المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من سير الأنبياء ... نبي الله سيدنا نوح عليه السلام



عابر البحار
02-03-2005, 03:45 AM
قال الله عزَّ وجل: {انّا أرسلنا نوحاً الى قومِهِ أنْ أنذِرْ قومَكَ منْ قَبْل أن يأتيَهُمْ عذابٌ أليمٌ (1)} [سورة

نوح] .

نسب سيدنا نوح عليه السلام :

هو نوح بن لامك بن مَتّوشلَخَ بن أخنوخ -وهو ادريس- بن يرد بم مهلاييل بن قينان بن أنوش بن

شيث بن ءادم أبي البشر. وكان بين نوح وءادم عشرة قرون كما جاء ذلك في حديث ابن حبان.

وبالجملة فنوح عليه السلام أرسله الله الى قوم يعبدون الأوثان قال تعالى اخباراً عنهم: {وَقَالوا لا

تَذَرُنَّ ءالهتكم ولا تذرُنَّ وَداً ولا سُواعاً ولا يَغوثَ ويَعوقَ ونسراً (23)} [سورة نوح]. وقد تقدم أن هذه

أسماء رجال صالحين من قوم ادريس وكان لهم رجال يقتدون بهم فلما هلكوا أوحى الشيطان أي
بثَّ الى قومهم أن أنصبوا الى مجالسهم التي كانوا فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم

تعبد، حتى اذا هلك أولئك وانتسخ العلم عبدت.

دعوة نوح قومه الى الاسلام :

بعث الله نوحاً عليه السلام الى هؤلاء الكفار ليدعوهم الى الدين الحق وهو الاسلام والعبادة الحقة

وهي عبادة الله وحده وترك عبادة غيره، وقال لهم: {يا قوم اعْبُدوا الله ما لَكُم منْ الهٍ غيرُهُ أفلا تَتَّقون

(65)} [سورة الأعراف]، وقال: {أن لا تعبدوا الا الله انّي أخافُ عليكم عذابَ يوم أليم (26)} [سورة

هود]، وقال: {يا قوم اني لكم نذيرٌ مبين (2)} أن اعبدوا الله واتقوهُ وأطيعون (3)} [سورة نوح]،

ودعاهم الى الله بأنواع الدعوة في الليل والنهار والسر والاجهار وبالترغيب تارةً وبالترهيب أخرى،

لكن أكثرهم لم يؤمن بل استمروا على الضلالة والطغيان وعبادة الأوثان ونصبوا له العداوة ولمن ءامن

به وتوعدوهم بالرجم {قالَ الملأمن قومِهِ انَّا لَنَراكَ في ضلالٍ مبين (60)} [سورة الأعراف] فأجابهم

{قالَ يا قوم ليس بي ضلالةٌ ولكني رسولٌ من ربّ العالمين (61) أبلغكم رسالاتِ ربي وأنصح لكم

وأعلم من الله ما لا تعلمون (62)} [سورة الأعراف] وقالوا له فيما قالوا بعد أن تعجبوا أن يكون بشر

رسولا {ما نراك الا بشراً مثلنا وما نراك اتّبعك الا الذين هم أراذلنا بادىَ الرأي وما نرى لكم علينا من

فضل بل نظنكم كاذبين (27)} [سورة هود].

لبث سيدنا نوح في قومه يدعوهم الى الاسلام ألف سنة الا خمسين عاماً قال تعالى: {فَلَبِثَ فيهم

ألفَ سنةٍ الاّ خمسينَ عاماً (14)} [سورة العنكبوت]، وكان قومه يبطشون به فيخنقونه حتى

يغشى عليه، حتى تمادوا في معصيتهم وعظمت منهم الخطيئة فلا يأتي قرن الا كان أخبث من

الذي كان قبله، حتى ان كان الآخر ليقول: قد كان هذا مع ءابائنا وأجدادنا مجنوناً لا يقبلون منه

شيئاً. ومن جملة ما قال لهم {ولا يَنْفَعُكُكْ نُصْحِى انْ أرَدْتّ أنْ أنصحَ لكُمْ انْ كانَ اللهُ يريدُ أن يُغْويَكمْ

(34)} [سورة هود] أي أن الله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولن اليأس لم يدخل قلب

نوح بل أخذ يجاهد في ابلاغ الرسالة ويبسط لهم البراهين، ولم يؤمن به الا جماعة قليلة استجابوا

لدعوته وصدقوا برسالته.

بناء سيدنا نوح للسفينة ونزول العذاب بالكفار :

ثم ان الله أوحى اليه أنه لن يؤمن من قومك الا من قد ءامن قال تعالى: {وأوحِيَ الى نوح أنّه لن

يؤمن من قومِكَ الا من قد ءامن (36)} [سورة هود]، فلما يئس من ايمانهم دعا عليهم فقال: {ربِّ

لا تَذَرْ على الأرض من الكافرين دَيَّاراً (26) انَّكَ انْ تَذَرْهم يُضِلّوا عبادك ولا يَلِدوا الا فاجراً كَفَّاراً (27)}

[سورة نوح] فلما شكا الى الله واستنصره عليهم أوحى الله اليه: {واصْنَع الفُلْكَ بِأعيُنِنا وَوَحْيِنا ولا

تخاطبني في الذين ظلموا انَّهم مغْرقون (37)} [سورة هود] ، قال تعالى: {ولقد نادانا نوحٌ فَلَنِعْمَ

المجيبون (75) ونَجّيناه وأهلَهُ مِنَ الكربِ العظيم (76)} [سورة الصافات] .

فأقبل نوح على عمل السفينة وجعل يهىء عتاد الفلك من الخشب والحديد والقار وغيرها، وجعل

قومه يمرون به وهو في عمله فيسخرون منه وكانوا لا يعرفون الفلك قبل ذلك، ويقولون: يا نوح قد

صرت نجاراً بعد النبوة! وأعقم الله أرحام النساء فلا يولد لهن. وصنع الفلك من خشب الساج وقيل

غير ذلك، ويقال ان الله أمره أن يجعل طوله ثمانين ذراعاً وعرضه خمسين ذراعاً، وطوله في السماء

ثلاثين ذراعاً. وقيل: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وقيل غير ذلك والله أعلم.

ويقال ان نوحاً جعل الفلك ثلاث طبقات: سفلى ووسطى وعليا، السفلى للدواب والوحوش،

والوسطى للناس، والعليا للطيور، حتى اذا فرغ منه وقد عهد الله اليه {حتَّى اذا جاءَ أمْرُنا وفار التنور

قُلنا احْملْ فيها من كُلّ زوجين اثنين وأهلك الا من سبق عليه القول ومن ءامن وما ءامنَ معه الا

قليلٌ (40)} [سورة هود] وقد جعل التنور ءاية، وقيل: انه طلوع الشمس، وكان تنوراً من حجارة كانت

لحواء، وقيل: كان تنوراً من أرض الهند، وقيل: بالكوفة، وأخبرته زوجته بفوران الماء من التنور، ولما

فار التنور حمل نوح من أمر الله بحمله وكانوا ثمانين رجلاً، وقيل غير ذلك. وكان فيها نوح وثلاثة بنوه

سام وحام ويافث وأزواجهم وتخلف عنه ابنه قيل اسمه يام وقيل كنعان وكان كافراً. ويقال ان نوحاً

حمل معه جسد ءادم عليه السلام، وقال نوح {وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومُرساها انَّ ربي

لغفورٌ رحيمٌ (41)} [سورة هود].


ثم ان المطر جعل ينزل من السماء كأفواه القرَبِ، فجعلت الوحوش يطلبن وسط الأرض هرباً من الماء

حتى اجتمعت عند السفينة فحينئذٍ حمل فيها من كل زوجين اثنين.

لما اطمأن نوح في الفلك، وأدخل فيه من أمر به جاء الماء كما قال تعالى: {ففتحنا أبواب السماء

بماءٍ منهمرٍ (11) وفجَّرنا الأرضَ عيوناً فالتقى الماءُ على أمرٍ قد قُدِرَ (12) وحملناه على ذات ألواحٍ

ودُسُرٍ (13)} [سورة القمر] والدسر: المسامير. وقوله تعالى: {تجري بأعيننا (14)} [سورة القمر] أي

بحفظنا وحراستنا.

وجعلت الفلك تجري بهم في موج كالجبال قال الله تعالى: {وهي تجري بهم في موج كالجبال (42)}

[سورة هود]، وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء مطراً لم تعهده الأرض قبله وأمر الأرض فنبعت

من جميع فجاجها، ونادى نوح ابنه الذي هلك لأن يؤمن ويصعد وكان في معزل: {يا بُني اركب معنا

ولا تكن من الكافرين (42)} [سورة هود] وكان كافراً خالف أباه في دينه، {قال سآوي الى جبلٍ

يعصمني من الماء (43)} [سورة هود]، فقال نوح: {قال لا عاصمَ اليومَ من أمر الله الا من رحمَ وحال

بينهما الموج فكان من المُغرقين (43)} [سورة هود].

قال جماعة من المفسرين: أرسل الله المطر أربعين يوماً، ويقال: انهم ركبوا فيها لعشر ليالٍ مضين

من رجب وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم، وكان الماء نصفين نصف من السماء ونصف من

الارض وقد ارتفع الماء على أعلى جبل في الأرض قيل: خمسة عشر ذراعاً، وقيل ثمانين والله

أعلم، وقد عم جميع الأرض سهلها وحزنها وجبالها وقفارها، فلم يبق على وجه الأرض أحد ممن

عبد غير الله عز وجل، قال الله تعالى: {فَكَذَّبوهُ فَأنْجيْناهُ والذين معه في الفُلكِ وأغرقنا الذين كذّبوا

بآياتنا انّهم كانوا قوماً عمين(74)} [سورة الأعراف]، وقال تعالى: {وَنَصَرْناهُ مِنَ القوم الذين كذّبوا

بآياتنا انَّهم كانوا قومَ سَوْءٍ فأغرقناهم أجمعين (77)} [سورة الأنبياء]. وطافت السفينة بالأرض كلها

لا تستقر حتى أتت الحرم فدارت حوله أسبوعاً، ثم ذهبت في الأرض تسير بهم حتى انتهت الى

جبل الجودي وهو بأرض الموصل فاستقرت عليه.

قال تعالى: {وقيلَ يا أرضُ ابْلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيضَ الماءُ وقضيَ الأمرُ واستوتْ على

الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين (44)} [سورة هود]. ثم لما غاض الماء أي نقص عما كان وأمكن

السعي فيها والاستقرار عليها هبط نوح ومن معه من السفينة التي استقرت بعد سيرها على ظهر

الجودي قال الله تعالى: {قيلَ يا نوح اهبط بسلامٍ منّا وبركاتٍ عليك وعلى أممٍ ممّن معك وأممٌ

سَنُمَتِّعُهُم ثمَّ يَمَسّهم منا عذابٌ أليمٌ (48)} [سورة هود].

ثم ان نسل أهل السفينة انقرضوا غير نسل ولده فالناس كلهم من ولد نوح، ولم يجعل لأحد ممن

كان معه من المؤمنين نسلاً ولا عقباً سوى نوح عليه السلام، قال تعالى: {وجعلنا ذريته هم

الباقين (77)} [سورة الصافات]، فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني ءادم

ينسبون الى أولاد نوح الثلاثة.

روى الامام أحمد عن سَمُرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سام أبو العرب، وحام أبو

الحبش، ويافث أبو الروم" رواه الترمذي عن سمرة مرفوعاً بنحوه، وقيل: المراد بالروم هنا الروم الأول

وهم اليونان، وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: "ولد نوح ثلاثة: سام ويافث وحام، وولد كل واحد

من هؤلاء الثلاثة ثلاثة: فولد سام العرب وفارس والروم، وولد يافث الترك والقالبة ويأجوج ومأجوج،

وولد حام: القبط والسودان والبربر".

ذكر اليوم الذي استقرت فيه السفينة :

قال قتادة وغيره: "ركبوا في السفينة في اليوم العاشر من شهر رجب فساروا مائة وخمسين يوماً

واستقرت بهم على الجودي شهراً، وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم" اهـ،

وقد روى ابن جرير خبراً مرفوعاً يوافق هذا، وأنهم صاموا يومهم ذلك.

وروى الامام أحمد في مسنده عن أبي هريرة قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من

اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال: "ما هذا الصوم؟" فقالوا: هذا اليوم الذي نجى الله فيه موسى

وبني اسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا اليوم استقرت فيه السفينة على الجودي فصامه

نوح وموسى شكراً لله عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أحق بموسى وأحق بصوم

هذا اليوم"، وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من وجه ءاخر الا انه ليس فيه ذكر نوح عليه

السلام.

عمر سيدنا نوح ووفاته :

قيل: بعث سيدنا نوح وله أربعمائة وثمانون سنة وانه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة

فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة والله أعلم.

ويروى أن نوحاً لما حضرته الوفاة قيل له: كيف رأيت الدنيا؟ قال: "كبيت له بابان دخلت من احدهما

وخرجت من الآخر".


وأما قبره عليه السلام فقيل: انه بالمسجد الحرام وهو الأقوى، وقيل: انه ببلدة في البقاع تعرف

اليوم "بكرك نوح" وهناك جامع قد بني بسبب ذلك فيما ذكر، وقيل: انه بالموصل والله أعلم.

وصية نوح عليه السلام لولده :

روى الامام أحمد في مسنده باسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال: "ان نبي الله نوحاً لما حضرته الوفاة قال لابنه: اني قاصّ عليك الوصية، ءامرك باثنتين وأنهاك

عن اثنين، وءامرك بلا اله الا الله، فان السموات والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا اله الا

الله في كفة رجحت بهن لا اله الا الله، ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة

قصمتهن لا اله الا الله، وسبحان الله وبحمده فانها صلات كل شيء وبها يرزق الخلق، وأنهاك عن

الشرك والكبر".

ثناء الله عز وجل على نوح عليه السلام :

قال الله تعالى مخبراً عن نبيه نوح عليه السلام {ذرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نوحٍ انَّهُ كانَ عبداً شَكوراً (3)}

[سورة الاسراء]، وروى الامام أحمد في كتاب الزهد عن محمد بن كعب القرظي قال: "ان نوحاً عليه

السلام كان اذا أكل قال: الحمد لله، واذا شرب قال: الحمد لله، واذا لبس قال: الحمد لله، واذا ركب

قال: الحمد لله، فسماه الله عبداً شكوراً".

تنبيه: ليس في هذه القصة أن الانسان يكون شكوراً بمجرد هذا بل شرط الشكور أن يكون تقياً

يؤدي الواجبات ويجتنب المحرمات ويكثر من العبادات التي يفرضها الله فرضاً ولذلك قال تعالى:

{وقليلٌ من عبادي الشَّكور (13)} [سورة سبأ].

فالشكور من بين المؤمنين قليل، ولا شكور ولا شاكر من الكفار ولو أكثروا قول الحمد لله والشكر لله

بألسنتهم، وكذلك المسلمون العصاة لا يكونون من الشاكرين لمجرد الاكثار من كلمة الحمد

والشكر.

وليس في هذا دليل على ما تدعيه الوهابية فانهم يظنون أن فرقتهم هم المؤمنون وهم الشاكرون

لما يعلمون من أنهم شرذمة قليلة بالنظر الى المسلمين الذين يخالفونهم لأن عددهم نحو مليون

والمسلمون مئات الملايين.

وقد صح في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "ان من أمتي من يشفع لأكثر من ربيعة

ومضر" رواه أحمد في مسنده، وربيعة ومضر أكثر من مائة مليون بل من مئات الملايين وذلك لأن

ربيعة ومضر من أقدم القبائل العربية، هؤلاء الذين يشفع فيهم هذا الرجل وهو شخص واحد، وهناك

من يشفع لكثير من الخلق في الآخرة، فكيف يصح مع هذا للوهابية أن يعتبروا أنفسهم المسلمين

ومن سواهم من المسلمين مشركين.

منق//////////////////////////قول من أحد المواقع