به، ملتمسًا للغريب من أقواله وأفعاله مسالك التأويل وطرق التسويغ، لا يعقل أن يقبل هذا من قوم أتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صفة طريقهم، ومصدر مجاهداتهم.

والذي يخرج عن هذا الخط الوسط، فيقدس الشيوخ ويصفها بما ليس في إمكانها أو من حقها غالط مقدار تجاوزه للمنهج الشرعي في تقدير الناس والحكم عليهم (نعرف الرجال بالحق لا نعرف الحق بالرجال)، (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (كل يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم). وقد وقع الغلط قديمًا وحديثًا؛ نظرًا لتجاوز المنهج الذي ألح على الالتزام به محققو المشايخ من الصوفية المسلمين." اهـ.



يتبع إن شاء الله تعالى مع الفكر الصوفي والتنبيه إلى غلطات بعض الصوفية .....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
29-12-2002, 09:50 AM
نحو قراءة منهجية للتراث الصـوفي الإسلامي
الفكر الصوفي والتنبيه إلى غلطات بعض الصوفية

"وينبغي أن يؤخذ في الاعتبار ونحن نقرأ التراث الصوفي حرص مؤرخي التصوف وهم صوفية في غالب الأحيان – على تنقية هذا الطريق من الدخلاء، والأدعياء، والتنبيه إلى أن هؤلاء ينبغي الحذر من اتباعهم فيما غلطوا فيه.

ويمكن أن يقال: إن هذا اللون من النقد – المسمى بالنقد الذاتي - هو مظهر من مظاهر الحب للصفوة والحرص على أن يتفادى نفور المجتمع منه، بل الحرص على أن يثبت موقعه في مجتمع عرف تيارات للفكر عديدة، بعضها فقهي، وبعضها كلامي، وما إلى ذلك، قد يقال هذا –وهو حق في مجمله- لأن الذين كتبوا في غلطات الصوفية، هم الذين مدحوا التصوف وأهله بأحسن صفات المدح والتقدير، لكنك مع ذلك لا بد أن تشهد لهؤلاء المادحين الراصدين للأغلاط بنقطة وعي منهجي حيث لم يمنعهم الحب من بيان وجه الخطأ لدى المخطئ، بل وإرجاع أسبابه الخطأ إلى جهل بالشرع، ونقص في العلم.

ولعل السراج الطوسي (ت 278 هـ) أبرز من كتب في هذا الباب حيث أفرد مساحة غير قليلة من كتابه (اللمع) وقد بين الأسس التي ينبني عليها طريق القوم، والذي لا يبني فهمه وعمله عليها ويدعي أنه من الصوفية فهو مغالط مخدوع، والأسس ثلاثة:

أولها: اجتناب جميع المحارم، كبيرها وصغيرها.

ثانيها: أداء جميع الفرائض، عسيرها ويسيرها.

والثالث: ترك الدنيا على أهل الدنيا قليلها وكثيرها إلا ما لا بد منه للمؤمن منها.

ثم يقول: فكل من وعى حالاً من أحوال أهل الخصوص، أو توهم أنه سلك منازل أهل الصفوة، ولم يبن أساسه على هذه الثلاثة فإنه إلى الغلط أقرب منه إلى الإصابة في جميع ما يشير إليه أو يدعيه أو يترسم برسمه، والعالم مقر، والجاهل مدع".

ويفصل الشيخ القول في طبقات الغالطين جاعلهم ثلاثة: طبقة غلطت في الأصول لجهلهم بالأصول الشرعية، وطبقة غلطت في الفروع (يعني الآداب والأخلاق، والمقامات والأحوال) وهذا لقلة علمهم بالأصول. وطبقة ثالثة أخطأت هفوة وزلة إذا تنبهت إلى الخطأ عادت إلى طريق الصواب وسدوا الخلل ولموا الشعث، وفي تفصيل الشيخ لهذه الطبقات يتعرض لأصحاب النظريات أو بذورها على الأقل تلك التي يظهر فيها الأثر الأجنبي، فيفندها ويبين وجه الخطأ وسببه الحقيقي، كل ذلك بنقد موضوعي، وأدلة مقنعة.

ولم يكن الطوسي هو فارس هذا الميدان وحده، وإن كان واضع أساس هذا المنهج النقدي إذ بعده جاء أبو عبد الرحمن السلمي (ت 412 هـ) فكتب رسالة مفردة في غلطات الصوفية كان جل ما فيها –باستثناء الفصل الذي رد فيه على القائلين بالحلول- صدى لما ذكره السراج، وتتابعت الكتابات، فكان ما ذكره القشيري في رسالته (ت 465 هـ) وما ذكره الهجويري (ت 465 هـ تقريبًا) في كشف المحجوب، وما ذكره الغزالي (ت 505 هـ) في كثير من كتبه، بل وسرت هذا الروح الناقدة إلى عصرنا فوجدنا بعض المحققين من مشايخ الطرق يؤكدون حرصهم على التزام الكتاب والسنة ويذكرون أن من يخالف هذا فتبرأ منه الصوفية كما يبرأ منه كل مسلم.

أقول: بمنهجهم ينبغي أن نقرأ تراثهم لنحكم عليه ونفيد منه، مفرقين بين حالاتهم تلك التي يعذر فيها صاحبها، وتلك التي يحكم فيها الكتاب والسنة كما يحكمان في حياة كل مسلم، وبمنهجهم نمتدح الحق ونذم الباطل في ضوء المقاييس الشرعية المعلومة.

والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل." اهـ.


يتبع إن شاء الله مع خاتمة هذا البحث...

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
05-01-2003, 11:09 PM
"خاتمة

لقد ازداد يقيني – بعد محاولتي هذه- أن تراثنا بعامة يحتاج إلى جهد في ناحيتين اثنتين:

الأولى: ناحية تكشيفه وفهرسته بشكل عام حتى يتسنى لنا معرفة ما فيه وبخاصة أن كثيرًا من علمائنا كانوا يكتبون بطريقة شمولية، فيتعرضون لمباحث داخل كتبهم لمناسبة ما، قد لا يدل عليها أو يسيء بها عنوان الكتاب ذاته.

الثانية: ناحية قراءته قراءة منهجية تبتعد عن الحكم السابق مدحًا نتيجة مذهبية أو انبهارا أو ملاحظة وقدحًا نتيجة لسبب أو لآخر من الأسباب غير الموضوعية، وتقصد إلى التعرف الحق على مكنون هذا التراث مقدرة أننا وأصحابه أبناء حضارة واحدة، بيننا قواسم مشتركة، ومن الممكن أن يكون بيننا بعض الاختلاف الدائر في ساحة الاجتهاد، والمستند إلى ظروف العصر ومستجدات الحياة وهو ما يسمح به سمت وخصائص التفكير الحر في الإسلام.

وعلينا ونحن نقرأ تراثنا أن نقدر الفرق بين نص استمد قداسته من الوحي والعصمة، وفكر يجوز عليه الصواب والخطأ لأنه جهد بشري محكوم بقوانين الحياة البشرية في قابليتها للتغير والتعديل والاستدراك.

والتراث الصوفي باعتباره جزءًا من تراث حضارتنا يتحتم فيه هذا وأكثر لأنه إلى جانب ما ذكرنا قد ظلم التصوف، وأصيبت كثير من الأحكام المتعلقة به بالتعميم أو الغموض، الأمر الذي يحبذ القراءة المنهجية كي نصل إلى تحديد ووضوح، فلا نلقي بالأحكام جزافًا، ولا نتهم لأدنى ملابسة.

وأشير هنا فقط إلى الحلاج (309هـ) وما قيل حول مقتله، والرأي فيه بعامة بين التطرف –في الأعم الأغلب- والاعتزال لدى قلة من الباحثين والعلماء.

وقد ترجح كفة الاعتدال وإنصاف الرجل إذا درست المسألة دراسة موضوعية هادئة في ضوء ما قد يكون غير مشهور عند الباحثين من نصوص تنسب إليه، فمثلاً ينسب السلمي إليه عبارة هي "ما انفصلت البشرية عنه، ولا اتصلت به" ويعلق شيخنا التفتازاني بقوله: وهذا قد يعني عنده أن الإنسان الذي خلقه الله على صورته هو موضع التجلي الإلهي، فهو متصل به غير منفصل عنه بهذا المعنى، ولكن تجلي الله للعبد، أو ظهوره فيه من حيث صورته فيه ليس يعني اتصالاً بالبشرية حقيقيًا، والحلاج هنا يشعرنا صراحة بالفرق بين العبد والرب، فليس قوله بالحلول إذن حقيقيًا".

والسلمي ذاته في رسالته التي ألفها في غلطات الصوفية يذكر –وهو بصدد الحديث عن الرد على القائلين بالحلول- نصوصًا لشيوخ ينفون القول بالحلول، ويذكر للحلاج قولاً في نفي الحلول "الحق تعالى أوجد الهياكل على رسم العلل، منوطة بالآفات، فانية في الحقيقة، وإنما الأرواح فيها إلى أجل معدود، وقهرها بالموت، وربطها في وقت إتمامها بالعجز، وصفاته –تعالى- بائنة عن هذه الأوصاف من كل الوجوه، فكيف يجوز أن يظهر الحق فيما أوجده بهذا النقص والعلة؟ وثبت أن الحق –سبحانه وتعالى- ألزم في كتابه وصف العبودية للخلق أجمع، فقال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقال: (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا) فكيف يجوز أن يحل فيما ألزمه وصف النقص؟ وهو العبودية فيكون مستعبدًا معبودًا".

قلت وصحيح أن الهجويري قد ذكر أن هناك شخصين باسم الحلاج: أحدهما الحسين بن منصور الحلاج بغدادي ملحد، والآخر الحسين بن منصور الحلاج، فارسي، لم يطعن العلماء في دينه، أقول مع وجود تفسير أو مخرج كهذا فإن الأمر لا يزال غامضًا، وربما كشفت الغموض قراءة جديدة لكل ما يتصل بالحلاج في ضوء التحقيق العلمي للنصوص والروايات.

وأشير كذلك إلى ما قد يترتب على القراءة العجلى أو سرعة الاتهام من تناقض عجيب ربما يكون في الاتجاه الواحد أو بين الشيخ والتلاميذ، فقد نقل أحد الباحثين عبارات للجنيد، وقال معلقًا: إنه كان يقول بالاتحاد"، كما ورد عن الجنيد عبارات قد تشير إلى أنه كان يقول بالاتحاد، فيروي عنه قوله: فقدت يومًا قلبي، فقلت يا إلهي رد علي قلبي، فسمعت مناديًا يقول: يا جنيد نحن سلبناك القلب لكي تكون معنا، أتريد أن تبقى مع غيرنا؟ هنيئًا لذلك الشخص الذي نال الحضور ولو ساعة واحدة طيلة عمره.

التصوف هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به.

من يقول "الله" دون أن يراه فهو كذاب.

وتكلم في المعرفة فقال "من زعم معرفة الوجود جهل عند حصول العلم، فقالوا أضف أنت. فقال: إنه هو العارف والمعروف.

ما دمت تقول الله، وتقول عبد، فهذا شرك لأن العارف والمعروف واحد، كما قالوا ليس في الحقيقة إلا هو، هاهنا الله فأين العبد، أي أن الكل هو الله".

ولن أتعرض لهذا الحكم (أعني قول الجنيد بالاتحاد) ولا للنصوص التي اعتمد عليها هذا الباحث بالمناقشة أو التفنيد، ولكني فقط أذكر أن هذا الباحث ناقض شيخ الإسلام ابن تيمية في حكمه هذا، حيث ذكر ابن تيمية أن ابن عربي الذي يقول بالاتحاد لم يعجبه رأي الجنيد في التوحيد "فإن الجنيد – قدس الله روحه- كان من أئمة الهدى، فسئل عن التوحيد، فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم، فبين أن التوحيد أن تميز بين القديم والمحدث، وبين الخالق والمخلوق".

وهنا نقول يغلب على الظن أن حكم شيخ الإسلام أوثق لأن عباراته صريحة في أن الجنيد لا يقول بالاتحاد، وأما العبارات التي نقلها الباحث سالفًا فهي غير صريحة في الحكم بالقول بالاتحاد، إذ بالروايات توهين لعدم ذكر السند، كما أنه يمكن تأويلها دون كبير عناء.

والذي يعنيني هنا أن أؤكد أن دلالة هذه الإشارة إلى جانب دلالة الإشارة السابقة تؤكدان ما أنا متيقن منه من الحاجة العلمية والاجتماعية إلى قراءة التراث الصوفي بمنهج جديد أشرنا في هذا البحث إلى أبرز ملامحه." اهـ.

________________ انتهى المقال المنقول _________________

جزى الله خيراً كاتبه وقارئه وناشره ... وإلى الملتقى مع مقال آخر...


والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

عاشقة الجنة
07-01-2003, 09:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


جزاك الله خيرا على هذا المقال ... و قد اجبتني على جميع اسألتي ...

كيف تقول انك عبد فقير ... و الله لقد أغناك الله بالعلم ...:)



غدا ً القى الحبة * محمـــــــد و صحبة

العبد الفقير
08-01-2003, 09:43 AM
جزاكم الله خيراً أختي الفاضلة: عاشقة الجنة، وأكرمكم كرامة الصالحين

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ورضوانه الأكبر...

والحمد لله الذي وفق خويدمكم العبد الفقير على خدمتكم... وبالنسبة لقولكم:


كيف تقول انك عبد فقير ... و الله لقد أغناك الله بالعلم

الفقير أقول: الحمد لله الذي أغدق علينا بالنعم من غير استحقاق، ووفقنا لحمد وشكر الكريم الرزاق....

ولمَ لا أقول عن نفسي "عبد" ومولانا عزّ وجلّ يخبر عن تكريمه لعباده بقوله جلّ ذكره: {إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً}....

ولمَ لا أقول عن نفسي "عبد" ومولانا عزّ وجلّ وصف به ملائكته بقوله جلّ ذكره: {وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَـنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}....

ولمَ لا أقول عن نفسي "عبد" ومولانا عزّ وجلّ وصف به حبيبه ومصطفاه ومجتباه وخير خلقه أجمعين - صلوات ربي وسلامه التامين الأكملين الدائمين عليه وآله وصحبه ومن والاه - في قوله جلّ ذكره: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}....

ولمَ لا أقول "فقير" ومولانا سبحانه وتعالى قد قرّر لنا ذلك في قوله جلّ ذكره: {يأَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} ، {.. وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم}...

ولمَ لا أقول "فقير" ومولانا سبحانه وتعالى قد بشرّنا في قوله تبارك وتعالى: {... إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}...

ولمَ لا أقول عن نفسي "فقير" ومولانا عزّ وجلّ أخبرنا على لسان سيدّنا موسى عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والتسليم بقوله جلّ ذكره: {... رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}....


فهل رأيتم عظمة هذا الإسم الذي وفقني الله سبحانه وتعالى لإختياره ؟؟؟ إنّه لشرف عظيم ما بعد شرف أن يتسمّى الإنسان بإسم فيه من أوصاف سيّد الأنبياء والمرسلين، وسائر الأنبياء والمرسلين، وعباد الله الأبرار، والملائكة المقرّبين.... أسأل الله العلي القدير أنوار وبركات وأسرار هذا الإسم المبارك لي ولكم أجمعين....



والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

عاشقة الجنة
08-01-2003, 11:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


و الصلاة و السلام على سيدينا محمد و على اله و صحبة و سلم ....


نعم .. كلامك حق ... كلنا العباد الفقراء الى الله .. فلا ملجأ و لامنجى لنا منه الا الية ..
و جزيت خيرا على ردك لى ..


و لكنى ارى ايضا ً بعد ردك لي ان الله تعالى قد اغناك بالعلم ...:rolleyes:

و وفقك الله تعالى لخدمة دينة و اعلاء كلمتة و الحفظ و العمل بكتابة و نصرة سنة نبية علية افضل الصلاة و اتم التسليم ...



و صلى الله على سيدنا محمد و على اله و صحبة و سلم
:)
و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



... العبدة الفقيرة




غدا ً القى الحبة * محمـــــــــد و صحبة

العبد الفقير
18-01-2003, 07:25 AM
تأثير الممارسة الصوفية

المقال بقلم الطاهر نابي

تمهيد

يلاحظ المتتبع لمسيرة الحياة العقلية في التاريخ الإسلامي وما أفرزته من نتائج أن عهد ما قبل التدوين كان عهدا لا تتمايز فيه العلوم باعتبارها تستقي كلها من مصدر واحد هو النبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يكن لمفهوم القارئ أو الزاهد أو الفقيه سوى الشهرة التي تميز صاحبه دون أن يعني ذلك جهلا بالعلم الآخر، على أساس أن هذه المفاهيم الثلاثة ما هي إلا نوع من أنواع التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم.

ولكن بعد ظهور التخصص ما لبث أن انفصل هذا الترادف التكاملي بين هذه المفاهيم ، وازداد الانفصال توسعا بطول المدة ، صاحب ذلك تنامي مستوى الاهتمام والتنظير الخاص بكل مجال معرفي حتى آل الأمر إلى تشكيل مدارس فقهية وعقدية وذوقية... في جانب إيجابي، وفي جانب آخر كانت كل واحدة منها تسعى إلى الاستحواذ على تمثيل الدين في شكل تفضيل نفسها على غيرها وقد تحط من شأن منافساتها، وازداد الأمر سوءا لمَّا نمت هذه المدارس نموا سرطانيا مهملة أثر الآخر؛ وذلك حيى اتبع القارئ مدارس الكلام المنشقة عن مدرسة الجماعة، وحين مال الفقه بالفقيه إلى تبرير الواقع أو إلى الجمود على الظاهر،وحين طغت نزعة الباطن على الزاهد فعزلته عن ذاته قبل أن تعزله عن مجتمعه.

كل هذه المظاهر كانت تحت عين المتصوفين ورؤاهم، ولم يكن يخفى عليهم ما آل إليه الواقع من انحراف على مستوى تمثل الحياة النبوية تمثلا كاملا ، ولم يكونوا في حاجة إلى من يذكرهم بواجباتهم تجاه هذا الواقع، وضرورة إثراء ممارستهم حتى ترقى إلى مستوى التمثل التام للحياة النبوية- أو تقارب ذلك على الأقل- .

بيد أنه لا يخفى أيضا ما أدت إليه هذه المقاربة من تشويه وتفقير قيمة التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم من خلال تكريس سلوكات وقيم جديدة أزاحت بقدر ما السلوكات والقيم المستقاة من هذا التأسي.

وبين هذا الإفقار وذاك الإثراء سنحاول معالجة تأثير الممارسة الصوفية على مفهوم التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم متحرزين قدر الممكن من مربكات عادة ما يقع فيها المتكلم في الموضوع ، يتصدرها إطراء أو إزراء بغير الحق، إضافة إلى بعض المشاكل المنهجية في تحديد المصطلحات والاتفاق على مضمون موحد لها يُستَعمَلُ في إطار زمني ومكاني محدد، تجنبا للدخول في مناقشات عقيمة لا تنجب -بل لا يرجى لها ذلك- على الأقل- في المستوى المنظور مادامت عاكفة على هذا." اهـ.



يتبع إن شاء الله تعالى مع إشكالية البحث ومفاهيمه...

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
21-01-2003, 11:18 PM
تأثير الممارسة الصوفية بقلم الطاهر نابي-2

"إشكالية البحث ومفاهيمه

و يمكن من أجل ضبط وتدقيق المعالجة صياغة الإشكالية التي يعالجها البحث في شكل السؤال التالي: "إلى أي مدى أثرت الممارسة الصوفية على التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم كمفهوم ثابت شرعي محدد وموصوف؟" ويحيل هذا السؤال على مفهومين أساسين لابد من توضيحهما، وهما: "التأسي" و"الممارسة الصوفية".

فمن غير الدخول في مناقشات لغوية أو أصولية نصطلح على أن التأسي هو: "المصير إلى ما تعبدنا به من سنة النبي صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي تعبدنا به لأننا تعبدنا به"وقد سبق شرح هذا التعريف -في موضع سابق - بالقدر الذي يغني عن إعادته هاهنا.

وأما الممارسة الصوفية فهي استجابة المتصوف لتعاليم التصوف ومبادئه، ونحن بهذا نفرق بين التصوف وبين ممارسته، لأن هذا الأخير ما هو إلا استدعاء للأول في حياة الفرد ،وقد يكون هذا الاستدعاء موافقا للأصل كما قد يكون مخالفا له.

وأما التصوف فلم يتفق أربابه على تعريف موحد له -رغم أن ما عرف به قد جاوز الألف- ولكن إذا ما طبقنا الشروط المنطقية للتعريف فإننا سنتخلص من بعض التعاريف التي هي إلى الطرافة أقرب منها إلى ضبط المفهوم وتحديده، وكذلك سنتخلص من كل أصناف التعريف الكل بالجزء من مثل التعريف بالثمرة أو بالمرحلة أو بالآفة...وغيرها من الأبحاث المتعلقة بالسير إلى الله، وسنسير في بحثنا هذا على تعريفه بأنه التخلق على أساس أنه امتداد لمفهوم الزهد الذي لم يكن له سوى هذا المفهوم قبل أن يعترضه من العوارض ما اختزله إلى مقام من مقامات السير إلى الله، أو ما حوله إلى صفة اجتماعية تتميز به طائفة من طوائف المسلمين عن الأغنياء والمترفين من جهة ، وعن الملامتية والصوفية من جهة ثانية.

لذا نرجح تعريف من عرف التصوف بأنه "الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دني" أومن عرفه بأنه: "خلق،فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك فـي التصوف ".ونحن بهذا التعريف سنتخلص من عقدة الحكم الشرعي التي ما فتئت تلاحق التصوف بأوصاف البدعة والضلال والمروق عن الدين والزندقة وغيرها من الأوصاف الشبيهة، كما سيخلصنا من عقدة الحكم الاجتماعي الذي لاحقت التصوف بأوصاف الانعزال والخمول والدروشة…ومستند الحكمين جميعا يرجع إما إلى الممارسة الصوفية المنحرفة وإما إلى التنظير الناشئ عن هذه الممارسة، وعليه فلا يجب تحميل التصوف الرسمي–ممثلا فـي رجاله الأولين- مسؤولية هذه الأحكام ما لم يكن هو مساعدا على تأسيس هذه السلوكات والترويج لها، وهو ما يضطرنا إلى تحليل هذه الممارسة باعتبارها متغير البحث الوحيد. " اهـ.



يتبع إن شاء الله تعالى مع متغير البحث ...

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
26-01-2003, 04:19 AM
تأثير الممارسة الصوفية بقلم الطاهر نابي-3


"متغير البحث

وحيث أنه هذه الممارسة لها تأثير مباشر على التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم باعتبارها انعكاسا لتعاليم التصوف عليه، وبسبب هذا سنعمد إلى استدعاء هذه الممارسة عبر مختلف مناهجها وتحليل تأثيراتها وتداعياتها من أجل تحديد حجم ونوع التأثير الذي مارسته على مفهوم التأسي.

فإذا ما لاحظنا البدايات الأولى للممارسة الصوفية فإننا لا نحس فيها بغربة عن السنة وأساليبها والتي نمت في عصور متأخرة والتي نلمسها في ما يلي:

1 مفهوم التصوف:

لم يكن التصوف يعني شيئا سوى التخلق بكل ما حسنه الشرع من خلق والتنزه عن ضده سواء تعلق هذا التخلق تجاه الله جل جلاله، أم تجاه النفس، أم تجاه الناس، لكنه ما لبث أن تطور إلى مفاهيم أخرى اعتمدت من صيغ (الفناء/البقاء)، (الغيبة/الحضور)، (الحرية/العبودية) وغيرها من الثنائيات منطلقا للوصول إلى معرفة الحقيقة المطلقة، وقد شكل هذا المظهر انحرافا كبيرا عن المفهوم الابتدائي الذي نشأ لأجله التصوف والذي ما كان سوى استجابة لأشواق المسلم الإيمانية.

2 غاية التصوف:

وبانحراف المفهوم وتغيره تبدلت الغاية ، فبعد أن كان التصوف استثمارا لمقام الإحسان من أجل أن يصل المسلم إلى أن يعبد الله كأنه يراه؛ أصبحت غاية التصوف -كما عبرت الممارسة عنه في كثير من المناسبات - هو الحصول على الكرامة أو الشهرة أو كسب المال ، ثم أخيرا: التحلل من قيود الشرع !

3 وسائل التصوف:

وهكذا تبدلت وسائل التصوف التي كانت محصورة في المجاهدة فـي إطار الشرع لتصير إلى رياضة فـي إطار الطريقة، ونتج عن هذا التطور إشكالية جديدة وازت إشكالية "العقل والنقل" التي أثارتها مدرسة المعتزلة، وهي الإشكالية التي تعبر عنها العلاقة بين "الشريعة و الحقيقة"." اهـ.



يتبع إن شاء الله تعالى مع شخصية المتصوف....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

محبكم
27-01-2003, 09:26 AM
الأخ العبد الفقير حفظه الله.

إنك يا اخي تبذل مجهودا كبيرا ومضنيا في سبيل خدمة ديننا الحنيف وأهل الله رضي الله عنهم.

ولا بيدنا الا ان ندعو الله لك بالتوفيق في مهمتك الدعوية الخالصة.

نرجوا من الأخوان العلماء وطلبة العلم هنا أن يعطوا هذ الرجل (العبد الفقير) حقه من الشكر والتقدير الذي يستحقه ليستمر في عطائه.

العبد الفقير
28-01-2003, 11:23 AM
تأثير الممارسة الصوفية بقلم الطاهر نابي-4

"4. شخصية المتصوف:

وانعكس كل ذلك على المنتسب للتصوف فتبدل الإنسان –خلال النمو الخطي للممارسة الصوفية- من إنسان عالم إلى إنسان يزدري العلم بل ويستحي منه، ومن إنسان مجاهد فعال إلى إنسان يحبذ خلوة التكايا والخانقاه على الرباط والثغور، وأدى هذا إلى نتائج خطيرة جدا على مستوى التدين الفردي من جهة ، وعلى مستوى الدعوة الإسلامية والتبليغ الديني ثانيا.

5. التعبير عن التصوف:

وكذلك انعكس ما كنا قد وصفناه على التعبير عن هذا العلم؛ فالملاحظ أن قيمتي الإذعان والتسليم تزدادان اتضاحا و بروزا كلما زاد الزمن طردا مع زيادة الغموض والأسطورية اللتان طبعتا كلام وممارسة رجال التصوف.

كل هذه العناصر المشكلة للغربة عن السنة ،يمكن أن تستقل ببحث منفرد، وما يعنينا هنا هو رصد هذا التطور الذي صاحب الممارسة الصوفية إبان كونها زهدا ثم لما كانت تصوفا ثم لما أصبحت إشراقا، وما تخللها في كل ذلك من نزعة الباطنية الذوقية ؛فهل أثَّر هذا التطور في الأسماء -المعبر عن التطور في المسميات - على مفهوم التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم؟.

فروض البحث

وسنصوغ هذا التأثير الذي نبحث عنه من خلال ذلك التطور في فرضين أساسين،ثم نحاول اختبار مقدار صحتهما وتحققهما في الواقع وهما:

1. الفرض الأول: أن الممارسة الصوفية قد أدت إلى إحياء مفهوم التأسي في حياة المجتمع.

2. الفرض الثاني:أن الممارسة الصوفية قد أدت إلى تشويه صورة التأسي في حياة المجتمع. " اهـ.


يتبع إن شاء الله تعالى مع اختبار الفرض الأول....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
27-02-2003, 06:04 AM
تأثير الممارسة الصوفية بقلم الطاهر نابي-5


"اختبار الفرض الأول:

يدعي هذا الفرض أن حركة التصوف قد أدت إلى إحياء مفهوم التأسي، ونحتاج قبل اختبار هذا الفرض إلى ضبط مفهوم الإحياء تجنبا للخوض في مناقشات لاحقة منبنية على عدم الاتفاق على مفهوم واحد للمصطلح.

فندعي لأجل ذلك –وليس هنا فسحة للبرهان على هذه الدعوى- أن الحياة اليومية للإنسان المسلم قد تناقص مدى ارتباطها بما تمليه السنة النبوية تناقصا يتناسب مع مقدار البعد عن زمن النبي صلى الله عليه وسلم مما أنتج بعد ما يمكن أن نسميه حركة تصحيح للأوضاع ظهرت تجلياتها في إعادة استدعاء وتأسيس مناهج الفهم من خلال علم أصول الفقه الذي كان نشوءه استجابة لتحدي المشاكل المطروحة بين مدرستي الحجاز والعراق في مناهج الفهم والاستنباط، كما ظهرت تجلياتها أيضا في إعادة استدعاء الأبعاد الروحية التي غابت عن ممارسة المسلم آنذاك من خلال طغيان الصورية على العبادات، والقانونية على المعاملات، و البرهانية على الاعتقادات و كانت هذه المظاهر الثلاث من بين أهم الأسباب التي أدت إلى نشوء حركة التصوف الإسلامي -أو على الأقل ساهمت بقدر كبير في انتشارها وذيوعها-:

1. الصورية: يَفترض الوحي أن كل عبادة من العبادات لها شكل وصورة تؤدي عليه حتى تبرأ ذمة المكلف منها ديانة وقضاء، ولها معنىً وهدف يخدمه ذلك الشكل والصورة من أجل تحقيق هدف سام يتخذ من ذلك الشكل–دون إلغاءٍ له – سلما للوصول إليه، ولكن بمرور الزمن اهتم الناس بالأشكال والقوالب وأغفلوا المعاني والحِكم،وفي ذلك من الشواهد ما ينبئ عن هذا الحال ." اهـ.



يتبع إن شاء الله تعالى مع القانونية....

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

محبكم
27-02-2003, 07:48 AM
سيدي هذه البحوث التي تقوم بها تحتاج لحفظ في كتب أوروابط لتكون مراجعا للكل فهل إحتطت لذلك؟

لنا اسألة سيدي بعد إتمام الفرض الثاني ارجو أن تتحملنا.

العبد الفقير
28-02-2003, 06:36 AM
جزاكم الله خيراً سيدي الفاضل العم الحبيب محبكم... فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين... ويا سيدي الفاضل: الفقير يرجو منكم العفو على تأخرّه في الرد على بعض أسئلتكم... وتفضلوا بطرح ما تودّون ولكم الفضل...

__________________________________________

تأثير الممارسة الصوفية بقلم الطاهر نابي-6

"2. القانونية: ولقد وضع الفقه المدرسي قوانين التعامل بين الناس في الأموال المنقولة وغير المنقولة، وفي الأعمال وفي شؤون الأسرة اتسمت بسمة الآلية النابعة من تقنين لهذه الأحكام من خلال الاقتصار على "الشروط "و "الأركان" و الاهتمام "بالحقوق" و"الواجبات" وفي هذه الحال تم إغفال "حكِم التعامل" في مفردات هذا الفقه، وهو إغفال لا ضرر فيه إذا ما قورن بما أحدثه هذا الفقه من إقفال باب الخير والبر الذي لا يدخل ضمن مفهوم الواجب الذي هو مجال بحث الفقه المدرسي، لكن يدخل ضمن أبواب التطوع والبر بحيث لا يؤثم التارك له وهذا ما أدى إلى اقتصار الناس على الزكاة وإهمال الصدقات، وأدى إلى استيفائهم الحقوق كاملة دون نظر منهم للسماحة والتبرع والإقالة ...و الاقتصار على الواجبات بلا دافع إلى تكميلها بالمندوبات، ورغم أن الاتجاه الفقهي للمحدثين حاول تلافي هذا النقص من خلال علم أحاديث الأحكام ونحوها، إلا أن هذا الجهد لم يرق إلى مستوى تكوين مدرسة ذات أثر في الفقه المدرسي وبالتالي في الواقع الحياتي للناس .

3. البرهانية : ونقصد بها النزوع إلى استدعاء البراهين العقلية على قضايا العقيدة ، والذي كان في البداية معللا بالبحث عن معيار مرجعي للتحاكم عند الاختلاف الذي وقع بين المسلمين وبين مجاوريهم من أهل الملل الذين لا يعترفون بالوحي معيارا للتحاكم، لكنهم يسلمون ببرهانية الإقناع العقلي وقدرة العقل على الإثبات والنفي في شتى المسائل بما فيها الإلهيات، ثم ما لبث أن انسحب هذا المعيار العقلي إلى المسلمين أنفسهم عند حاجتهم إلى بحث مواضع النزاع بين مدارسهم العقدية [ الكلامية] والاحتكام إلى حكم محايد، وزاد هذا الأمر تأكيدا ما أثير في علم أصول الفقه من موضوع: "الاعتراضات الواردة على الاستدلال بالأخبار"، ثم ما لبث أن اكتُفِيَ بهذا النوع من الاستدلال عند عرض مسائل العقيدة.

لقد أدى هذا التطور الأخير إلى تطور جديد في التعبير عن العقيدة، كان أبرز نتائجه انطفاء الدافعية لنشر هذا الدين والعيش على مقتضياته والتكيف بأوضاعه، ثم حلول صيغ ومصطلحات للتعبير عن قضايا العقيدة لتحل محل الصيغ والمصطلحات الأصيلة. كل هذا جعل الدرس الكلامي (أو العقدي) منزوع الارتباط بالمضمون من الناحية النفسية: حيث برزت البرهنة والإثبات والنفي والتقرير لقضايا دون الإحساس بها والعيش لها والموت لأجلها.

إن مفهوم الإحياء يعني تجاوز هذه المظاهر التي ألمعنا إلى وصف بعضها باعتبارها كائـنات غريبة عن سلفية المجتمع، وهذه المظاهر الثلاث مكنَّت مدرسة الصوفية من أن تطرح نفسها كبديل للمدرسة الفقهية والكلامية استطاع تجاوز هذه المظاهر، فالإحياء أو الإثراء يعني إثراء واقع التدين الذي يعيشه المجتمع في جزئه المتعلق بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم." اهـ.



يتبع إن شاء الله تعالى...

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
08-03-2003, 12:46 AM
تأثير الممارسة الصوفية بقلم الطاهر نابي-7


"لقد استطاعت مدرسة التصوف تجاوز هذه المظاهر باعتبارها مدرسة أخلاقية قدمت للمنتسبين إليها ثلاث قيم ونمتها وطافت حولها مدندنة ومصرة على استبدال الصورية و القانونية و البرهانية بقيم: الخشوع و الفتوة، والمراقبة، والملاحظ في هذه القيم أصالة اسمها ومسماها، الشيء الذي مرّر وسهل تقبلها دون ضجيج:

1. فالخشوع: يعبر عن قيمة مركزية في سلوك المسلم في علاقته مع ربه، حيث يعني استحضار وجود اللَّه داخل وعي المسلم، وهذا الاستحضار في الوعي هو الذي يميزه عن الصورية باعتبار أن استحضار وجود الله في هذه الأخيرة يكون في اللاوعي، واستحضار وجود الله تعالى ومراقبته داخل الوعي يحمل المسلم على تحسين أدائه للعبادة وإتمامه لها، وقد أثبتت هذه القيمة فعليا فعاليتها في تجاوز هذه الصورية.

2. والفتوة: وهذه القيمة احتلت مكان القانونية التي فرضها التنميط الفقهي، والتي أثارت شوقا كبيرا إلى عودة قيم السلف في التعامل بين الناس حيث كانت الفتوة حاملة للتعامل بمقتضى مكارم الشريعة -على حد تعبير الراغب الأصفهاني- بدل التعامل بمقتضى قانون الشريعة، وانطلاقا منها نمت صور رائعة لقيم ثابتة وأصيلة في شريعتنا الإسلامية تجاهلها الفقيه في بحثه وتقريره -بحكم حدود تخصصه- مثل قيمة الورع والإقالة والسماحة والعفو والجود واحتمال الأذى وتجاوز العثرات والغيرة... والتي إن ذكرت في الدرس الفقهي فهي تذكر في باب المستحبات والمندوبات!

3. وأما المراقبة: وفرت مدرسة التصوف نموا كبيرا لقيمة المراقبة استقطبت إليها الكثير ممن هرب من جفاف البرهان العقلي الذي كان سائدا في علم الكلام، فاستطاعت بنجاح نقل النقاش لدى المنتسبين إليها من السؤال: "ما هو دليل وجود الله؟" إلى السؤال: "كيف أشعر بوجود الله؟"، وذلك حين اعتبرت قضية وجود الله تعالى قضية مسلمة دل عليها دليل الضرورة، فلا حاجة فيها إلى النظر العقلي أو إلى الإكثار منه -على الأقل- بل ينبغي الاشتغال بالواجب الذي يمليه الإيمان بهذا الوجود. ولقد كان لانتشار هذه القيمة أثر واسع في حياة المسلمين الروحية يتضح من خلال تتبع قصص وحكايات الصالحين والسياح الذين اتصلوا بالتصوف.

إننا نعتبر أن إعادة إحياء مدرسة التصوف لمفهوم التأسي هو إحياؤها لتلك القيم التي غابت عن فكر وممارسة المسلم آنئذ، باعتبار هذه القيم هي جزء مغيب من عموم مفهوم التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث طغى عليها جراء التراكمات الاجتماعية والثقافية المتعددة ، وعلى هذا الاختتام يمكن الخلوص إلى النتيجة التالية كتعبير عن [ صدق/خطأ] الفرض الأول:

- خُلاَصَةٌ -

أَنَّ حَرَكَةَ التَصَوُفِ قَد سَاهَمَت مِن خِلاَلِ تَنمِيَتِهَا وَاستِدعَائِهَا لِبَعضِ القِيَمِ السُلُوكِيَةِ فِي إِعَادَةِ المُسلِمِ إِلَى المَفهُومِ الثَابِتِ للتَأَسِي بِالنَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ والَّذِي اقتَطَعَ الزَّمَنُ جُزءًا مِن بَعضِ أَجزَائِهِ.

هذا ما يمكن استنتاجه من خلال تحليل الفرض الأول، وتبقى قضية ذات أهمية كبيرة وذات تأثير بالغ جدا على هذه النتيجة: وهي مدى محافظة هذه المدرسة على ثبات المفاهيم والقيم التي استوجبت حكمنا عليها بالإثراء والإحياء.

إن هذه القضية تحيل على سمة امتازت بها مدرسة التصوف وهي سمة تطور المفاهيم والقيم لدى هذه المدرسة، حيث أصبحت مضامينها تتسع وتضيق حسب الزمن والمدرسة والشيخ، وليس هذا محل بسط هذه القضية ولكن يكفي أن نشير فقط -على أمل العودة إلى معالجة الموضوع من جديد-إلى أن من أهم ما يمكن أن يفسر هذا التطور هو حركة العقل البشري [الاجتهاد] في فهم النص الشرعي وأعني بهذا تحديدا استثمار قيمة الإحسان كقيمة محورية دافعة واستثمار عمومية "العمل الصالح" كقيمة محورية موعبة [قابلة للاتساع والضيق ] أعطى للصوفية الحق في الاجتهاد: أولا في التحكم في عمومية القيم توسيعا وتضييقا، وثانيا في إنشاء قيم جديدة بمضامين جديدة حينا، أو بمضامين قديمة معدَّلة.ونمسك الكلام عند هذا الحد انتقالا لمعالجة الفرض الثاني." اهـ.



يتبع إن شاء الله تعالى مع اختبار الفرض الثاني...

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

محبكم
08-03-2003, 07:27 AM
سيدي عرفتم طريقكم وسرتوا عليها بنظر وبصيرة

طيب؟ والأعمى والأصم والأبكم مثلنا من له غير الله وأمثالكم فهل يكفي حبه لكم لتقودوه الى ضفافكم أو تتركوه في وسط الوادي لتجرفه سيول الجهل وتتكالب عليه وحوش البرية الضارية ؟

تعوَد بسط الكف حتى لو انه == ثناها لقبض لم تطعه أنامله
فلو لم يكن في كفه غير نفسه == لجاد بها فاليتـَق الله سائله
هو البحر من اي النواحي أتيته == فلجـَته المعروف والجود ساحله

العبد الفقير
08-03-2003, 08:16 AM
حيّاكم الله سيدي العم الفاضل الحبيب محبكم...

سلامتكم سيدي من أوصاف اتصفتم بها، وفيكم لم نعرفها، وجلّ ظنـنا بها، أنكم بالتواضع الجمّ كسوتوها...

لله درّكم وأنتم من أنتم... ومكارم أخلاق جدّكم ورثتم... عليه وآله أفضل صلاة وتسليم... ما دامت الخلائق بالأخلاق تتسمّ..

ورحم الله من قال بلسان حال الفقير منشداً:


يظن الناس بى خيراً وإني = أسوأ الناس إن لم يُعفَ عني


أسأل الله العلي القدير أن يفيض علينا من فيوضات أنوار وعلوم جدّكم المصطفى التي ورثتموها، ويزيدكم ويبارك فيكم وبكم وعليكم... فأنتم النبع سيدي وما الفقير إلا مرتشف عند أعتابكم... حفظكم الله ذخراً لهذا المنتدى المبارك بكم وبآل بيت سيدّنا وحبيبنا وشفيعنا رسول الله صلوات ربّي وسلامه التاميّن الأكملين الدائمين عليه وآله وصحبه ومن والاه...

خويدمكم الضعيف راجي دعواتكم

العبد الفقير




والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

العبد الفقير
31-03-2003, 10:37 PM
تأثير الممارسة الصوفية بقلم الطاهر نابي-8

اختبار الفرض الـثاني:

يدَّعي هذا لفرض أن حركة التصوف قد أدت إلى تشويه وإفقار مفهوم التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، ونحتاج إلى تحليل أسباب هذا الحكم ومظاهره بعد تحديدنا لمفهوم الإفقار أو التشويه. ونعني بالإفقار في هذا المقام هو اختزال العناصر المكونة لمفهوم التأسي لمجموعة عناصر قليلة بإهمال العناصر الأخرى كواجهة أولى لعملية الإفقار، أو بالاقتصار على أنصاف الثنائيات المشكلة لخاصية التوازن والتي تجلت تجليا واضحا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يطلب تمثلها من كل مسلم عبر مفهوم التأسي .

وسننطلق للحديث عن مظاهر التشويه وأسبابه من النتيجة التي وصلت إليها مدرسة التصوف جراء استقطابها لعدد كبير من النخبة المشتغلة بالعلوم ولعدد أكبر من العامة المشتغلة بالصناعات وشؤون المعاش، فالأولى وجدت في التصوف ملجأً من جفاف مناخها العلمي -كما أسلفنا- ،والثانية استهواها بساطة الخطاب الذي يسود عند المتصوفة واستجابته لواقعهم الآمل والأليم فسارع الكل إلى التصوف كلٌ حسب غايته، وشهد بذلك ارتفاعا كبيرا من المريدين أو لابسي العمائم والصوف.

ولئن كان هذا محمودا في أصله لتعبيره عن حنين المسلم للعيش ضمن رحابة السنة، إلا أنّ ضعف التحكم في الحجم البشري أدى إلى حوادث و مظاهر غير سارة لعل أهونها هو التشويش على صفاء المدرسة من جراء السلوكات الشاذة للمنتسبين إليها.

وأخطر ما في الأمر هو نمو وترعرع بعض الأفكار في أحضان الصوفية، تشكل في حد ذاتها خطورة على الإطار المرجعي الذي ينتمي إليه التصوف [ الإسلام]، بل إنها تشكل جهدا موازيا يهدم ما يبنيه التصوف من قيم وفضائل، وبطول الزمن على هذه الأفكار وغياب رادع قوي من داخل المدرسة ،تطورت هذه الأفكار من مجرد أفكار ميتة إلى أفكار مميتة -على حسب التعبير البن نبي- وذلك حين اتخذت صورة منهج بديل ومنهج مشوه:" اهـ.



يتبع إن شاء الله تعالى مع أولا: المنهج البديل:...

والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى

محبكم
01-04-2003, 06:49 AM
جزاك الله خيرا يا شيخنا العبد الفقير: (اسمح لي الفقير يحب يختصر)

سيدي الكريم تتسم بحوثكم بالبلاغة.

القراء هنا لهم مستويات من الفهم والذكاء والإدراك ونحن نحب أن تعم
الفائدة الجميع سيدي:
-----------------------------------------------------------------------------------
مثلا قولكم هناك افكار ترعرعت في أحضان الصوفية وهي تشكل في حد ذاتها خطورة على الإطار المرجعي الذي ينتمي إليه التصوف بل تشكل جهدا موازيا لهدم ما يبنيه التصوف
-------------------------------------------------------------------------------------
سؤالنا عن الطالب في مدرسة التصوف اذا التزم بمنهجا وأكمل دراسته فيها وخاصة اذا علمنا ان مدرسة التصوف لا يأتيها الا طالبا راغبا في شهادة المدرسة رغبة ذاتية أي ليس مدفوعا من أهله ولا من سلطانه.

نريد ان نفهم سيدي ممن يكون ذلك الجهد الموازي لهدم ما يبنيه التصوف
هل من الطلبة أو من أناس مندسين (ودعنا نقول مرتزقة التصوف)؟

لذلك اساعدك لأجل تساعدني:

لأسألك لماذا أكرم بشر الحافي رضي الله عنه حتى أن الخليفة المأمون وهو خليفة المسلمين جميعا إستشفع بأحمد بن حنبل في أن يأذن له بزيارة بشر الحافي فأ بى بشر رضي الله عنهم أجمعين؟

بينما من الناحية الأخرى يعدم الحلاج من خليفة زمانه والسبب الرئيسي هو إسراف انصاره في حبه وتقديسه وما الى ذلك من أسباب أخرى.

نعود ونطلب منكم سيدي المقارنات لأجل نتمكن من معرفة المناهج.

سامحنا وادع لنا ذا تحبنا كما نحبك.

البرهاني
01-04-2003, 09:23 AM
من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يكن يعلم

أذكروا الله يذكركم