المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من سير الأنبياء ... نبي الله سيدنا إدريس عليه السلام



عابر البحار
02-03-2005, 03:44 AM
نبي الله ادريس عليه السلام

قال الله تعالى: {واذكُر في الكتابِ ادريس انّه كان صديقاً نبيّاً (56)} ورفعناه مكاناً عَلياً (57)}[سورة

مريم].

نبي الله ادريس عليه الصلاة والسلام نبوته ورسالته :

سيدنا ادريس عليه الصلاة والسلام هو أحد الأنبياء والرسل الكرام الذين أخبر الله عنهم في القرءان

الكريم، وقد ذكره الله تعالى في بضعة مواطن من سور القرءان، وهم ممن يجب الايمان والاعتقاد

بنبوته ورسالته على سبيل القطع والجزم، وقد وصفه الله تعالى في القرءان الكريم بالنبوة

والصديقية.

نسبُهُ وما جاء في وصفه :

اختلف في نسبه واشهر ما قيل هو ادريس بن يرد بن مهلاييل، ويسمى أيضاً أخَنوخ، وينتهي نسبه

عليه السلام الى نبي الله شيث بن ءادم عليهم الصلاة والسلام.

وقيل سمي ادريس بهذا الاسم لأنه مشتق من الدراسة، وذلك لكثرة درسه الصحف التي أنزلت

على سيدنا ءادم وابنه شيث عليهم الصلاة والسلام.

واما ما جاء في وصفه فقد روى الحاكم في المستدرك عن سَمُرة بن جندب قال: كان ادريس ابيض

طويلا، ضخم البطن، عريض الصدر، قليل شعر الجسد كثير شعر الرأس، وكانت في صدره نكتة بيضاء

من غير برص، فلما حصل من أهل الأرض الجور والاعتداء في أمر الله رفعه الله الى السماء فهو حيث

يقول: {ورفعناه مكاناً عليّاً (57)} [سورة مريم].

وقيل ان ادريس هو أول من خط بعد ءادم عليه السلام وقطع الثياب وخاطها، وينسب الى هذا النبي

الكريم أشياء كثيرة مما هي كذب وافتراء. وقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر رضي

الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا ذر أربعة سريانيون: ءادم، وشيث، وأخنوخ وهو

ادريس وهو اول من خط بالقلم، ونوح".

مولده ونشأته ودعوته الى تطبيق شريعة الله :

سيدنا ادريس عليه الصلاة والسلام هو ثالث الأنبياء بعد ءادم وشيث عليهم السلام، وقد اختلف

العلماء في مولده ونشأته فقال بعضهم ان ادريس ولد ببابل مدينة في العراق، وقال ءاخرون انه ولد

بمصر والصحيح أنه ولد بالعراق في مدينة بابل.

وقد أخذ ادريس عليه السلام في أول عمره بعلم شيث بن ءادم عليهما السلام ولما كبر ءاتاه الله

النبوة والرسالة وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة كما جاء في حديث أبي ذر رضي الله عنه الذي رواه

ابن حبان، فصار عليه السلام يدعو الى تطبيق شريعة الله المبنية على دين الاسلام الذي أساسه

افراد الله تعالى بالعبادة واعتقاد أنه لا أحد يستحق العبادة الا الله، وأن الله خالق كل شىء ومالك

كل شىء وقادر على كل شىء، وأن كل شىء في العالم يحصل بمشيئة الله وارادته، وأن الله تبارك

وتعالى لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ولا يشبهه شىء من خلقه.

فعاش سيدنا ادريس عليه السلام يعلم الناس شريعة الاسلام وأحكام دين الله، مع أن الناس الذين

كانوا في زمانه كانوا مسلمين مؤمنين يعبدون الله تعالى وحده ولا يشركون به شيئاً، واستمر الأمر

على هذه الحال الى أن ظهر ابليس اللعين للناس في صورة انسان ليفتنهم عن دين الاسلام،

وأمرهم أن يعملوا صوراً وتماثيل (1) لخمسة من الصالحين كانوا معروفين بين قومهم بالمنزلة والقدر

والصلاح، فأطاعوه وعملوا لهم صوراً وتماثيل، ثم لما طالت الأيام ظهر لهم مرة أخرى في وقت كثر

فيهم الجهل والفساد في الأرض، وأمرهم أن يعبدوا هذه التماثيل والأصنام الخمسة فأطاعوه

وعبدوهم واتخذوهم ءالهة من دون الله وصاروا كافرين مشركين، وكان ذلك بعد وفاة نبي الله ادريس

عليه السلام بمدة ولم يكن في ذلك الوقت نبي، قال الله حكاية عن هؤلاء الذين عبدوا هؤلاء

التماثيل التي كانت صوراً لخمسة من الصالحين: {وقالوا لا تَذرُنَّ ءالهتكم ولا تذرن وَدّاً ولا سُواعاً ولا

يغوثَ ويعوقَ ونسراً (23)} [سورة نوح]. فسيدنا ادريس عليه الصلاة والسلام عاش تتمة الألف سنة

بعد سيدنا ءادم على الاسلام هو ومن اتبعه ومن كان معه، يدعو المسلمين الذين كانوا في زمانه

الى تطبيق شريعة الله وأداء الواجبات واجتناب المحرمات، وأخذ ينهى عن مخالفة شريعة الاسلام،

فأطاعه بعضهم وخالفه بعض، فنوى أن يرحل فأمر من معه أن يرحلوا معه عن وطنهم العراق فثقل

على هؤلاء الرحيل عن وطنهم، فقالوا له: وأين نجد مثل بابل اذا رحلنا؟ وبابل بالسريانية النهر،

كأنهم عنوا بذلك دجلة والفرات، فقال لهم: اذا هاجرنا لله رزقنا غيره -أي بلداً غيره- فلما خرج سيدنا

ادريس عليه السلام ومن معه من العراق ساروا الى أن وافوا هذا الاقليم الذي يسمى بابليون فرأوا

النيل ورأوا وادياً خالياً فوقف سيدنا ادريس على النيل وأخذ يتفكر في عظيم قدرة الله سبحانه

وتعالى.

أقام سيدنا ادريس عليه الصلاة والسلام ومن معه في مصر يدعو الناس للالتزام بشريعة الله وكانت

مدة اقامته في الأرض كما قيل اثنتين وثمانين سنة ثم رفعه الله الى السماء ثم توفاه على هذه

الأرض، وكون وفاته على الأرض هو الصحيح.

دعوة سيدنا ادريس عليه السلام ومواعظه وءادابه وبعض ما سنّه لقومه :

لسيدنا ادريس عليه السلام مواعظ وءاداب اشتهر بها بين قومه وأهل ملته، فقد دعا سيدنا ادريس

عليه السلام الى دين الله واخلاص العبادة له، والى الالتزام بالشريعة والى تخليص النفوس من

العذاب في الآخرة بالعمل بالعدل وعدم الظلم، وأمرهم بالصلاة وبيّنها لهم، وأمرهم بصيام أيام معينة

من كل شهر، وأمرهم بزكاة الأموال معونة للفقراء، وشدد فيه تشديداً عظيماً، وقيل جعل لقومه

أعياداً كثيرة في أوقات معروفة، وقيل كان في زمانه اثنان وسبعون لغة يتكلم الناس بها وقد علمه

الله تعالى لغاتهم جميعها ليعلم كل فرقة من قومه بلغتهم كما الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول الا

بلسان قومه ليُبَيّنَ لهم (4)} [سورة ابراهيم].

وقيل انه علّم قومه العلوم، وانّه أول من استخرج الحكمة وعلم النجوم فان الله سبحانه وتعالى

أفهمه أسرار الفلك وتركيبه، وأفهمه عدد السنين والحساب، وقيل انه أول من نظر في علم الطب،

وأول من أنذر بالطوفان، وأول من رسم لقومه قواعد تمدين المدن. وأقام للأمم في زمانه سنناً في

كل اقليم سنّة تليق بأهله.

حِكَمُ سيدنا ادريس عليه السلام ومواعظه :

اشتهر سيدنا ادريس عليه الصلاة والسلام بالحكمة والمواعظ المؤثرة، فمن حكمه عليه الصلاة

والسلام: "الصبر مع الايمان بالله يورث الظفر" وقد قيل انّ هذه الحكمة كانت منقوشة على فص

خاتمه، ومنها: "اذا دعوتم الله فأخلصوا النية وكذا الصيام والصلوات فافعلوا" أي أخلصوا النية لله

تعالى في الدعاء والصيام والصلوات.

ومنها: "تجنبوا المكاسب الدنيئة"، ومنها: "من أراد بلوغ العلم والعمل الصالح فليترك من يده أداة

الجهل وسىّء العمل"، ومنها: "حياة النفس الحكمة"، ومنها: "لا تحلفوا بالله كاذبين".

فائدة: روي أن سيدنا ادريس عليه الصلاة والسلام جاءه مرة ابليس في صورة انسان وكان سيدنا

ادريس يخيط وفي كل دخلة وخرجة يقول سبحان الله والحمد لله، فجاءه ابليس اللعين بقشرة وقال

له: الله تعالى يقدر أن يجعل الدنيا في هذه القشرة؟ فقال له سيدنا ادريس: الله تعالى قادر أن

يجعل الدنيا في سَم هذه الابرة أي ثقبها، ونخس بالابرة في احدى عينيه وجعله أعور.

وأما قول ادريس عليه السلام الله تعالى قادر أن يجعل الدنيا في سم هذه الابرة، أراد به أن الله

تبارك وتعالى قادرٌ أن يصور الدنيا أصغر من سم الابرة ويجعلها فيها، أو يجعل سم الابرة أكبر من

الدنيا فيجعلها أي الدنيا في سم الابرة، لأن الله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، وانّما لم يفصل

له سيدنا ادريس عليه الصلاة والسلام الجواب لأنه معاند، ولهذا عاقبه على هذا السؤال بنخس

العين. ذكر هذه القصة الأستاذ أبو اسحاق الاسفرايني في كتابه الترتيب في أصول الفقه.

رَفْعُ ادريس عليه السلام الى السماء ومكان موته :

أقام سيدنا ادريس عليه الصلاة والسلام في العراق وفي مصر يدعو الى دين الاسلام، جاهد في

سبيل الله، وصبر في الدعوة الى الله الصبر الجميل، وتحمل من قومه الكثير وهو بدعوهم الى

الالتزام بالشريعة وبطاعة المولى سبحانه وتعالى في حق ادريس عليه الصلاة والسلام: {واذكر في

الكتاب ادريس انّه كان صديقاً نبياً (56) ورفعناه مكاناً عليا(57)} [سورة مريم].

وقد اختلف المؤرخون في السماء التي رفع اليها سيدنا ادريس عليه السلام، فقد روي عن ابن

عباس أنه قال في تفسير الآية: ان الله رفعه الى السماء السادسة فمات بها، وروي عن مجاهد في

قوله تعالى: {ورفعناه مكاناً عليا(57)} قال السماء الرابعة .

منق/////////////ول من أحد المواقع